أرغفة خبز تحوي بقايا سجائر وقطع نايلون وخيوط بيضاء من أكياس الطحين، ما وجده أبو أحمد أحد سكان بلدة خناصر في جبل الحص بريف حلب الجنوبي داخل ربطة خبز اشتراها لعائلته من فرن البلدة، في مشهد يعكس انخفاض جودة الخبز المتوفر في المنطقة وعدم مطابقته للمواصفات الفنية والصحية.
يقول الرجل بغضبٍ “يضاف إلى ذلك نوعية طحين رديء تساعد في تلف الخبز العصي على التخزين، وعدم الالتزام بمعايير النظافة العامة، رأيت عمالاً يعجنون الطحين والسجائر في أفواههم”.
يؤكد أبو أحمد أنه في كل مرة يخسر رغيفين من كل ربطة بسبب ذلك، إضافة إلى غياب “الأفران السياحية” في المنطقة الممتدة من السفيرة حتى خناصر، ما يجبر السكان على شراء الخبز من أفران البلدة رغم افتقارها للجودة.
يستحضر السكان العائدون من مناطق نزوحهم في إدلب وريف حلب الغربي الفارق الكبير في جودة الخبز، يقول أبو أحمد “هناك فرق هائل بين ما نأكله اليوم وما كنا نحصل عليه سابقاً”.
يجمع أهالٍ في قرى الريف الجنوبي تحدثنا إليهم على رداءة الخبز المصنع في الأفران القليلة الموجودة، والذي بات مصدر قلق وإزعاج لهم. يقولون “لابديل عن شراء الخبز من الأفران الموجودة حالياً في خناصر وما حولها”. وينعكس سوء تخمير الخبز، ووجود ملوثات فيه على سلامة المستهلكين مسببة مشاكل صحية لهم.
يحذر مصعب العيسى، وهو طبيب مختص بالأمراض الهضمية، من أضرار الملوثات، يقول إن “احتراق النايلون داخل الأفران يؤدي لتحلل مركبات كيميائية سامة مثل الفثالات، وهي مواد تصنف كـ “مسرطنات” تسبب مشاكل صحية وتساهم في ارتفاع حالات الإصابة بأمراض القولون”.
يكشف يوسف الخطاب، مدير المخابز في محافظة حلب عن عشرات الضبوط التموينية التي طالت أفراناً في ريف حلب الجنوبي، سجلتها مديرية المخابز. يقول إن المديرية “نظّمت نحو 45 ضبطاً تموينياً في أفران المنطقة خلال الفترة الأخيرة، 11 ضبطاً منها متعلقاً بالنظافة والشروط الصحية، وسبعة ضبوط خاصة بنقص الوزن، إضافة إلى خمسة ضبوط سببها سوء التصنيع، وخمسة أخرى عن وجود إصابات حشرية مثل “السوس” في الأرغفة.
تعكس الضبوط التموينية حجم المخالفات في بعض الأفران العاملة، لكن أزمة الخبز في ريف حلب الجنوبي لا تتوقف عند حدود سوء الجودة أو غياب الالتزام بالشروط الصحية، بل تتجاوزها إلى نقص توفر الخبز أساساً في عدد من القرى، نتيجة غياب الأفران أو توقفها عن العمل.
ففي بلدة دلامة، وسط الريف الجنوبي، لا يوجد فرن يخدم الأهالي ويوفر احتياجاتهم من مادة الخبز، إذ يضطر نحو ثلاثة آلاف شخص إلى قطع مسافة تصل إلى قرابة 13 كيلومتراً وصولاً لبلدة الحاضر لتأمين الخبز، ما يجعلهم عرضة لاستغلال المعتمدين والباعة الجوالين.
يقول مختار القرية إبراهيم الحمادين “إذا لم يأتِ البائع الجوال قد يبيت أطفالنا بلا خبز”. ويضيف “قريتنا منسية بلا أفران، والاعتماد كله على المعتمدين أو نضطر لقطع مسافات طويلة لتأمين رغيف الخبز”. يصل سعر الربطة، 10 أرغفة بوزن 1150 غراماً، إلى خمسة آلاف ليرة سورية، بزيادة ألف ليرة سورية عن سعرها الحقيقي في الأفران.
يشير المختار إلى أن عائلة مكونة من خمسة أفراد تحتاج يومياً إلى ربطتين أو أكثر، وتنفق نحو 15 ألف ليرة ثمن مادة الخبز، هو مبلغ مرهق لكثير من الأهالي، إضافة إلى صعوبة الحصول على المادة يومياً، ما دفع أهالٍ إلى العودة لصناعة خبز التنور أو الصاج في منزلها رغم مشقة ذلك.
يضم ريف حلب الجنوبي 17 مخبزاً، تسعةٌ منها حكومية وثمانية خاصة، يعمل منها 10 أفران فقط ليخدم كافة المناطق في ريف حلب الجنوبي. يؤكد الأهالي أن نحو سبعة مخابز منها دمرت خلال سنوات الحرب وخرجت عن الخدمة وإلى اليوم لم يتم إعادة ترميمها وإصلاحها، وما نجا من القصف لم ينجُ من النهب والتعفيش إذ تعرض عدد منها إلى سرقة كافة آلاتها ومعداتها بعد النزوح.
وبلغت مخصصات الأفران الحكومية في بلدات الحاضر وجزرايا وتل الضمان وأرجل وتل حديا، نحو 14 طناً من الدقيق يومياً، أما المخابز الخاصة في بلدات الحاضر العليوي وعسان والزربة، فتصل مخصصاتها إلى ما يقارب 6 طناً، بمعدل استهلاك 1465 ليتراً من المازوت يومياً. لتغطي هذه الكميات احتياجات نحو 80 ألف نسمة تقريباً من السكان الموجودين في ريف حلب الجنوبي، وفق يوسف الخطاب.
منذ نحو عام شهدت قرى وبلدات ريف حلب الجنوبي حركة عودة واسعة للأهالي من مناطق نزوحهم، وترافق هذا الضغط السكاني المتزايد مع نقص الخدمات الأساسية للأهالي العائدين وأهمها تأمين مادة الخبز، وأصبح البحث عن الرغيف يومياً أزمة خانقة، وسط مطالبات من المعنيين تحمل مسؤوليتهم وتشغيل الأفران، إذ وجه باسل العيسى، عضو مجلس بلدية زمار، نداءً عاجلاً بضرورة تفعيل المنشآت المعطلة.
يقول “إلى اليوم تعيش بلدة زمار والقرى المحيطة بها بلا أي فرن، والناس مجبرة على شراء الخبز من الباعة بأسعار مرتفعة”. مطالباً مديرية مخابز حلب بتشغيل فرن زمار، وتجهيز مخبز في قرية طلافح ليكون فرناً يخدم المزارع والقرى البعيدة، لإنهاء المشكلة التي تتفاقم مع كل عائلة جديدة تعود، وفق قوله.
إلى جانب نقص الأفران وتدني جودة الخبز، يواجه الأهالي مشكلة أخرى تتمثل في احتكار بعض المستثمرين للمخابز، ففي بلدة عبطين يشكو السكان من سوء إدارة مستثمري فرن البلدة الذين يعملون أحياناَ ويتوقفون أحياناً أخرى عن الإنتاج، ما يسبب أزمة انقطاع المادة الأساسية في المنطقة بشكل متكرر، ويحول عقود الاستثمار من أداة تشغيل إلى وسيلة تعطيل فعلي للخدمة.
يقول أبو حسن، اسم مستعار، وهو أحد سكان بلدة عبطين، “إن ما يحدث احتكار علني وحرمان الأهالي من رغيف الخبز”. مضيفاً “الفرن مجهز للعمل ولا مبرر لتوقفه، والناس بحاجة ماسة للخبز، لكن هناك مستثمر لديه عقد بإدارة الفرن لمدة عشر سنوات وقعه قبل ستة سنوات وإلى الآن لم يقم بتفعيل الفرن لأسباب غير واضحة”.
تقدم العديد من السكان بشكاوى إلى البلدية ومنطقة سمعان الجنوبية، لعدم التزامهم بطرح مادة الخبز بشكل منتظم وكاف لأهالي المنطقة، كما أنهم لا يتنازلون عن الرخص التي بحوزتهم لاتاحة المجال لغيرهم، لكن الجواب دائماً كان أنه “لا يمكن فسخ عقد فرن بعهدة مستثمر”. بينما طرحت مخابز متوقفة عن العمل للاستثمار مجدداً من قبل البلديات مثل مخبز العامرية.
يوسف الخطاب، مدير مخابز محافظة حلب، قال إن مخبز عبطين توقف عن العمل بعد ادعاء المستثمر أن هناك صعوبة في تصريف الإنتاج في البلدة، دون التطرق لحلول ترضي السكان وتوفر الخبز.
رغم تسجيل عشرات الضبوط التموينية بحق مخالفات في عدة أفران، لا تبدو هذه الإجراءات كافية لضبط جودة إنتاج الخبز وعدم استمرار تعطل الأفران، و تطبيق رقابة فعلية على المستثمرين لضمان وصول مادة الخبز إلى جميع السكان في قرى وبلدات ريف حلب الجنوبي.
