فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

ولادات متعسرة.. رعاية صحية غائبة في ريف حلب الشرقي 

فاطمة الحاج أحمد

مراكز صحية مغلقة أو غير مجهّزة لاستقبال حالات الولادة في ريف حلب الشرقي، إذ تواجه النساء الحوامل تحديات كثيرة للوصول إلى المستشفيات، وسط سباق مع الزمن في سبيل إنقاذ الأم وجنينها في بيئة تفتقر إلى خدمات إسعافية وتجهيزات طبية كافية

في ساعة متأخرة من الليل، كانت سحر المحمد تعيش آلام المخاض، داخل سيارة زوجها على طريق ترابي مظلم في قرية رسم الأحمر بريف حلب الشرقي، خلال بحثهم عن أي مركز صحي للولادة يستقبل الحالات الليلية، إذ تقتصر خدمات المستوصف الصحي الأقرب إلى منزلها على معاينات نهارية في عيادات متخصصة فقط.

الخوف من عدم الوصول في الوقت المناسب إلى مركز طبي أو مستشفى متخصص بالولادة والقلق على حياة الأم والجنين، يطغى على آلام المخاض في أرياف حلب الشرقية، تقول سحر وهي تستعيد تفاصيل رحلة ولادتها.

تخبرنا سحر أنها توجهت رفقة زوجها إلى مستوصف بلدة الخفسة القريب من منزلهما مع بداية آلام المخاض، وهو المكان الذي اعتادت متابعة حملها فيه. في المستوصف عيادة نسائية تفتقر إلى التجهيزات والكوادر الطبية اللازمة لاستقبال حالات الولادة، إذ يخلو من وجود أطباء ويقتصر عمله على ممرضين، ما استدعى البحث سريعاً عن مركز آخر.

خيارات البحث ضيقة في ريف حلب الشرقي الذي يضم مناطق واسعة وقرى عديدة تتبع إدارياً لمدن دير حافر، الباب، منبج، جرابلس وعين العرب “كوباني”.

تفتقر هذه القرى والبلدات إلى وجود مستشفيات حكومية أو خاصة، رغم الكثافة السكانية الكبيرة في تلك المناطق، وتتركز مستشفيات التوليد في مدينة منبج فقط، والتي تضم مستشفى حكومياً وحيداً هو مستشفى منبج الوطني، إضافة إلى خمس مستشفيات خاصة وهي “الأمل الجراحي، الحكمة، دار الشفاء، منبج التخصصي، والحياة”.

مستشفى منبج الوطني، الذي يبعد عن مكان سكن سحر أكثر من 40 كيلومتراً أي نحو 40 دقيقة في السيارة، كان خيار سحر التي أدركت أن البحث والانتظار ليس في صالحها، فهي على وشك الولادة في أي  لحظة، تقول إن أقرب عيادة طبيبة نسائية متخصصة في قريتها كانت مغلقة، لأن الطبيبة تعمل بنظام مناوبة بين منطقتين.

تضطر نساء في ريف حلب الشرقي إلى قطع مسافات طويلة عبر طرق وعرة وسط غياب أي مستشفيات قريبة في ريفي مسكنة ومنبج قادرة على التعامل مع حالات الولادة التي تحتاج تدخلاً طبياً فورياً، ورغم وجود عدة عيادات نسائية في ريف منبج إلا أنها لا تشكل بديلاً عن الستشفيات في الحالات الطارئة أو المعقدة التي تستدعي تجهيزات طبية متكاملة، ما يجعل مدينة منبج الوجهة شبه الوحيدة لمئات النساء عند بدء المخاض.

تقدم المستوصفات والمراكز الصحية في دير حافر وصرّين ومنبج خدمات الرعاية الصحية الأولية بشكل مجاني، وتضم عيادات عامة وعيادات تخصصية من بينها عيادات أطفال، وعيادات نسائية لرعاية الحوامل وتنظيم الأسرة، إضافة إلى خدمات وقائية منها برامج اللقاحات الوطنية للأطفال.

وقد شهدت هذه المراكز حملة إعادة تأهيل وتفعيل واسعة مطلع عام 2026، وفق رئيس دائرة برامج الصحة العامة في مديرية صحة حلب، الطبيب عبد الله عبد الباري.

ويعزو الطبيب عبد الباري، فقر خدمات التوليد في المنطقة إلى ضعف البنية التحتية في المراكز الصحية الريفية، ونقص الكوادر الطبية من أطباء وقابلات، إضافة إلى محدودية الموارد المالية. يقول “إن المنطقة بحاجة إلى حلول إسعافية، بسبب عدم وجود أقسام توليد مجهّزة في عدد من المستوصفات”.

يزداد الوضع سوءاً مع حلول الليل، فلا عيادات أو مستوصفات تفتح أبوابها لاستقبالهن، وتترك النساء وحدهن في مواجهة المخاض بلا مستشفيات أو إسعاف، أم محمد 32 عاماً من قرية الذخيرة، عاشت تجربة ولادتها الأخيرة في رعب وخوف على حياة جنينها، تقول “عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل بدأت آلام الولادة تشتد عليّ، توجهنا إلى أقرب مستوصف للتأكد من أنني في مرحلة تستدعي النقل إلى المستشفى، لكننا وجدناه مغلقاً فهو في هذا التوقيت يكون بلا مناوبة أو خدمة إسعافية”.

وتضيف: لم يكن أمامنا سوى البحث عن سيارة تقلنا إلى مستشفى منبج الوطني والذي يبعد نحو 35 كيلو متر عن قريتنا أو الانتظار للصباح رغم خطورة ذلك.

لا يعد توقيت ولادة أم محمد  حالة استثنائية، إذ أظهرت دراسة مشتركة لجامعتي لندن وكاليفورنيا نُشرت في مجلة PLOS One  أن نحو 7 من كل 10 ولادات طبيعية تبدأ ليلاً، وتبلغ ذروتها بين الواحدة والسابعة صباحاً مع تسجيل أعلى معدّل قرابة الرابعة فجراً.

تصف أم محمد المرأة التي يصادف موعد ولادتها نهاراً بـ “المحظوظة”، وتوضح ذلك: “حينها، تكون الطرقات أكثر أماناً والمراكز الصحية مفتوحة وفرصة الوصول إلى طبيب مختص أو وسيلة نقل ممكنة أكثر، أما الولادة ليلاً فتعني طرقاً مظلمة ومراكز مغلقة ومسافات طويلة وسباقاً مع الزمن في سبيل إنقاذ الأم وجنينها في بيئة تفتقر إلى خدمات إسعافية وتجهيزات طبية كافية”.

الكثافة السكانية المرتفعة في قرى ريف حلب الشرقي، تقابلها ندرة المستشفيات المتخصصة بأمراض النساء والتوليد إضافة إلى قلة عدد الأطباء الاختصاصيين، والعيادات المتنقلة والفرق الإسعافية الجاهزة للتعامل مع حالات المخاض الطارئة.

في بلدة الخفسة، على سبيل المثال، ثلاثة أطباء اختصاص نسائية، أحدهم طبيب مقيم في البلدة، فيما تفتح طبيبة أخرى عيادتها في أيام محددة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى رعاية طبية متخصصة مسألة توقيت وحظ، أما حالات الولادة القيصرية فهي أكثر خطورة يحتاج مستشفى.

تلجأ النساء إلى القابلات القانونيات للولادة، يقول الطبيب عبد الله عبد الباري، إن للقابلات القانونيات دور أساسي في سد الفراغ القائم، مشيراً إلى خطط مستقبلية لتطوير هذا الدور وعد به الطبيب عبد الباري عبر تنظيم تدريبات تأهيلية في محاولة لتعويض النقص في أعداد أطباء وطبيبات النسائية.

أم خليل، من ريف مدينة مسكنة، قصدت قابلة قانونية في قريتها، مثله معظم النساء في القرى التابعة لمنطقتي الخفسة ومسكنة، على حدّ قولها، إذ تعرف نساء المنطقة مسبقاً أن مستوصف مسكنة “لا يقدم خدمات التوليد”، كذلك تخلو المنطقة من “طبيبة نسائية قريبة”.

تتحول القابلات القانونيات إلى خط الدفاع الأول في لحظات الولادة بقرى وبلدات ريف حلب الشرقي، إذ يسد جهدهن فراغاً خلفه غياب خدمات التوليد اللازمة. ولدت أم خليل في منزل القابلة أمينة، وسط خوف من حدوث نزيف أو مضاعفات، لكنها لا تملك خياراً آخر في لحظة لا ينفع فيها الانتظار. 

تعمل القابلة أمينة البوشي في ريف حلب الشرقي منذ نحو 35 عاماً، تستقبل يومياً ما بين حالتي ولادة إلى ثلاث حالات، معظم الحالات تصلها ليلاً. تقول: “تحول عملي بمرور الوقت من مهنة إلى مسؤولية إنسانية”.

داخل منزلها، جّهزت القابلة أمينة تفتح عيادة لتوليد النساء مجاناً بمبادرة شخصية منها. إذ تستقبل النساء من عدة قرى تابعة لمناطق الخفسة ومسكنة ودير حافر. تقول إن عدداً كبيراً من النسوة تقصدن عيادتها ليس بدافع التفضيل، بل نتيجة عجزهن عن تحمل تكاليف المستشفيات والعيادات الخاصة أو حتى الوصول إليها في الوقت المناسب.

وجود قابلات قانونيات في القرى أمثال أمينة لا يغني عن ضرورة الذهاب إلى المستشفيات في الحالات الخطيرة أو الولادات القيصرية. تقول “أحوّل أي حالة تشكّل خطراً على الأم أو الجنين إلى المستشفى فوراً”.

النساء في ريف حلب الشرقي و القابلات اللواتي قابلناهن طالبن من مديرية صحة حلب فتح أقسام توليد ضمن المستوصفات، وتأمين التجهيزات والكوادر الطبية المؤهلة، تقول القابلة أمينة إن “النساء هنا لا يطلبن رفاهية، بل حقاً أساسياً لهن في ولادة آمنة”

في قرى الخفسة ومسكنة ودير حافر، لا تتوقف مشكلة النساء عند ضعف الخدمات الصحية فحسب، بل تتضاعف بفعل الأعباء المالية المرتفعة التي ترافق رحلة الولادة، إذ تصطدم العائلات بتكاليف وصفنها بـ “الباهظة”.

تتجاوز تكلفة الولادة الطبيعية في بعض عيادات النسائية 700 ألف ليرة سورية، فيما تقفز تكلفة الولادة القيصرية إلى أكثر من 3 ملايين ليرة، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم العائلات في تلك المناطق.  وتضطر الأسر لتحمل نفقات إضافية بدءاً من أجرة المعاينة في العيادات الخاصة التي تصل إلى 50 ألف ليرة، وصولاً إلى تكلفة استئجار سيارة لنقلهن إلى المستشفيات في منبج، والتي تبلغ نحو 400 ألف ليرة سورية.

بحسب سيدات تحدّثنا معهن، يفوق هذا المبلغ إمكانيات معظم العائلات، ويحوّل الولادة من حق أساسي إلى عبء مالي ثقيل يواجهه النساء في واحدة من أكثر لحظات حياتهن صعوبة. وأضفن أن الوصول إلى المستشفيات الحكومية لا يعني بالضرورة الحصول على رعاية طبية مناسبة، فهناك قوائم انتظار طويلة وإجراءات تسجيل مسبق، إضافة إلى ما وصفنه بـ “المحسوبيات” التي تتحكم بأولوية الدخول.

بين طرق ترابية ومراكز صحية بلا أقسام توليد، تتحول لحظة المخاض في ريف حلب الشرقي إلى اختبار قاسٍ للأمهات وعائلاتهن، ومع غياب خدمات الإسعاف وقلة الكوادر الطبية تعيش النساء واقعاً صعباً تواجه فيه آلام المخاض بموارد محدودة دون ضمان حقهن في رعاية صحية آمنة ومتاحة في الوقت والمكان المناسبين.