داخل أحد أجنحة مستشفى ابن خلدون للأمراض النفسية والعقلية في حلب، وأمام نافذة تطل على ساحة المستشفى، يقف مريضان بصمت في ممر طويل. يستند أحدهما إلى حافة النافذة محدقاً إلى الخارج، بينما يقف الآخر إلى جانبه بهدوء، وكأنهما يتشاركان لحظة صامتة خلف الزجاج. الحركة في الجناح محدودة، والممر شبه خالٍ، فيما تقود الأبواب المغلقة على جانبيه إلى غرف المرضى.
يرتدي معظم المقيمين ملابس موحّدة، كنزات حمراء أو زرقاء كُتب على ظهرها اسم مستشفى ابن خلدون مع بنطال أسود، بينما يفضّل بعضهم ارتداء ملابسه الشخصية القديمة. وعلى امتداد الممرات يقف مرضى طويلاً قرب النوافذ يراقبون الخارج، أو ينتظرون موعد الخروج إلى حديقة المستشفى أو الملعب.
بعض الوجوه تبدو شاحبة تميل إلى العزلة داخل الغرف، فيما يجلس آخرون في الممرات أو يتجولون بخطوات بطيئة بين الأجنحة، يمر الممرضون بين الغرف لمتابعة الحالات وتوزيع الأدوية. يبدو المشهد هادئاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي خلفه حكايات طويلة مع المرض النفسي، نظرات شاردة ووجوه مثقلة بالتجربة، ومرضى يقضون أيامهم داخل هذه الممرات بانتظار تحسن قد يعيدهم يوماً إلى حياتهم خارج هذه الجدران.
الطريق إلى ابن خلدون
يقود الطريق شرقي مدينة حلب نحو منطقة الدويرينة إلى بوابةٍ حديديةٍ كبيرة تعلوها لوحة كتب عليها اسم مستشفى ابن خلدون للأمراض النفسية والعقلية، وعلى امتداد الطريق المؤدي إليها، لا يظهر سوى جذوع أشجارٍ مقطوعة تزيد من وحشة المكان، في مشهد يعكس آثار سنوات طويلة من الحرب، لكن داخل أبواب المستشفى يتبدل المشهد، أشجار خضراء كبيرة تتوزع داخل أبنيته، وملعب وحديقة يشغلان مساحة كبيرة داخل حرم المستشفى، ويشكلان مساحة هادئة ومتنفس لمئات المرضى.

داخل هذه الجدران يعيش مئات المرضى مراحل علاج مختلفة للوصول إلى التعافي، بعضهم أنهى فترة علاجه وغادر، آخرون ما زالوا يقيمون فيه منذ سنوات، بينما يتابع قسم آخر رحلة علاجهم وسط تحديات كثيرة من بينها آثار الحرب ونقص الأدوية وضعف الإمكانيات.
خلّفت أربعة عشر عاماً من الحرب في سوريا ندوباً عميقة لم تقتصر على الدمار المادي، بل امتدت إلى الصحة النفسية لملايين السوريين، مع تزايد ملحوظ في معدلات الاضطرابات النفسية وحالات الانتحار. وباتت خدمات العلاج والدعم النفسي في المشافي والمراكز المتخصصة واحدة من أبرز الاحتياجات الصحية الملحة للمرضى.
منظمة الصحة العالمية قالت في تقرير صادر لها عام 2017، إن واحداً من بين كل 30 سورياً يعاني من حالة صحية نفسية وصفتها بـ”الوخيمة”، في حين يعاني شخص واحد من كل 10 أشخاص من اضطرابات نفسية تتراوح بين الخفيفة والمعتدلة، نتيجة التعرض طويل الأمد للعنف والصدمات المرتبطة بالحرب.
تسلّط هذه الأرقام الضوء على حجم التحديات التي تواجه قطاع الصحة النفسية في البلاد، والحاجة المتزايدة إلى توسيع الخدمات العلاجية وتعزيز الوصول إليها، في شمال سوريا.
يعد مستشفى ابن خلدون في حلب أول مؤسسة نفسية متخصصة، وثاني أكبر مستشفيات علاج الأمراض النفسية والعقلية في سوريا إلى جانب مستشفى ابن سينا وشعبة ابن رشد لعلاج الإدمان والاضطرابات النفسية في دمشق.
يقول الطبيب موفق عموري، المدير العام لمستشفى ابن خلدون، إنه مركز إحالة ثالثي، وليس مستشفى خدمات أولية، يستقبل الحالات النفسية المعقدة من مختلف مدن الشمال السوري ويقدم خدماته بشكل مجاني.
تأسس المستشفى عام 1952، ويخدم إضافة إلى محافظة حلب ست محافظات أخرى من حماة إلى الحسكة. يضم 15 كتلة بنائية على مساحة عشرة هكتارات تتوزع بين الأقسام الخدمية والهندسية والطبية والإدارية، خمسة من الأبنية تخضع لأعمال الترميم بعد تضررها في سنوات الحرب، ومع ذلك تؤكد إدارة المستشفى أنها تعمل على توفير خدماتها الصحية والنفسية لكافة المحتاجين إليها.
وحديثاً أطلق المستشفى خدمة الخط الساخن لوصول الرعاية النفسية إلى أكبر عدد ممكن، يضم ثلاثة خطوط استجابة مخصصة لتقديم الدعم النفسي عبر الهاتف، منها خط الاستجابة للاضطرابات النفسية، وخطٍ لدعم حالات الإدمان، وخطٍ مخصصٍ للتعامل مع حالات الانتحار أو محاولاتها، وفق ما أكده الطبيب عموري.

انتقل مستشفى ابن خلدون إدارياً من هيئة مستقلة إلى إشراف وزارة الصحة، ضمن إعادة تنظيم قطاع الصحة النفسية في سوريا، إلى جانب مؤسسات أخرى متخصصة هي مستشفى ابن رشد في دمشق، ومستشفى ابن سينا في ريف دمشق.
مدير الصحة النفسية وائل الراس، أوضح أن خدمات الصحة النفسية باتت مدمجة أيضاً ضمن منظومة الرعاية الصحية الأولية لاسيما في مراكز الرعاية الأولية المستوى الثالث. مشيراً إلى وجود مركز سرمدا في محافظة إدلب، الذي يعمل حالياً كوحدة استشفاء بإدارة منظمة إنسانية، لافتًا إلى أن إدارة الصحة النفسية تعتزم نقل هذه الخدمات إلى مديرية صحة إدلب خلال الربع الثاني من العام الجاري.
أسابيع.. أشهر.. ربما سنوات
يضم مستشفى ابن خلدون حالياً ما بين 250 إلى 260 مريضاً مقيماً، تختلف مدة بقائهم وفق طبيعة التشخيص، ففي بعض الاضطرابات النفسية قد يخرج المريض بعد أسابيع من العلاج بينما قد تمتد الإقامة في حالات أخرى إلى عدة أشهر خصوصاً في الاضطرابات المزمنة أو المعقدة.
وتتنوع الحالات التي يستقبلها المستشفى ما بين اضطرابات نفسية حادة مثل الاكتئاب الشديد والاضطراب ثنائي القطب والذهان، واضطرابات سلوكية ونفسية مرتبطة بظروف الحرب والصدمات، وحالات الإدمان على المواد المخدرة. يشير الطبيب عموري إلى وجود عدة حالات إعاقة ذهنية تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد.
قدرة المستشفى الاستيعابية اليوم، تبلغ نحو 620 سريراً، 300 سرير فقط في الخدمة، يتم تأمين الأدوية النفسية المختلفة للمرضى، بما في ذلك الأدوية المخصصة لعلاج بعض الاضطرابات النفسية، وذلك وفق الأطر الطبية المعتمدة.
من القبول إلى التأهيل
يتولى مكتب القبول استقبال المرضى الذين يحتاجون الدخول إلى الأجنحة الداخلية، إضافة إلى استقبال الحالات التي تراجع العيادات الخارجية التخصصية، وهي عيادات تقدم خدماتها للمرضى المقيمين في المستشفى، إلى جانب المرضى المراجعين من خارج الأجنحة، ويغطي مختلف الاختصاصات المرتبطة بالصحة النفسية.
يخضع المريض في مرحلة القبول لسلسلة من الفحوصات الطبية الشاملة للتأكد من حالته الصحية العامة، تشمل عادة تحاليل مخبرية أساسية، وفحوصات داخلية للتأكد من سلامة الأعضاء الحيوية، وتقييمات جراحية عند الحاجة، وفق ما أكدته الطبيبة إيمان عواد، وهي طبيبة مقيمة سنة ثالثة اختصاص، إضافة إلى تقييم نفسي شامل لتحديد التشخيص وخطة العلاج.

تضيف، بعد القبول يتابع الحالة أطباء اختصاصيون إلى جانب الكادر التمريضي والمرشدين النفسيين، ويجري تحديث الخطة العلاجية بشكل دوري بناءً على تطور الحالة.
يتضمن العلاج داخل المستشفى مجموعة من البرامج التأهيلية التي يشرف عليها قسم الإرشاد النفسي، تشرح الطبيبة إيمان عواد آلية العلاج النفسي والدعم غير الدوائي، الذي يشمل جلسات علاج نفسي فردي وجماعي وجلسات دعم وإرشاد أسري، إضافة إلى أنشطة فنية وموسيقية ورياضية وترفيهية، هدفها دعم الاستقرار النفسي للمريض ومساعدته على استعادة مهاراته الاجتماعية تمهيداً لعودته إلى المجتمع.
ويشرح الطبيب عموري، أنه عند استقبال المريض تُجرى له مقابلة نفسية مفصلة، ثم يُعرض على لجنة قبول مؤلفة من أطباء اختصاصيين، وبعد هذه المرحلة يمكث المريض في جناح الحالات الحادة نحو خمسة عشر يوماً يخضع خلالها لمراقبة دقيقة، بعدها يُنقل إلى جناح أكثر هدوءاً إذا استقرت حالته.
أما بالنسبة للمرضى المقيمين من الحالات الحادة، يوضح الطبيب عموري، أن مدة إقامتهم في المستشفى تتراوح بين أسبوعين وعدة أشهر حسب حالتهم الصحية وخطة العلاج المعتمدة. وخلال فترة الإقامة، يوفّر المستشفى جميع احتياجات المرضى الأساسية، بما في ذلك الطعام واللباس والتدفئة، إضافة إلى الرعاية الطبية والنفسية اللازمة على مدار الساعة.
أجنحة مخصصة ونظام مراقبة
تعتمد الخطة السريرية في مستشفى ابن خلدون على نظام أجنحة منفصلة للمرضى وفق الجنس وطبيعة الحالة ويضم المستشفى أربعة أقسام للرجال وقسمين للنساء، مع فصل كامل بين الأقسام حفاظاً على الخصوصية، ويشرف على جناح النساء كادر نسائي بالكامل بما في ذلك الطواقم التمريضية مع إجراءات تنظيمية تضمن وجود أكثر من شخص من الكادر الطبي عند دخول الطبيب إلى القسم.
الطبيبة إيمان عواد، تقول إن الجناح الأول في قسم الرجال هو جناح القبول وهو أكبر الأجنحة، أما باقي الأجنحة تخصص حسب الحالات، مثلاً الجناح الرابع يخصص للمرضى المسنين المصنفين بأنهم أكثر هدوءاً ويحتاجون إلى مراقبة أمراضهم الداخلية مثل الضغط.

أما الجناح الثالث فهو للحالات الأكثر استقرارًا، وتستوعب كل غرفة في الأجنحة من أربعة إلى سبعة مرضى حسب مساحتها، وتكون مزودة بوسائل تدفئة آمنة، فيما توزع تدفئة مركزية في كامل ممرات الأجنحة، وينطبق هذا على قسم النساء أيضاً. إذ يخصص الجناح الأول للقبول والثاني للحالات الأكثر استقراراً.
من بين المرضى في جناح النساء، قابلنا سارة، وهو اسم مستعار لسيدة في الثلاثينيات من العمر، أخبرتنا أنها مريضة اكتئاب، وسردت لنا حالتها الطبية بجرأة ودون خوف من الوصمة أو الخجل من مرضها. تقول: شخّصت بمرض اضطراب ثنائي القطب، ثم تطور لمرحلة الاكتئاب الحاد بسبب “وجود أفكار انتحارية كانت تراودني واليوم وجودي بالمستشفى ضروري فهو أنقذني من لحظات اندفاع قد تجرني إلى إنهاء حياتي”.
عاشت سارة تجربة قاسية بعد طلاقها تبعها ضغوط اجتماعية ونفسية مع تفكيرها المستمر بمصير طفلها ذي الأعوام الأربعة، وبعد رحلة مرض طويلة لجأت إلى المستشفى للعلاج. هنا، تتواصل سارة مع أهلها عبر الهاتف وتأتي قريبتها لزيارتها أسبوعياً، تقول بعدما تخطت مرحلة الخوف من نظرة المجتمع لها أصحاب “المرض مو عيب، بس الناس بتخلي الواحد يخجل”.
الخجل من قصد مستشفى الأمراض العقلية، والخوف من نظرة الناس ووصفهم حالة المريض بالجنون جعلا أبو محمد أيضاً، وهو اسم مستعار، لوالد إحدى المريضات في قسم النساء، يتأخر في علاج ابنته وإدخالها المستشفى، إلا أن سوء حالتها النفسية ومحاولة إيذاء نفسها دفعته للرضوخ أخيراً لإدخالها مستشفى الأمراض العقلية والنفسية. يقول “خفنا من كلام الناس ما كنا نقول مرض نفسي، ونقول تعب أعصاب”.

التأخر في علاج مرضى الصحة النفسية قد يفاقم الحالة الصحية للمريض وفق ما أكده الطبيب عموري. أبو محمد أدرك حقيقة مرض ابنته وحاجتها إلى تلقي العلاج في المستشفى متأخراً، ولم يخفِ قلقه من انتكاس ابنته بعد عودتها للمنزل وتأثرها بكلام من محيطها قد يذكرها أو يعيرها بمرضها.
مشاريع تطوير
إدارة مستشفى ابن خلدون أكدت أنها في مرحلة تنفيذ عدة مشاريع استثمارية وتطويرية، من بينها استكمال مبنى جناح الرجال، إلى جانب تزويد المخبر بعدد من التجهيزات الطبية الحديثة التي من شأنها تحسين جودة الفحوصات والخدمات التشخيصية المقدمة للمرضى.
كما افتتحت شعبة الرعاية الذاتية بهدف دعم المرضى وتأهيلهم، إضافة إلى تجهيز أربع قاعات تدريبية بشكل كامل لاستخدامها في برامج التدريب والتأهيل والأنشطة العلاجية المختلفة.
بعد سنوات من الانقطاع والعجز عن تأمين الأدوية النفسية واضطرار ذوي المرضى لشرائه من السوق السوداء بسعر مضاعف، يؤكد الطبيب عموري أن اليوم تمت تغطية الأدوية بشكل كامل سواء للمقيمين أو للمراجعين الخارجيين، بدعم حكومي وتعاون مع منظمة الصحة العالمية، موضحاً أن الأدوية غير النفسية أيضاً باتت تُؤمَّن من ميزانية المستشفى.
يقول “أصبح الدواء متوفراً بنسبة 100بالمئة بدعم من منظمة الصحة العالمية، بعد أن كان النقص في الأدوية النفسية يتراوح بين 50 أو 70 بالمئة قبل سنوات”.
نقص الكوادر..أبرز التحديات
يخدّم المستشفى ما بين 250 إلى 260 مريضاً مقيماً، يشرف عليهم نحو 6 ممرضين فقط، ما يعني وجود ممرض أو ممرضة واحدة لأكثر من ثلاثين مريضاً، في حين أن المعايير العالمية تفرض وجود ممرض لكل خمسة أو ستة مرضى كحد أقصى.
كذلك يشكو المستشفى من نقص في عدد المرشدين النفسيين والباحثين الاجتماعيين، يكشف عنه الطبيب عموري. يقول إن “عدد العاملين في هذا المجال سبعة مختصين فقط، ما يزيد الضغط على الخدمات العلاجية والدعم النفسي”.

لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين المرخّصين العاملين داخل سوريا نحو 70 طبيباً فقط، في حين يقيم العدد الأكبر منهم في الخارج، وفق ما أفادت به إدارة الصحة النفسية، التي أشارت إلى وجود نقص حاد في الكوادر المتخصصة مقارنة بعدد السكان.
ولا يقتصر التحدي على قلة الأطباء فحسب، بل يمتد إلى اختلال التوزع الجغرافي للخدمات النفسية، إذ تخلو محافظات كاملة من وجود أطباء نفسيين، مثل محافظة الرقة، بينما يقتصر وجود الاختصاصيين في محافظة دير الزور على طبيب واحد متقاعد عاد إلى العمل مجدداً لتغطية النقص.
وفي محاولة لتخفيف هذا العجز، تعمل دائرة الصحة النفسية على تدريب أطباء مراكز الرعاية الصحية الأولية ضمن برنامج رأب فجوة الصحة النفسية، بهدف تمكينهم من التعامل مع الاضطرابات النفسية الشائعة، بما يتيح تغطية ما يقارب 60 بالمئة من الشكاوى النفسية في المراحل الأولية، مع تفعيل نظام الإحالة إلى المراكز التخصصية عند الحاجة. كما جرى إطلاق خطوط ساخنة في عدد من المناطق لتقديم الدعم والاستشارات النفسية، لا سيما للمواطنين الذين يواجهون صعوبة في الوصول إلى خدمات الرعاية المتخصصة.
يوضح الطبيب عموري تأثير النقص على زيادة ضغط العمل على الكوادر الطبية الموجودة، يقول إن عمل الممرضين يتضاعف أثناء الجولات الطبية الصباحية والمسائية، إذ يقومون بتوزيع الأدوية ومتابعة أمور استحمام المرضى ومراقبة سلوكهم، إضافة إلى استقبال زيارات ذويهم. فيما يتناوب ثلاثة أطباء من أصل 12 طبيب وطبيبة مقيمين على الأقسام في الجولتين مع متابعة دقيقة لأي طارئ بالتنسيق مع قسم التمريض.
ويمتد أثر نقص الكوادر الطبية إلى مرحلة قبول المريض التي تتطلب العديد من الإجراءات والفحوصات وتسبب ضغطاً على الأطباء والممرضين الموجودين، وتؤثر على توازنهم النفسي في بيئة العمل، وفق ميساء أبو راس، وهي إحدى الممرضات في المستشفى. تقول: “في هذه اللحظة يوجد فقط ممرضة في الجناح العلوي وأخرى في الجناح السفلي”.
توضح الممرضة ميساء مهمتهن اليومية، تقول “نحن لا نعطي الدواء فقط، بل نراقب انفعالات المرضى ومواعيد النوم والطعام ونهتم بالنظافة، فبعض المرضى لا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم أبداً”.
ملف الإدمان حاضر في المستشفى
خصص المستشفى مساحة متقدمة لمتابعة ملف الإدمان، يؤكد الطبيب عموري أن عُشر الأسرّة الموجودة هي لمرضى الإدمان، إضافة إلى أنه يجري العمل على تأسيس مركز تخصصي لهم بسعة 50 إلى 60 سريراً.
يشرح الطبيب عموري: مريض الإدمان هو شخص سليم في محاكمته العقلية، وعلاجه يكون بالشراكة معه، دون أن يُفرض عليه قسراً، وقد تستغرق مرحلة سحب السموم من أسبوعين إلى أربعة أسابيع.

يقول “المواجهة الأكثر قسوة في المستشفى ليست مع المرض، بل مع الوصمة خاصة لمرضى الإدمان الذين هم ضحية ظروفهم الاجتماعية ما يجعل بعض المدمنين يخفون المشكلة بدل علاجها”.
حتى المرضى نزحوا أيضاً
لم يكن المرضى بمعزل عن الحرب، ففي أواخر عام 2012 تعرضت مباني المستشفى للقصف أسفرت عن قتل عدد من المرضى، ونقل آخرين إلى مناطق مختلفة في حلب وريفها. فيما هرب قسم منهم نتيجة الخوف وفقد التواصل معهم.
تنقّل المرضى حينها بين دارة عزة وأعزاز، وسط ظروف إنسانية قاسية ونقص الماء والمواد الغذائية، يستذكر حسين كربوج، وهو عامل خدمة سابق في المستشفى تلك الأوقات. يقول “طالت الحملة العسكرية موقع المرضى في مبنى جمعية يد بيد، وجرى نقلهم إلى منطقة هنانو داخل مدينة حلب، قبل أن يُنقلوا لاحقاً إلى دارة عزة في ريف حلب الغربي ثم إلى أعزاز إلى أن سمحت الظروف بعودتهم إلى المستشفى مجدداً”.
العديد من المرضى أصبحوا بحكم مجهولي الهوية، بعد أن فُقد الاتصال بذويهم منذ عام 2012، وعادوا من مناطق النزوح بلا أوراق ثبوتية. يروي الطبيب عموري أن ثلاث حالات في المستشفى حولتهم جهة أمنية تابعة لنظام الأسد، لم تعلم عائلاتهم بمكانهم لمدة سبع سنوات. بعد سقوط النظام بدأت عملية مراجعة الملفات القديمة للوصول إلى عوائلهم. يكمل، “إحدى الحالات لمريضة بقيت سنوات دون تقييم طبي فعلي، تم التواصل مع عائلتها بعد سقوط نظام الأسد، لم يكن سهلاً، عائلتها كانت تعتقد أنها معتقلة أو متوفاة “.
بعد نحو سبعين عاماً على تأسيسه، يقف مستشفى ابن خلدون اليوم شاهداً على التحولات العميقة التي عاشها المجتمع السوري، من سنوات الاستقرار إلى زمن الحرب وما خلّفته من جروح نفسية عميقة. يحاول مئات المرضى خلف جدرانه استعادة توازنهم النفسي في رحلة علاج طويلة، بينما يعمل الكادر الطبي بإمكانات محدودة لمواجهة آثار حرب لم تنته بعد في النفوس.
