يعيش آلاف السكان في ريف حلب الجنوبي، في المنطقة الممتدة من خناصر شرقاً إلى طريق حلب دمشق غرباً، خارج شبكات الاتصالات والأنترنت، فأبراج الاتصالات المعطلة في بعض المناطق وضعف الشبكات الخاصة المحدودة فيها سببت حالة من العزلة يعيشها الأهالي وسط وعود لشركات اتصال لم تفلح في إيصال الشبكة على الأرض.
البحث عن التغطية والخوف من فقدان الاتصال هاجس يومي لسكان في المنطقة لتلبية أعمالهم اليومية أو الحصول على خدمة إسعافية أو تعليمية أو غيرها من الأعمال التي تحتاج لشبكات الاتصال.
يصف رمضان الحسن، من قرية العوينات في ريف حلب الجنوبي، جانباً من حياته اليومية دون اتصالات وأنترنت، يقول “غياب التغطية هنا ليس مجرد انقطاع تواصل، بل هو تهديد مباشر للحياة”.
يؤكد الحسن أنهم يواجهون حالات صحية طارئة ليلاً دون أن يتمكنوا من الاتصال بالإسعاف أو الدفاع المدني بسبب غياب الشبكة، موضحاً أنهم في القرية اضطروا لإسعاف حالات كثيرة حرجة بسيارات مدنية غير مجهزة بالإسعافات الأولية وتعرضت حياة الأشخاص للخطر.
تتركز تغطية الأبراج في ريف حلب الجنوبي ضمن القرى المحاذية للطريق الدولي M5، مثل بلدة العيس والكسيبية والشيخ أحمد، بينما تغيب الخدمة تماماً عن مدن وبلدات مثل الزربة والشيخ رحيلة والعمق.
بلدتا الحاضر وبلاس خدّمتا في السنوات الماضية من شركتي الاتصالات، سيريتل وMTN، بسبب وجود مقرات عسكرية لعناصر نظام الأسد، ما جعل خدمات الاتصالات فيهما مقبولة مقارنة بباقي مناطق الريف الجنوبي. غير أن هذه الخدمة أيضاً تراجعت بشكل ملحوظ وبات من الصعب العثور على أي مكان تتوفر فيه خدمة اتصال وأنترنت مستقرة. فيما بقيت قرى وبلدات تل الضمان وجبل الحص و جزرايا وزمار والزيارة وأم الكراميل و دلامة وعشرات البلدات الأخرى خارج نطاق التغطية.
الانقطاع شبه التام دفع الأهالي للاعتماد الكلي على شبكات فضائية “الواي فاي” المستمدة من تركيا عبر وكلاء محليين، يصفها أهال من المنطقة بأنها “ضعيفة ولا تلبي احتياجات السكان”.
خارج المنازل تكاد الشبكات تكون معدومة، ولا تتوفر إلا في مناطق محدودة جدًا إذ لا تعمل الشبكة الخاصة إلا ضمن نطاق المنزل أو مكان الاشتراك، وما إن يغادرها الشخص حتى ينقطع عنه الاتصال.
يؤكد رمضان أن أقرب نقطة تلتقط إشارة اتصال تبعد عن قريته نحو 15 كيلومتراً، ما يجعل المنطقة تعيش عزلة حقيقية، خاصة في الشتاء إذ تتوقف شبكات “الواي فاي” عن العمل خلال المنخفضات الجوية.
زاد تعطل البنية التحتية من سوء وضع الاتصالات في المنطقة، فمن بين 12 مركز بريد كانت تخدم الريف الجنوبي، لا يعمل سوى مركز واحد في بلدة الحاضر وبمدى تقني محدود لا يتجاوز 4 كيلومترات.
خرج 11 مركزاً بريدياً عن الخدمة نتيجة قصف نظام الأسد للمنطقة، وتحولت مبانيها إلى أنقاض، أبرزها مركز تل الضمان الذي كان يخدم نحو 25 ألف نسمة في 44 قرية، قبل أن يدمر بالكامل ويصبح اليوم ركاماً، وفق ما أكده رئيس بلدية تل الضمان برجس الحسين.
عاد أحمد العيسى إلى قريته دلامة قبل نحو عام، وتابع عمله في إحدى مدارسها، إلا أن غياب شبكات الاتصال والأنترنت بات يشكل عائقاً أمام متابعة مهامه التعليمية.
يقول العيسى إن انعدام التغطية في قريته يحرمه من التواصل مع تلاميذه خارج أوقات الدوام، و يضطره لقطع مسافاتٍ طويلة بحثاً عن إشارة لإرسال ملاحظات أو واجبات للتلاميذ، قبل أن يعتمد على حلول بديلة يصفها بأنه استنزاف مادي لا يتناسب مع جودة الخدمة المقدمة.
يدفع أحمد 15 دولاراً شهرياً مقابل خدمة إنترنت، طرحتها شركات خاصة لتأمين خدمة الإنترنت فقط دون مكالمات، سرعتها 3 ميغابايت/ ثانية، وهي سرعة بالكاد تلبي الحد الأدنى من احتياجاته، موزعة على جميع أجهزة الاتصالات في المنزل ما يضعف السرعة.
يصف أهال من المنطقة الخدمة بـ “أنها باهظة الثمن ولا تتناسب مع الدخل اليومي لغالبية الأسر في المنطقة، ولكنها تبقى الخيار الوحيد المتاح لسد فجوة غياب الشركات الأساسية”.
يقدر محمد جويد، صاحب شبكة “شام الزربة” نسبة اعتماد الأهالي على هذه الشبكات بين 80 إلى 90 بالمئة لتعويض غياب خدمات الاتصالات الرسمية. إذ تغطي شبكة شام بلدة الزربة بالكامل، إضافة إلى قرى خلصة، زيتان، الشيخ رحيلة، برنة، الكماري، وعبطين، غير أنها تبقى حلولاً ثابتة تفتقر إلى ميزة التجوال.
تبدأ أسعار الاشتراك من 6 دولارات لسرعة 1ميغابايت/ ثانية، وتصل إلى 30 دولاراً لسرعة 10 ميغابايت/ثانية، وفق نظام تسعير حر يحدده مزود الخدمة. هذه التكلفة المرتفعة والخدمة غير مستقرة، وفق من تحدثنا إليهم من الأهالي، شكلت عبئاً مادياً إضافياً على الحياة المعيشية، ولا يمكن التخلي عنها في منطقة تنعدم فيها الاتصالات الأرضية و الشبكات الهوائية.
تمتلك شركة سيريتل في ريف حلب الجنوبي 23 برجاً، خرج 13 منها عن الخدمة، بينما يعمل برجان فقط لشركة MTN من أصل 14 برج اتصالات.
سوء جودة خدمة الإنترنت وغيابها عن مناطق واسعة في الريف، بررها المتحدث باسم المكتب الإعلامي لشركة سيريتل إيهاب كزارة، بأنها “مشكلة عامة في كثير من المدن السورية، والمنطقة في السنوات الماضية لم تشهد استثماراً في البنية التحتية واعتمدت على معدات قديمة”. مطلقاً وعوداً بتحسين جودة الأنترنت والاتصال خلال فترة قال إنها قد تستغرق زمناً ليلمس المشتركين تحسنها.
وأشار كزارة إلى أن سيريتل أولت اهتماماً خاصاً بتوسيع التغطية عبر إدخال تقنيات الجيل الرابع المحسن والجيل الخامس، وإعادة تأهيل مئات الأبراج وتوقيع عقود استثمارات ضخمة لضمان تجربة اتصال مستقرة، إلا أن التغطية في ريف حلب الجنوبي تؤكد أن هذه الوعود غير مطبقة على أرض الواقع.
يتساءل الأهالي إن كانت مشاريع وزارة الاتصالات التي أعلنت عنها أخيراً ستصل إلى منازلهم أم أنها ستمر بمحاذاة ركام المراكز البريدية في بلداتهم دون أن تخدمها، و وكانت الحكومة السورية ممثلة بوزارة الاتصالات قد وقعت عقداً مع شركة (stc) السعودية لإطلاق مشروع “SilkLink” بقيمة 800 مليون دولار لتحديث البنية التحتية، في الوقت الذي لم تجب مديرية بريد حلب عن أسئلتنا حول خطة إصلاح مراكز البريد المدمرة أو تقدم حلولاً تنهي عزلة السكان الذين يطالبون بأن تكون الاتصالات حقاً متاحاً لهم مثل باقي المدن والمحافظات السورية.
