تقف خديجة، مهجرة من بلدة الرستن، أمام محل لبيع الفروج في مدينة إدلب، تنظر إلى قائمة الأسعار التي عرضت على الواجهة، فترتسم على وجهها ملامح الدهشة، تقول: “يبدو أن لحم الدجاج أصبح حكرًا على موائد الأغنياء، لا يمكنني شراءه بهذا الثمن، ثم تكمل مسيرها بيدين خاويتين بعد أن وعدت أطفالها الأربعة بإعداد وجبة شاورما منزلية على الغداء.
سجّل سعر طن الفروج اليوم ارتفاعًا جديدًا ليبلغ 2050 دولارًا، بعد سلسلة تقلبات متسارعة خلال الأيام الماضية، إذ قفز من 1200 إلى 1800 دولارًا، ثم انخفض يوم الخميس إلى 1700 دولارًا نتيجة عزوف كثيرين عن الشراء، قبل أن يعاود الارتفاع مجددًا، وفي ظل هذه الزيادات والتقلبات المفاجئة، تشهد أسواق إدلب حركة بيع محدودة. سبق هذا الارتفاع إصدار الهيئة العامة للجمارك والمنافذ قرارًا بوقف استيراد الفروج الحي والمجمّد وأجزائه، إضافة إلى بيض المائدة.
وأظهرت جولة ميدانية لرصد حركة البيع والشراء في محال بيع الفروج المقطع والشاورما في مدينة إدلب ضعفًا في معظم المحال، فالقرار أعقبه مطالبات واسعة بمقاطعة مادة الفروج تضامنًا مع العائلات التي لن تستطيع شراءه.
تزامنت دعوات المقاطعة مع حملة شائعات نشرت على منصات التواصل الاجتماعي عن إصابة الدجاج بمرض الطاعون، ما سبب تخوفًا عند السكان، خاصة بعد تداول مواقع إعلامية لتحذير نشرته وزارة الطوارئ والكوارث عن انتشار مرض الطاعون، إلا أن الوزارة سارعت بحذفه بعد أن تبين لهم أن فيه “لبس بالمعلومات”، حسب التوضيح.
تَراجُعُ الوزارة عمّا نشرته لم يحسّن حركة البيع، يوضح، أبو أحمد، صاحب محل لبيع الفروج في مدينة إدلب. فهو منذ الصباح يجلس خلف طاولته منتظرًا الزبائن كعادته، وعلى الرغم من انتصاف النهار لم يحظَ ببيع شيء من بضاعته التي وزعها في صحون بلاستيكية مغطاة بأكياس شفافة. يقول: “اليوم لم نذبح دجاجة واحدة، فالبضاعة مازالت على حالها منذ البارحة”.
يخبرنا بأن حركة بيع الفروج وخاصة المقطّع، أصبحت ضعيفة جدًّا في مدينة إدلب خلال الأيام الماضية، مشيرًا إلى أن الزبائن الذين يدخلون إلى محله يسألونه عن صحة ما يشاع عن أمراض الفروج وعن صدمتهم بالارتفاع الكبير في السعر ويخرجون دون شراء أي قطعة، ما جعل صحون الفروج على حالها في براد المحل، حسب وصفه.
خارح المحل يركن أبو أكرم، بائع أدوات تجميلية وإكسسوارت مختلفة على بسطة صغيرة، يعقب على ارتفاع سعر الفروج قائلًا إن غلاء الأسعار طرأ على معظم المنتجات الغذائية مع اقتراب شهر رمضان، لا سيما الخضروات واللحوم و لحم الدجاج الذي ارتفع بشكل مفاجئ. يتساءل: “ماذا يأكل الناس إذا استمر الوضع على هذه الحال؟”، مشيرًا إلى أنه يشجع على مقاطعة الفروج حتى يجبر التجار على عدم استغلال بعض المواسم لرفع الأسعار.
يعتمد أبو أكرم على دخل يومي محدود، لذلك لم تعد أسعار الفروج تتناسب مع دخله غير المستقر، إذ بلغ سعر كيلو الفروج الكامل 123 ليرة تركية، فيما سجل سعر الفخذ 95 ليرة، والجناح 98 ليرة، بينما وصل سعر الصدر مع العظم إلى 170 ليرة. يعلّق قائلًا: “صار سوق الفروج مثل سوق الذهب، كل يوم بسعر جديد”.
الطبيب البيطري محمد الأسعد، يعزو ارتفاع الأسعار لعدة أسباب، في مقدمتها الخسائر الكبيرة التي تكبدها مربو الدواجن خلال الفترة الأخيرة، نتيجة عدم تغطية الأسعار لتكاليف التربية، بما في ذلك الأعلاف ومواد التدفئة كالفحم الحجري، إضافة إلى الأدوية. كما يلعب انتشار الأمراض الوبائية، ولاسيما مرض التهاب الكبد الفيروسي، الذي تسبب بنفوق أعداد كبيرة من القطعان دورًا مهمًّا بهذا الارتفاع، بحسب الأسعد.
وأضاف الأسعد أن السبب الأهم يتمثل بتوقيت معظم الإنتاج المحلي من الفروج، إذ يُخطَّط أصحاب المداجن بأن يكون جاهزًا خلال شهر رمضان، طمعًا بزيادة الاستهلاك وارتفاع الأسعار، ما يؤدي إلى حدوث فجوة في الإنتاج قبيل حلول الشهر الكريم.
ونفى الأسعد الشائعات المتداولة حول إصابة قطعان الدجاج بمرض الطاعون، موضحًا أن الدواجن تصاب بين الحين والآخر بأمراض مختلفة، من بينها ما يُعرف بـ”شبيه الطاعون” أو علميًّا بمرض “النيوكاسل”، وهو مرض فيروسي قابل للعلاج ولا ينتقل إلى الإنسان. وأكد أن الدواجن المصابة به تبقى صالحة للاستهلاك البشري ولا تشكّل أي خطر صحي، خلافًا لما يُروَّج له، وأضاف أنه يتلقى يوميًا اتصالات من أشخاص يبدون تخوّفهم من هذه الشائعات، ما يدفع بعضهم إلى التردد في شراء الدجاج أو طهيه.
وزارة الصحة السورية وبعد التنسيق مع وزارة الزراعة، نشرت مساء الثلاثاء الماضي توضيحًا قالت فيه إنها لم تصدر أي بيان أو تصريح رسمي عن الوزارة بهذا الشأن، وجميع ما يتم تداوله من معلومات، غير دقيق ولم يصدر عن المصادر الرسمية.
كما أكدت في البيان أن مسؤولية الرصد والإعلان عن الأمراض الحيوانية، بما فيها أمراض الدواجن، تقع ضمن اختصاص مديرية الصحة والإنتاج الحيواني التابعة لوزارة الزراعة، في حال لم يكن المرض من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
بدورها أكدت نقابة الأطباء البيطريين السوريين، خلوّ قطاع الدواجن في المحافظات السورية من أي أمراض فيروسية خطيرة أو مُعدية، وأن ما يتم تداوله من معلومات بهذا الصدد غير صحيح.
ومع تصاعد مخاوف المستهلكين من ارتفاع الأسعار ومارافقها من شائعات أربكت السوق، تبرز الحاجة الملحة إلى ضبط الأسعار ودعم المربين، بما يضمن استقرار توفر الفروج وجودته. فهذه السلعة ليست مجرد منتج في الأسواق، بل طبق أساسي على موائد السوريين عند الإفطار، ووجبة يفضلها الغني والفقير.
