حين حزم عبد الحميد الحسين، أمتعته ليكون من أوائل العائدين إلى قريته “مريقص” جنوبي حلب، لم يكن يتخيل أن الأذى قد طال البئر الذي كان يروي أطفاله، فقد وجده مردومًا بالركام والحجارة بشكل وصفه بـ “الكيدي المتعمد”. يقول عبد الحميد بغصة: “لم تسرق الحرب جدران منزلي فحسب، بل سرقت حتى شريان الحياة فيه”.
المعلم الذي أمضى سنوات من خدمته في مخيمات الشمال السوري، يجد نفسه اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ، إعادة حفر البئر من جديد بمبالغ تفوق قدرته بكثير، أو شراء الماء بالصهاريج بتكاليف لايطيقها أيضًا، فسعر صهريج المياه سعة 40 برميلًا، يكلف نحو 55 دولارًا، وهو مبلغ يلتهم ثلث راتبه الذي يتراوح بين 150 و180 دولارًا، ما يزيد من أعبائه المادية، فهو بالكاد يستطيع التحايل على الراتب لتأمين أساسيات العيش لأطفاله.
حال باقي عوائل المنطقة ليس بأفضل من حال عبدالحميد، فمياه الشرب في ريف حلب الجنوبي إحدى أكبر التحديات التي تواجهها المنطقة التي يصفها الخبير الجيولوجي، ثابت محمود الكسحة، بالمنطقة “المنكوبة مائيًا”.
يعزو الكسحة الأسباب إلى طبيعة التكوين الجيولوجي للأرض، إذ تسيطر الصخور الكبريتية على المنطقة الممتدة من “حوير العيس” وحتى جبل الحص، وصولًا إلى بلدة “أبو ظهور” جنوبًا، ما يجعل المياه الجوفية هناك “كبريتية” بامتياز وغير صالحة للشرب، باستثناء جيوب جغرافية محدودة تخلو من هذه الصخور كما هو الحال في قرية “شغيدلة” والمناطق القريبة من بلدة “الحاضر” والزربة.
أما فيما يخص المياه السطحية في ريف حلب الجنوبي، فيدق الكسحة ناقوس الخطر، مؤكدًا أنها ملوثة بنسبة تصل إلى 80% نتيجة عبور “نهر قويق” في منتصف الريف، وهي مياه تتسم بملوحة عالية جدًا تجعلها غير صالحة للاستخدام البشري. ويؤكد الكسحة أنه أجرى أبحاثًا وتحاليل مخبرية دقيقة أثبتت هذا التلوث، وقام برفعها وإخطار الجهات الحكومية بنتائجها.
يقول الكسحة إن الحل الجذري يكمن في استجرار مياه الفرات إلى ريف حلب الجنوبي كبديل آمن، أو إعادة تشغيل محطات التحلية في “الشيخ سعيد” بمدينة حلب، وهو مشروع كان سينفذ من قبل شركة ألمانية معتمدًا على تكرير ومعالجة مياه نهر قويق والصرف الصحي في مدينة حلب عن طريق محطات تنقية، إلا أن المشروع الذي تزامن مع انطلاق الثورة السورية توقف قبل أن يبدأ، ولايمتلك الكسحة معلومات عنه اليوم.
تزداد الصورة قتامة مع إشارة الكسحة إلى آثار زلزال شباط 2023، الذي تسبب في “غوران” المياه الجوفية بعمق إضافي وصل إلى 100 متر في المنطقة، ليزيد من تعقيد وتكلفة عملية الاستخراج. يشير الكسحة إلى “الجفاف المتراكم” يضرب المنطقة منذ عقود، إذ يفتقر الريف الجنوبي للينابيع التي جفت معظمها منذ ستينات القرن الماضي، لاسيما في “دلامة” و”الزربة” وجبل الحص.
الخوف من العطش دفع عددًا من أهالي الريف لحفر آبار بشكل عشوائي أو إصلاح مايمكن إصلاحه منها، وهو ما حدث مع المعلم عبد الحميد الذي وجده الحل الأكثر استقرارًا وأمانًا. يقول: “أصلحتُ بئري خفية، وكأنني أرتكب جرمًا”. يخبرنا أنه الحل الوحيد أمامه في ظل تعقيدات القوانين وتكاليف التراخيص التي لا تتناسب مع قدرات العائدين المادية، خاصة مع غياب البدائل الحكومية الفورية.
لحفر بئر جديد أو تعميق بئر قائم ينص قانون التشريع المائي والقانون رقم 31 لعام 2005 على وجوب الحصول على رخصة مسبقة. يكون ذلك من خلال تقديم طلب ترخيص خطي إلى مديرية الموارد المائية في المحافظة المختصة، ثم تكشف لجان فنية على الموقع للتأكد من ملاءمته وعدم تأثير البئر على الآبار المجاورة أو على الموارد المائية العامة.
ويشترط استكمال الموافقات اللازمة من وزارة الموارد المائية ومن وزارة الزراعة في بعض الحالات. وبعد استيفاء الإجراءات ودفع الرسوم المقررة تمنح رخصة الحفر والتعميق والتنظيف متضمنة الشروط الفنية وعمق البئر. أما الحفر العشوائي دون ترخيص فيعرض صاحبها للمساءلة والعقوبة. فهذه الإجراءات تهدف إلى حماية الثروة المائية والحد من الحفر العشوائي وتوجيه المستخدمين نحو الاستغلال المستدام للمياه بما يسهم في تقليل العجز المائي.
إجراءات ترخيص الآبار الخاصة تشهد تعقيدات متزايدة أدّت إلى توقف منح التراخيص في الوقت الحالي، وفق ما أفاد به أحد أصحاب الحفارات. وقال إن شروط الترخيص شهدت تغييرات ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة، إذ كان يُشترط سابقًا امتلاك المُزارع خمسة دونمات من الأرض، بينما رُفع الشرط حاليًا إلى اثني عشر دونمًا، مع إلزام أن تكون الأرض مسجّلة باسم طالب الترخيص نفسه، دون قبول أن تكون باسم أحد أقاربه حتى لو كان والده.
وأشار إلى أن هذا الشرط يشكّل عائقًا أمام عدد كبير من المزارعين، ولا سيما أن معظم الأراضي الموروثة خلال سنوات التهجير لم تُنقل ملكيتها إلى أسماء الورثة، نتيجة النزوح وصعوبة الوصول إلى الوثائق الرسمية. وأضاف أن من بين الشروط الجديدة أيضًا اشتراط الحصول على موافقة الجيران، إلى جانب تعديل مسافة الأمان بين البئر الخاص وبئر الدولة، فبعد أن كانت تُقدّر بنحو 500 متر، أصبحت تقارب 1500 متر.
أما عن الحلول الحكومية فقد أكد مدير الموارد المائية في حلب أحمد الأحمد، في تصريح لـ “فوكس حلب”، أن المشاريع الاستراتيجية، بما فيها حفر آبار إرواء واستجرار مياه الفرات، هي حاليًا “قيد الدراسة الجادة”، وأوضح أن هناك نية لاستئناف العمل في المشاريع المتوقفة، لكنه ربط التنفيذ بـ “إمكانيات الدولة المتاحة”، دون تحديد سقف زمني واضح، مما يترك الباب مفتوحًا أمام التسويف واحتمالات الانتظار الطويل.
يجد العائدون أنفسهم اليوم في سباق مع الوقت، فإما أن تصل مياه الفرات لتُحيي آمالهم بالاستقرار، أو يظل العطش هو ‘العدو” الذي قد يجبرهم على الرحيل مجددًا، فالمسألة بالنسبة لعبد الحميد وجيرانه لم تعد مجرد دراسات أو وعود، بل هي حاجة ملحة لشربة ماء تضمن لهم البقاء فوق أرضهم التي دفعوا سنوات من أعمارهم بانتظار العودة إليها.
