فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أجرة النقل الخارجي بين مدينة حلب و أريافها خارج التعرفة الرسمية

مريم طاهر

في كراجات ريف حلب، سرافيس بلا لصاقات تسعير، مفاوضات على الأجرة، أرقام تتبدل بين الليرة السورية والتركية، وركاب يدفعون أكثر من التعرفة الرسمية الغائبة، لتتحول المواصلات إلى عبء مستمر دون ضبط ورقابة فعلية

عند مدخل كراج أعزاز شمال شرقي حلب، يقف عدد من السائقين يعترضون المارة بسؤالهم عن وجهة السفر، يصطادون الزبائن لاستكمال عدد الركاب ثم الانطلاق، بحثت عن سرفيس متجهٍ إلى مدينة حلب كونه وسيلة النقل العامة المتاحة للركاب، سألني أحدهم “لوين يا آنسة؟” أجبته إلى حلب.

دلني على سرفيس بلونٍ زيتي، بهتت معالمه بفعل الزمن، صعدت مسرعة وجلست على مقعد مهترئ، يتخبط لعدم تثبيته بإحكام، غطته أقمشة رمادية اللون شبيهة بأغطية المساعدات الإغاثية، حاولت إغلاق النافذة الجانبية لمنع دخول الهواء البارد دون جدوى، ما جعلني أتهيأ لاحتمال إصابتي بالزكام فور وصولي إلى المدينة.

تفحصت المركبة بحثاً عن لصاقة تعرفة الأجرة، إلا أن السرفيس  كان خالياً من أي ملصق  يحدد التعرفة أو أي رقم مخصص لتلقي الشكاوى، كما هو متبع في خطوط النقل بباقي المحافظات. في كل مرة تتبدل الأجرة وتختلف حتى بين السرافيس العاملة على الخط ذاته، وفق ما أكده ركاب وطلاب يستقلون الطريق بشكل متكرر أسبوعياً.

بعد اكتمال عدد الركاب، وقبل أن تنطلق المركبة بدأ السائق بتحديد الأجرة ذاكراً ثلاثة مبالغ بعملات مختلفة للتعرفة، بدأ بالعملة التركية التي ما تزال متداولة في أعزاز، محدداً المبلغ بـ 100 ليرة تركية، ثم أضاف على عجل “أو  28 ألف ليرة سورية على العملة القديمة و 250 ليرة سورية على العملة جديدة”.

أثارت هذه الأرقام اعتراض أحد الركاب، الذي قال إن التعرفة الأساسية المحددة من قبل محافظة حلب تبلغ 55 ليرة تركية فقط، أي نحو نصف المبلغ الذي طلبه السائق، الذي بدوره أنهى الجدل بين الركاب بقوله “يلي مو عاجبو ينزل… كل السائقين عم ياخدوا هيك”.

“النزول ليس حلاً.. الحل هو ضبط الأجور من قبل الحكومة ” قالت سيدة تجلس في المقعد الأخير، قاطعة الصمت الذي خيم للحظات بعد كلام السائق. أكملنا الرحلة على وقع التوتر والبرد والأسعار المتفاوتة، إذ لم تعد التعرفة الرسمية سوى رقم منسي غير مطبق على أرض الواقع.

مئات الموظفين والطلبة والرّكاب يعتمدون على خطوط النقل العامة بين الريف الشمالي الشرقي وحلب التي تحوّلت الأجور المرتفعة وغير المنضبطة فيها إلى عبء يستنزف الدخل المحدود و يجعل الوصول إلى مكان العمل والدراسة تحدياً يومياً.

ديمة كنو، المقيمة في أعزاز، موظفة حكومية تعمل مدخلة بيانات في إحدى مستشفيات مدينة حلب، تعتمد يومياً على النقل الخارجي للوصول إلى عملها. تقول: إنها تنفق نصف راتبها أجرة مواصلات، وتوضح أن تكلفة الرحلة الواحدة بين أعزاز وحلب تبلغ 100 ليرة  تركية، ومثلها للعودة أي ما يعادل أربعة دولارات يومياً، يضاف إليها مصاريف التنقل داخل المدينة، ما يرفع إجمالي تكاليف المواصلات الشهرية إلى نحو 120 دولاراً، أي قرابة نصف راتبها.

تؤكد ديمة أنه رغم شعورها بالاستغلال تستمر في الذهاب يومياً إلى الدوام على أمل تحسّن راتبها مستقبلاً، وتوضح أن المشكلة لاتقتصر على الأجرة فحسب، بل تمتد إلى فرق واضح في  التصريف بين العملات المتداولة، مشيرة إلى أنها تفضل الدفع بالليرة التركية عوضاً عن الليرة السورية، لأن تغير سعر الصرف يومياً يعد باباً آخر للتلاعب بتعرفة المواصلات، حسب قولها. وتوضح أن 28 ألف ليرة سورية قديمة، تتجاوز قيمتها 100 ليرة تركي،  ومع الدفع بشكل يومي تتراكم هذه الفروقات لتشكل مبلغاً إضافياً.

استمرار ارتفاع أجرة المواصلات العامة دون تدخل من إدارة المواصلات في حلب بشكل فعال وضبط التعرفة وإلزام أصحاب وسائل النقل بقيمة محددة قد يدفع ديمة وغيرها من الموظفين إلى التخلي عن عملهم، رغم محدودية الخيارات، خاصة مع المسؤوليات الأسرية الملقاة على عاتقهم، تخبرنا ديمة أنها تبحث عن آلية تقديم الشكاوى داخل الكراج، لكنها لم تحصل إلى الآن على أي إجابة واضحة.

المكتب الإعلامي للنقل الخارجي في مدينة حلب، قال: إن التعرفة الرسمية يفترض أن تكون معروفة لدى المواطنين من خلال لصاقات تُثبت داخل المركبات وتُظهر سعر التعرفة، والتي جرى نشرها سابقاً بشكل رسمي من قبل محافظة حلب. مشيراً  إلى أن استقبال شكاوى الركّاب يتم عبر مكتب مخصص لذلك، سواء بشكل ورقي أو إلكتروني من خلال رقم خاص، ثم تتابَع بشكل فوري بهدف تحقيق استجابة سريعة.

وفيما يتعلق بآلية مراقبة الالتزام بالتعرفة، أوضح المكتب أن المتابعة تتم عبر الدوريات والمراقبين، إلا أن التطبيق يواجه ما أسماه بـ “التحديات اللوجستية ” في ظل الواقع الحالي، ويتم التعامل معها بشكل تدريجي. كما لفت إلى أن العمل جارٍ على دراسة تعرفة جديدة للنقل الخارجي، سيتم اعتمادها في حال الانتهاء من إعدادها أو عند صدور سعر جديد للمحروقات، بما يخدم مختلف القطاعات ويخفف الأعباء عن المواطنين.

وعن التسعيرة المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي والتي نشرت سابقاً على صفحة المحافظة، أوضح المكتب الإعلامي أنه جرى حذفها لعدم تطبيقها على أرض الواقع، مبيناً أنها صدرت عقب انخفاض أسعار المحروقات ولم تكن مبنية على دراسة دقيقة، وكانت قبل انتشار العملة الجديدة، على أن يتم لاحقاً إصدار تسعيرة محدّثة تناسب الركاب وأصحاب المركبات.

الأجور الحالية يبدو أنها لم تنل رضى أصحاب السرافيس أيضاً، خاصة العاملين على خطوط ومسافات بعيدة، وهذا ماعبر عنه أبو أحمد، وهو سائق سرفيس، يعمل على خط أعزاز-حلب، واصفاً قرارات النقل ب “غير المحسوبة بدقة في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف الصيانة وغلاء قطع التصليح وأسعار الزيوت”.

يقول أبو أحمد إنه إلى الآن لم يتم تعميم أي تعرفة واضحة عليهم بشكل رسمي، وإن بعض الرحلات لا تكون مربحة لهم، يضيف: “أحياناً تنطلق السيارة بنصف عدد الركاب فقط وربما تعود فارغة، وهذا ينعكس مباشرة على مصدر رزقنا”. ورغم ذلك يرى أن هناك تسعيرات مرتفعة بشكل واضح في خطوط معينة. واستدل على سبيل المثال بأجرة النقل من عفرين إلى الباب التي تصل إلى 250 ليرة تركية مقارنة بالمسافة التي تتراوح ما بين 90 و110 كيلومتر. 

العبء الأكبر يقع على طلاب الجامعات الذين يضطرون للذهاب بشكل شبه يومي من مناطقهم في  الريف إلى مدينة حلب، يقول أبو أحمد : لو كان لدي أولاد في الجامعة، لما استطعت إرسالهم في ظل هذه التكاليف.         

محمد العبد الله، طالب هندسة في مدينة حلب، يوضح أن ارتفاع تكاليف النقل يؤثر بشكل كبير على قدرته وزملائه على الدوام بانتظام، يقول: هناك الكثير من المحاضرات التي لم أتمكن من حضورها بسبب تكاليف المواصلات المرتفعة، وهذا ينعكس على دراستي، وهذه مشكلة معظم طلاب وطالبات الريف، مشيراً إلى صعوبة التحاقه بالسكن الجامعي لأنه معيل لوالديه.

يدفع محمد 200 ليرة تركية تكلفة نقل عن كل يوم يتوجه فيه إلى جامعته، وهو مبلغ يصفه بالمرتفع بالنسبة لطالب جامعي يتحمل أيضاً نفقات دراسية أخرى، ويشير إلى حلول غير دائمة إذ يتفق عدد من السائقين مع طلاب على أجرة منخفضة تصل إلى 70 ليرة تركية، لكن حتى هذا الاتفاق يبقى مرهوناً بمزاج السائق. ويضيف: إلغاء التعرفة الرسمية وغياب الرقابة الفعلية ترك فراغاً أتاح للسائقين التحكم بالأسعار دون أي توضيح أو آلية منظمة.

تتوحد قيمة الأجرة في عدة خطوط نقل رغم اختلاف المسافة بينها. يقول السائق أبو أحمد إن التعرفة غير منطقية، ويوضح : “100 ليرة تركية هي أجرة خط أعزاز–حلب، بمسافة نحو 48 كيلومتراً، وهي الأجرة ذاتها لخط الأتارب -أعزاز، رغم أن المسافة أطول وتصل إلى نحو 78 كيلومتراً، و المبلغ ذاته هو أجرة خط أخترين –حلب، بمسافة نحو 35 كيلومتراً.

في حين لا تتجاوز أجرة إدلب –حلب 70 ليرة تركية لمسافة تقارب 80 كيلومتراً أيضاً”. ويختم بالقول إن التعرفة لا تتوافق مع الواقع، مضيفاً أن ضبط أجور المواصلات يتطلب تأمين المحروقات أولاً بسعر مناسب، ومراعاة ارتفاع أسعار السيارات وقطعها أخيراً، خاصة في شمال غربي سوريا، وإلا فـ “إننا نفضل البقاء في بيوتنا على أن نعمل بخسارة”.

يفسرأبو محمد، وهو سائق يعمل على خط إدلب –حلب، الفرق بين واقع النقل الخارجي في محافظتي حلب وإدلب، مشيراً إلى أن السائقين في إدلب ملزمون بلصاقات واضحة تُثبت داخل المركبات، تتضمن اسم الخط، تعرفة المواصلات، ورمزاً تعريفياً (باركود)، ورقماً مخصصاً لتقديم الشكاوى وهذا غير متوفر في حلب، وفق قوله، الأمر الذي يفتح مجالاً واسعاً للاستغلال والتلاعب بالتعرفة.

في طريق عودتي، توجّهت إلى كراج حلب قاصدةً مدينة أعزاز، المشهد كان أعقد من رحلة الذهاب، إذ تنقلنا بين أكثر من سرفيس حتى انطلقت الرحلة. في السيارة الأولى طلب السائق دفع 28 ألف ليرة سورية قبل أن يتدخل أحد الأشخاص، مهمته تنظيم الدور وضبط العمل في الكراج، مطالباً بعدم دفع أكثر من 16 ألف ليرة سورية، علت الأصوات وبدأ الجدل بين السائق والركاب وانتهى الأمر بإفراغ السيارة وإنزال الركاب.

انتقلنا إلى سيارة ثانية على أمل أن تكون المحاولة الأخيرة، لكن المشهد تكرر وفي السيارة الثالثة، دفعنا المبلغ ذاته الذي طلبه السائق إذ لا مجال للانتظار أكثر ولا خيارات متاحة أمامنا، وبحسب ما شاهدته ومارواه لي الركاب تسيطر هذه الفوضى على  خطوط نقل الخارجي إلى مدينة حلب بأكملها.