لم يتوقع أبو وليد، اسم مستعار، لصاحب محلٍ تجاريٍ في بلدة أطمة بريف إدلب الشمالي، أن الفرصة، التي ظنّها طريقه لتحسين وضعه المعيشي، ستنتهي به في السجن بعدما أودع أمواله في منصة رقمية وعدت بأرباح سريعة، ولم يكتفِ بذلك، بل استدان مبالغ كبيرة من معارفه وأقنعهم بأنها فرصة استثمارية مضمونة. توقفت المنصة فجأة واختفت الأموال، ووجد نفسه في مواجهة عشرات المطالبات بالدين، لتنتهي القصة خلف القضبان، قبل أن يضطر لاحقاً إلى بيع منزله وتسديد جزء من الديون.
قصة أبو وليد واحدة من مئات القصص التي تكشف كيف تحوّل وهم الثراء السريع عبر المنصات الرقمية إلى كارثة مالية واجتماعية تضرب مجتمعات شمال غرب سوريا .فلا ربح بلا مخاطرة، ولا مكاسب مضمونة في سوق التداول الرقمي، نتيجة توصل إليها معظم الذين تحدثنا عنهم من المتداولين في هذه المنصات.
يقول خالد، أحد المودعين في المنصات الرقمية والمحلل في أسواق المال، إن تجربته في التداول والسوق الرقمية بدأت بشراء 300 دولار بهدف الدفع لقاء خدمة إلكترونية تقبل العملات الرقمية والفيزا والماستر كارد.
البحث ودراسة التداول بشكل منهجي دفعا خالد، على حد قوله، للالتحاق بدورات في التحليل الفني وقراءة الرسوم البيانية، للدخول في أسواق المال، بعد عام واحد أصبح متداولاً ومحللاً بأسواق العملات الرقمية، إذ لم يكن الحديث عن العملات الرقمية مألوفاً في شمال غرب سوريا عام 2017، بل كان أقرب إلى مفهوم تقني غامض لا يتداوله سوى عدد محدود جداً من المهتمين بالتكنولوجيا.
يقول خالد في تلك الفترة، تعرّفت على عملة البيتكوين بوصفها وسيلة دفع إلكترونية بديلة عن وسائل الدفع المحظورة في سوريا وليست وسيلة استثمار. واستطاع التمييز بين التداول الحقيقي في أسواق المال، سواء في الفوركس أو العملات الرقمية، الذي يقوم على أسواق مفتوحة وتقلبات مستمرة واحتمال دائم للربح والخسارة.
ويتطلب هذا النشاط معرفةً وتحليلاً وإدارة صارمة لرأس المال، ولا علاقة له بعدد الأشخاص الذين يتم دعوتهم. وبين المنصات الوهمية الاحتيالية التي تقوم على أرباح ثابتة وغياب الترخيص ونظام إحالات من شخص لآخر يضمن استمرارها، هذا الخلط لم يؤدِّ فقط إلى خسارة أموال المشتركين، بل دمّر ثقة شريحة واسعة بأي نشاط رقمي حقيقي.
في شمال غرب سوريا بدأت منصات وتطبيقات رقمية بالظهور بشكل متزايد، مستفيدة من واقع اقتصادي هش وارتفاع معدلات البطالة بين السكان وقلة فرص العمل، إلى جانب كثافة سكانية كبيرة تبحث عن أي مصدر دخل بديل، وساعدها الترويج عبر وكلاء من المنطقة على الانتشار باعتبارها منصات ربحية سريعة وطريق للثراء بوقت قصير.
في المرحلة الأولى، يتولى القائمون على هذه المنصات الترويج لها عبر إعلانات ممولة، إضافة إلى الاستعانة بصنّاع محتوى على يوتيوب يتقاضون مبالغ مالية مقابل الإعلان لها. وفي بعض الحالات، يقدم الترويج على أساس أن هؤلاء من بين المستثمرين في المشروع، قبل أن تنكشف هويات القائمين الفعليين عليه لاحقاً.
أما في المرحلة الثانية، فلا تعود المنصة بحاجة إلى حملات ترويج مباشرة، إذ يتكفل جزء كبير من المشتركين أنفسهم بالمهمة. فبمجرد حصولهم على أول دفعة أرباح، يبدؤون بالترويج لها ضمن محيطهم الاجتماعي، ما يوسّع دائرة الضحايا. ويصل الأمر إلى أن بعضهم يواصل الترويج رغم إدراكه أن المنصة قد تكون احتيالية في نهاية المطاف، لكنه يراهن على تحقيق مكاسب سريعة قبل انهيارها، مستنداً إلى كونه من أوائل المسجلين فيها.
تقدم هذه المنصات نفسها على أنها فرصاً استثمارية حديثة، تدّعي تحقيق أرباح ثابتة مقابل تنفيذ مهام بسيطة، أو عبر “بوتات تداول ذكية”، وهي طريقة آلية للتداول بدون تدخل المستخدم، تقوم على تحليل السوق واختيار الصفقات وفق استراتيجية يتم برمجتها عليها وتنفيذ أوامر الشراء والبيع بشكل آلي وتعمل بالنيابة عن المستخدم، وتختار صفقات رابحة تلقائياً، مقابل وعود واضحة بدخلٍ يومي أو أسبوعي ثابت، ومخاطر شبه معدومة.
يقول خالد، بحكم خبرتي في التداول وتحليل أسواق العملات الرقمية، كان هذا الادعاء كفيلاً بإثارة الشكوك، لكن شريحة واسعة من الناس انجذبت إلى هذه العروض، مدفوعة بقصص أرباح سريعة، وصور لأشخاص يدّعون تحقيق مكاسب كبيرة خلال فترات قصيرة.
أبو أحمد، صاحب مكتب لبيع وشراء العملات الرقمية في بلدة أطمة، لديه خبرة بالاسواق الرقمية، يصف تعامل الناس مع العملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة بأنه “حاد وسريع ولكنه يفتقر إلى الوعي”. يقول “ازداد التعامل بالعملات تدريجياً مع انتشار المواقع التي تقبل الدفع والسحب عبر هذه العملات، خاصة في ظل تعقيد التحويلات المالية التقليدية وغياب البدائل السهلة، فوفرت العملات الرقمية على الناس وقتاً وجهداً وعمولات تحويل، وهذا ما جعلها تنتشر بسرعة، حتى بين أشخاص لا يملكون أي معرفة تقنية حقيقية بها”.
لكن هذا الانتشار، بحسب أبو أحمد، فتح باباً واسعاً أمام منصات احتيالية استغلت جهل شريحة كبيرة من المستخدمين بطبيعة التداول الحقيقي. يوضح أبو أحمد بقوله “كان يأتيني زبائن لشحن حساباتهم في مواقع واضحة أنها ذات طابع احتيالي، وكنت أحذرهم صراحةً أن هذه المنصات غير موثوقة، لكن كثيرين كانوا يصرّون على التجربة.
ويشرح أن اللحظة الأخطر كانت نجاح أول عملية سحب أموال، ووصفها بالفخ. فمجرد أن يرى الشخص المال بيده يطمئن، ثم يغامر بمبلغ أكبر ويبدأ بإقناع غيره من الأشخاص بالدخول وإيداع الأموال بهدف الربح السريع إلى أن تغلق المنصة فجأة وتختفي مع أموالهم ليدركوا أنهم ضحية عملية نصب.
يروي محمد الأحمد، 27 عاماً، من مدينة سلقين بريف إدلب، كيف دخل عالم هذه المنصات من باب الثقة والاطمئنان، لا من باب المغامرة العشوائية. يقول إن دخوله كان عن طريق أحد أقاربه، الذي أراه أرباحاً حقيقية تجاوزت 500 دولار خلال شهر واحد فقط، ما جعله يعتقد أن الأمر يتعلق بفرصة استثمارية حقيقية لا بمجرد تطبيق عابر.
يوضح محمد أن المنصة التي دخلها كانت مصممة بعناية، وتشبه إلى حد كبير منصات التداول المعروفة من حيث الشكل والواجهة، وتعرض رسوماً بيانية، وأزرار تنفيذ صفقات، وإشارات تداول جاهزة، ما عزز قناعته بأنه يتعامل مع نشاط مالي حقيقي. يقول إنه أودع 500 دولاراً في المنصة وهو ضعف الحد الأدنى من الإيداع المسموح به، إذ يمكن مضاعفة رأس المال خلال أربعين يوماً فقط وبدافع الطمع في تحقيق ربح أكبر، بالفعل بعد فترة زمنية تراكمت الأرباح داخل التطبيق وأصبح رصيده نحو ألفي دولاراً، لكنه لم يقم بسحب أي مبلغ، بل فضّل الانتظار طمعاً بمضاعفة الأرباح أكثر.
بعد ثلاثة أشهر توقفت عمليات السحب من المنصة بشكل مفاجئ، بحجة عطلة عيد الشكر، تزامن ذلك مع رسائل تشجيع عبر قنوات المنصة على تطبيق تلغرام، تحث المستخدمين على العمل بجدّ أكبر ودعوة مزيد من الأشخاص خلال فترة التوقف.
بعد عشرة أيام، أعلنت المنصة أنها ستعيد فتح السحب، لكنها اشترطت على المستخدمين إرسال 200 دولاراً إضافية إلى عنوان محفظة محدد. عند هذه النقطة، بدأ الشك يتحول إلى يقين. يقول محمد “هنا أدركت أننا وقعنا ضحية احتيال منظم”. يضيف بحسرة “أكثر ما يؤلمني شعوري بالذنب تجاه من دعوتهم للدخول فقد خسروا أموالهم بسببي”.
الخسائر المتكررة لم تردع المشتركين فكثير من الأشخاص دخلوا منصات جديدة رغم معرفتهم المسبقة بأنها قد تكون احتيالية، ولكن أملهم بتعويض خسارتهم السابقة دفعتهم للبحث عن أي مصدر دخل مهما كان محفوفاً بالخطر. وهذا السلوك يحول الضحية، دون وعي، إلى جزء من سلسلة الخداع.
ويشير أبو أحمد إلى أن كثرة هذه المنصات خلقت أثراً جانبياً بالغ الخطورة، تمثّل في فقدان الثقة بأي نشاط رقمي حقيقي. “اليوم، كثير من الناس باتوا يعتقدون أن كل ما له علاقة بالتداول هو نصب، حتى المنصات العالمية المعروفة. الناس تحكم دون أن تفهم، لأن التجربة السيئة كانت أقوى من أي شرح”.
ما تعرّض له محمد الأحمد وغيره، يندرج ضمن نموذج احتيالي معروف عالمياً باسم مخطط بونزي (Ponzi Scheme)، نسبة إلى تشارلز بونزي، الذي نفّذ في مطلع القرن العشرين واحدة من أشهر عمليات الاحتيال المالي في التاريخ. هو أحد أكثر أشكال الاحتيال الاستثماري شيوعاً، ويعتمد على دفع أرباح للمستثمرين الأوائل من أموال المستثمرين الجدد، دون وجود أي نشاط اقتصادي حقيقي.
في نسخته الحديثة، ارتدى مخطط بونزي قناعاً رقمياً متطوراً واستخدمت المنصات واجهات شبيهة بمنصات التداول المعروفة، وأزرار بيع وشراء وهمية، وعرضت أسماء عملات مشهورة مثل بيتكوين وإيثريوم، إلى جانب الإيداع والسحب عبر عملة USDT، لإضفاء مظهر احترافي ومقنع. ومع الانتشار الواسع لمصطلحات الذكاء الاصطناعي، بدأت هذه المنصات اليوم باستخدام لغة أكثر تطوراً منها بوتات تداول ذكية، وخوارزميات دقيقة، ونسب نجاح مرتفعة إضافة إلى دور الإعلانات الممولة على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار هذه المنصات، عبر عرض قصص نجاح وهمية، وأشخاص يدّعون بناء ثروات خلال فترات قصيرة.
أحمد رشواني، وهو تاجر عملات رقمية من مدينة جسر الشغور، يصف ما شاهده خلال فترة نشاط هذه المنصات بأنه “كارثة مالية صامتة”. يقول إن بعض عملائه وأشخاصاً من محيطه، وصلت أرصدتهم الوهمية داخل بعض المنصات إلى عشرات الآلاف من الدولارات. يخبرنا أن هناك شخصاً وصل رصيده إلى 50 ألف دولار، وآخر كان لديه 10 آلاف، وغيرهم باعوا سياراتهم ووضعوا ثمنها داخل المنصة ولكن هذه الأرقام الوهمية لعبت دوراً أساسياً في تغذية الطمع الجماعي، ودفع مزيد من الناس إلى الدخول دون تفكير.
يشير رشواني إلى أن عدداً محدوداً فقط من المستخدمين حققوا أرباحاً فعلية في البداية، وغالباً كانوا من أوائل الداخلين أو من الأشخاص النشطين في جلب مشتركين جدد، وهؤلاء ربحوا دون أن يشعروا أنهم جزء من عملية احتيال، بينما خسر الآلاف من المشتركين أموالهم من جميع الفئات الاجتماعية. إذ لم تقتصر دائرة الضحايا على فئات غير متعلمة، بل شملت مهندسين وأطباء وموظفين، أودع بعضهم مبالغ كبيرة.
زكريا، طالب جامعي من مدينة حلب، دخل إحدى المنصات التي ادّعت العمل في مجال تعدين العملات الرقمية. يقول إن المنصة قدّمت شرحاً مبسطاً لمفهوم التعدين، وأقنعته أنها تحقق أرباحاً تصل إلى 200 بالمئة شهرياً. وتقوم عملية التعدين على توليد العملات الرقمية عبر أجهزة حاسوبية مخصصة تعمل على التحقق منها، وهي عملية تتطلب تجهيزات تقنية وتكلفة تشغيل مرتفعة، ولا تحقق أرباحاً ثابتة أو مضمونة.
غامر زكريا بألف دولار، وهو كل ما يملك، قسّم المبلغ وفتح حسابين بقيمة 500 دولار لكل منهما، اعتقاداً منه أن ذلك سيضاعف الأرباح. يقول إن تجربة صديقه الذي دعاه للمشاركة كان قد ربح أكثر من ألف دولارٍ خلال شهرين فقط، وهذا ما شجعه على الدخول. فوجئ زكريا بيوم موعد السحب بتوقف الموقع بالكامل، ثم اختفاء حساب الدعم الفني على تطبيق تلجرام. يقول “عندها فقط أدركت أنني تعرضت لعملية احتيال، وأن ما كنت أراه أرباحاً لم يكن سوى أرقاماً على الشاشة”.
زكريا واحدٌ من مئات الأشخاص الذين كانوا ضحية منصات رقمية احتيالية، إذ لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد الضحايا في شمالي غربي سوريا، لكن القصص المتشابهة، والخسائر المتراكمة، تكشف حجم الكارثة. وطالما بقي وهم الثراء السريع مغرياً، ستواصل هذه المنصات تغيير أسمائها وأقنعتها ويبقى الوعي المالي والقدرة على التمييز بين استثمار حقيقي ووهم منظم هو خط الدفاع الوحيد أمام تكرار الخسارة.
