فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مفارق الموت على طريق M5.. خطر يومي يهدد عابري الطريق جنوبي إدلب

أميمة محمد

تحولت رحلة العبور اليومية في قرى بريف إدلب الجنوبي إلى مغامرة بسبب المفارق العشوائية، وغياب الجسور والتنظيم المروري على طريق دمشق -حلب الدولي

يوميًا، وفي طريق عودتها من العمل، تقف منار، من قرية الصالحية بريف إدلب الجنوبي، الواقعة شرقي طريق حلب دمشق الدولي (M5)، على بعد بضعة كيلومترات من بلدة حيش، مترقبة اللحظة المناسبة للعبور إلى غربي الطريق الذي لا يخلو من السيارات العابرة بسرعة عالية. عادة ما تنتظر نحو عشرين دقيقة قبل أن تتمكن من اجتياز الطريق بأمان.

تقول منار إن هاجس عبور الطريق بات يشكل عبئًا نفسيًا ثقيلًا عليها، خاصة بعد وفاة عمّها قبل عشرة أيام، إثر حادث دهس أثناء محاولته قطع الطريق ذاته عند مفرق بلدة حيش المتصل مباشرة بالطريق الدولي، وشابين آخرين من أقربائها كانا في طريقهما إلى المدرسة.

مع سقوط نظام الأسد وعودة آلاف المهجرين إلى قراهم في ريفي إدلب الجنوبي والشرقي بعد نزوح دام نحو ست سنوات، عاد طريق M5 ليكون شريانًا حيويًا يربط محافظات حلب وإدلب وحماة وحمص وصولًا إلى دمشق. إلا أن تفعيل الطريق ترافق مع تصاعد ملحوظ في أعداد الحوادث المرورية، لا سيما في المناطق المتصلة بمفارق عشوائية دون جسور أو أنفاق.

يقسم طريق حلب دمشق الدولي (M5) عددًا من قرى ريف إدلب الجنوبي إلى شقين شرقي وغربي، ما فرض وجود فتحات ومفارق تُستخدم كمعابر يومية للأهالي. غير أن هذه النقاط، التي يفترض أن تسهّل وصول سكان القرى إلى الخدمات، تحوّلت إلى بؤر خطرة في ظل غياب أي تنظيم مروري.

يقول الأهالي إن هذه المفارق تمثّل صلة الوصل الوحيدة بين جانبي القرى، فطلاب المدارس والقاطنين في القسم الشرقي من بلدة حيش يتوجهون يوميًا إلى القسم الغربي، حيث تتركز المدارس والخدمات الطبية والصيدليات، دون وجود جسور لعبور المشاة وسط حركة مرور كثيفة لمركبات تسير بسرعة جنونية ولا تعطي مجالًا لعبور الطريق.

الاتوتستراد الدولي بالقرب من قرية العامودية في ريف حلب الجنوبي
الاوتوستراد الدولي بالقرب من قرية العامودية في ريف إدلب الجنوبي

آلاف العائلات العائدة إلى قرى الصالحية، بابولين، العامودية، كفرباسين، وبسيدا، تواجه الظروف ذاتها التي تواجهها منار، نتيجة اضطرارهم لعبور الطريق الدولي من مفارق غير منظمة، تفتقر إلى إشارات تحذيرية أو مطبات تخفيف سرعة.

“شقيقاتها الثلاث، اللواتي يدرسن في المرحلة الثانوية في بلدة حيش، يحتجن يوميًا إلى من يوصلهن ويعيدهن بسبب عدم وجود مدرسة ثانوية في القرية، تقول منار مؤكدة أن غالبية الأهالي يضطرون لعبور الطريق لتأمين احتياجاتهم اليومية، ما يعرّضهم لخطر التعرض لحوادث مرورية.

مصطفى العبدالله، رئيس المجلس المحلي لبلدة كفر سجنة وهو أحد مستخدمي الطريق يقول: “إن المشكلة تعود إلى سنوات سابقة، لكنها تفاقمت مجددًا مع عودة السكان. فالمفارق الحالية غير مناسبة لطريق دولي سريع وفعّال، والتحويلات يجب أن تكون عبر طرق ملتفة تُجبر السائقين على تخفيف السرعة، وليس عبر مفارق مباشرة على طريق مستقيم، ينتقل فيه السائق من مسار إلى آخر بالسرعة نفسها، ما يؤدي إلى حوادث متكررة”.

وبحسب العبدالله وغيره من سكان المنطقة فإن مفرق حيش من أخطر النقاط على الطريق، وهناك مطالبات واسعة من الأهالي بإنشاء جسر لتخفيف الخسائر البشرية، إذ لم يجرِ أي ترميم بعد سقوط نظام الأسد. منوهًا لوجود جسر غير مكتمل عند مفرق بابولين، متوقف منذ 2011، ولم يُستكمل حتى اليوم.

وبحسب إحصائيات الدفاع المدني السوري ، بلغ عدد الحوادث المرورية التي استجيب لها خلال عام 2025 نحو 1015 حادث سير، منها 65 حادثًا خلال شهر كانون الأول فقط، مع تأكيدهم لفوكس حلب على أن هذه الأرقام لا تشمل جميع الحوادث، إذ لم يتم الإبلاغ عن بعضها.

يعزو حسن الخالدي، من بلدة بسيدا، تكرار الحوادث إلى كون الطريق دوليًا وسريعًا، ويفتقر إلى التنظيم المروري، إضافة إلى وجود مركبات تعاكس السير وغياب ضبط السرعة. ويصف مفرق حيش بأنه من أخطر التقاطعات. كما أن الطريق يقسم بلدته بسيدا إلى قسمين شرقي وغربي، ولا يوجد جسر مشاة، وطلاب المدارس يضطرون لعبور الطريق يوميًا، ما يعرّض حياتهم للخطر.

طريق حلب- دمشق الدولي بالقرب من قرية العامودية في ريف إدلب الجنوبي
الاوتوستراد الدولي بالقرب من قرية العامودية في ريف إدلب الجنوبي

ويوضح الخالدي أن السرعات المرتفعة، التي تتجاوز في كثير من الأحيان 120 كيلومترًا في الساعة، توسع وقت انتظار عبور الطريق لأكثر من ربع ساعة، وسط غياب الإشارات التحذيرية والإنارة والمطبات، ولا سيما على امتداد الطريق بين معرة النعمان وخان شيخون. ويضيف أن الطريق يكون واسعًا شمال مفرق بسيدا، قبل أن يضيق بشكل مفاجئ عند المفارق، الأمر الذي يؤدي إلى اصطدام المركبات أو انحرافها المفاجئ، متسببًا بحوادث مميتة.

على الطريق نفسه، تحديدًا في القطعة الممتدة ما بين مفرق معرحطاط وبداية قرية صهيان أو ما أسماه المهندس بشار الإسماعيل، رئيس المجلس المحلي لبلدة حيش، بطريق الموت، كما يعرف محليًّا، خاصة بعد عودة الأهالي وازدياد الكثافة السكانية في المنطقة. يشهد هذا الجزء من الطريق حفريات وأضرارًا واضحة، إضافة إلى تهالك المنصف الفاصل بين مساري الذهاب والإياب، ما يعطل العبور ويشكل خطورة على السائقين والمشاة على حد سواء.

بحسب الإسماعيل فإن تضرر المنصف وغياب البدائل الآمنة دفع الأهالي إلى استخدام الفتحات المقابلة للقرى كمسارات لعبورهم من قرية إلى أخرى، الأمر الذي خلق حالة من الفوضى المرورية ورفع من احتمالية وقوع الحوادث بشكل متكرر. فتحولت هذه الفتحات إلى نقاط عبور رئيسة رغم عدم تأهيلها أو تنظيمها، في ظل غياب كامل لإجراءات السلامة المرورية.

يقول:” الطريق يفتقر لأي إجراءات أمان حقيقية، ما يستدعي تدخلًا عاجلًا، بدءًا بإغلاق جميع الفتحات العشوائية بين مساري الذهاب والإياب، ووضع خطة مرورية واضحة لتنظيم حركة الانتقال بين الجهتين، إلى جانب الإكثار من اللافتات والإشارات الإرشادية”. 

ويشير الإسماعيل إلى أن المجلس المحلي في بلدة حيش نفّذ عددًا من الإجراءات المحدودة للتخفيف من خطورة الطريق، من بينها إزالة عوائق كانت تتسبب بمضايقات لمستخدميه، مثل تقليم أو اقتلاع أشجار تحجب الرؤية، خاصة عند الفتحات التي شهدت حوادث سابقة. ولفت إلى أنه شهد بنفسه أربعة حوادث تصادم سيارات في مرات متفرقة، إضافة إلى عدد كبير من حوادث الدراجات النارية في تلك النقاط بسبب الأشجار.

كما أوضح الإسماعيل أن المجلس نقل نقطة كانت تُستخدم لنقل الركاب إلى المحافظات (كراج)، نظرًا لقربها من الأوتستراد وما كانت تسببه من مضايقات وحالات ازدحام تزيد من خطورة الحركة المرورية.

ولأن الطريق هو أوتوستراد دولي سريع، يقترح الاسماعيل الاستعاضة عن المطبات بإضاءة تحذيرية تلفت انتباه السائقين وتساعد على تخفيف السرعة، معتبرًا أن الحل الأمثل يكون في شق طريقين فرعيين شرق وغربي الأوتوستراد باتجاه جسر بابولين الذي يخفف إعادة تأهيله المخاطر والحوادث بشكل كبير وهو مقترح جرى رفعه إلى الجهات المعنية بانتظار الرد عليه.

الاوتوستراد الدولي بالقرب من قرية العامودية في ريف حلب الجنوبي
الاوتوستراد الدولي بالقرب من قرية العامودية في ريف إدلب الجنوبي

للحد من خطورة المفارق غير المنظمة، أكد مدير المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية فرع إدلب، المهندس عبد الكريم عثمان، أن الجهات المعنية تعمل على اتخاذ إجراءات، ولا سيما في القرى التي يقسمها الأوتوستراد إلى شقين شرقي وغربي، والتي تشهد تكرارًا للحوادث وسقوط ضحايا. 

وأوضح عثمان أن العمل يجري حاليًا على تقليل الفتحات غير النظامية بالتعاون مع إدارة المناطق، إلى جانب السعي لإعادة تشغيل العقد الطرقية في المنطقة، معتبرًا أن هذه الخطوات من شأنها المساهمة في خفض عدد الحوادث وتحسين مستوى السلامة المرورية على الطريق.

وفيما يتعلق بالجسور المتضررة أو غير المؤهلة في النقاط الأكثر خطورة، أشار عثمان إلى وجود اتفاقيات سابقة مع شركة “ماتيير” الفرنسية لصيانة الجسور على الطرق المركزية، مؤكدًا استمرار التنسيق مع الجهات المختصة لضمان تنفيذ أعمال الإصلاح في المواقع ذات الخطورة العالية.

وعن التدابير الآنية للحد من الحوادث، خاصة في ظل غياب الإشارات التحذيرية والمطبات في بعض المناطق المأهولة وبالقرب من المدارس، قال عثمان إن المؤسسة تعمل حاليًا على خطة لتركيب إشارات مرورية تحذيرية ودلالية، تشمل المناطق السكنية والنقاط القريبة من المدارس.

يواصل أهالي قرى واقعة على طريق M5 تصوير الحوادث المرورية مطالبين بأن تُعاد هندسة المفارق لضمان عبور آمن. وإلى أن تنفذ الخطط سيبقى السكان شهودًا على الحوادث منتظرين حلولًا تُنقذ المارة قبل أن تُضاف أسماء جديدة إلى السجلّات.