فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

التحذيرات الرسمية لا تفتح مجاري نهر قويق المسدودة 

خالد الحسين

بين تحذيرات رسمية من مخاطر فيضان مياه نهر قويق بريف حلب الجنوبي، ومجرىً لم ينظف منذ أكثر من عقد، ونباتات تحولت إلى سدود على مجرى النهر، يدفع مزارعو ريف حلب الجنوبي ثمن الإهمال وتغرق محاصيلهم الزراعية ويخسرون أرزاقهم

أطلقت مديرية زراعة حلب صافرة الإنذار، محذرةً من فيضان وشيك لنهر قويق إثر الأمطار الغزيرة التي رفعت منسوب المياه إلى حدودها القصوى. وبسبب انسداد مجرى النهر بالنباتات والأتربة والتي من المفترض أن تكون قنوات آمنة لعبور مياه الأمطار، فاضت المياه باتجاه الحقول المحاذية للنهر وغمرت عشرات الهكتارات من أراضي المزارعين.

وتحولت أعواد قصب الزل، الاسم المحلي لنبات القصب الذي ينمو في الأنهار، إضافة إلى تراكم الأتربة والأوساخ إلى سدودٍ طبيعية ترفع منسوب المياه، ويمتد ​هذا المشهد الذي وصفه مزارعون في المنطقة بـ “المأساوي”، من أعالي بلدة خان طومان وصولاً إلى بحيرة السيحة في أقصى ريف حلب الجنوبي.

ورغم أن خطر الفيضان بات طقساً سنوياً، إلا أن الحلول الخدمية بقيت منقوصة، واقتصرت عمليات التنظيف على قطاعات محددة وتوقفت الآليات قبل أن تصل إلى مجراها الأخير، مما جعل المزارع وحيداً في مواجهة كارثة أعلنت عنها الجهات الحكومية ورقياً، وعجزت عن منعها ميدانياً.

الدفاع المدني السوري قام ضمن الإجراءات الاستباقية للحد من مخاطر فيضان النهر يوم 14 كانون الثاني، بتعزيل أربع عبّارات على نهر قويق في بلدة العيس وبلدة الحاضر وقرية التليلات في ريف حلب الجنوبي. وذلك بعد ارتفاع منسوب النهر نتيجة الأمطار الغزيرة، وتخوف الأهالي من طوفان النهر ودخول المياه إلى منازلهم.

هذه الإجراءات وصفها الدفاع المدني بأنها ضرورية لتعزيز السلامة العامة وحماية الأهالي والممتلكات من مخاطر الفيضانات المحتملة. لكن الأهالي أكدوا أنها غير كافية. ​فعلى الأرض، لم تمنع هذه التحركات المعلنة من اتساع رقعة الأضرار، لتبدأ الحكاية مع المزارعين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مع المياه.

محمد عبدالكريم، من أهالي قرية الكماري، يصف بمرارة كيف تحولت ثلاثة هكتارات من أرضه إلى بحيرة راكدة، مؤكداً أن المطر لم يكن يوماً هو السبب، بل الإهمال وعدم اتخاذ الاجراءات المناسبة في وقتها. يقول: “لم تتعرض أرضي سابقاً للغمر، أما اليوم فهي تسبح بالمياه، والسبب هو انسداد مجرى النهر وعدم تنظيفه في الوقت المناسب، وبالتالي رفع منسوب المياه وفيضانها على الأراضي المحاذية له إلى أن أتلفت المزروعات.

ارض مغمورة بسبب ارتفاع منسوب نهر قويق، قرية الكماري، ريف حلب الجنوبي، 2026
ارض مغمورة بسبب ارتفاع منسوب نهر قويق، قرية الكماري، ريف حلب الجنوبي، 2026

تجاوزت قيمة ​خسائر محمد ألفي دولار، وهو مبلغ استدانه لتأمين ثمن البذار وأجرة الفلاحة، يجد نفسه الآن عاجزاً حتى عن محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المحصول. يقول: “حاولت يدوياً باستخدام الجاروف تسهيل حركة المياه، لكن كثافة النباتات كانت أقوى من فتح مسار للمياه، وعندما راجعت الجهات المعنية، اكتفوا بوعود لإرسال آلية (باكر) لتنظيف نقاط محددة فقط، دون أي تقييم للأضرار أو تعويض عما فقدناه”.

بسبب هذا الخذلان، يفكر محمد جدياً بعدم زراعة أرضه مجدداً، مطالباً هو وعشرات المزارعين بتعويض الأضرار التي لحقت بهم بسبب النهر. يقول: “التعويض حق لنا، وتنظيف النهر يجب أن يكون صيفاً في فترة جفاف النهر، لا أن ننتظر الكارثة ونطلق تحذيرات دون عمل”.

من جانبه، كشف أحمد العويد، عضو بلدية زمار التابعة لمنطقة جبل سمعان، أن 60 هكتاراً من الأراضي تعرضت للضرر في بلدة زمار وحدها، بالإضافة إلى وقوع خسائر في قرى المجاورة مثل حوير العيس وتل باجر وخربة المحل، إذ تتراوح قيمة خسائر الدونم الواحد بين 70 إلى 100 دولار، وهو ما يهدد مصدر رزق 300 عائلة بشكل مباشر.

يؤكد العويد أن المشكلة تعود لسنوات طويلة تصل إلى أكثر من خمس عشرة سنة، يقول: “آخر مرة جرى فيها تنظيف مجرى النهر بشكل كامل كانت عام 2010، ونحن اليوم بحاجة عاجلة لتنظيف 10 كم في منطقة زمار وما بعدها لضمان مرور المياه، فالخطر يزحف الآن نحو منازل المدنيين”.

وصف العويد دور البلدية والإرشادية الزراعية بالدور الشكلي، نتيجة غياب الدعم على أرض الواقع، موضحاً أن محافظة حلب مطالبة اليوم بالتدخل المباشر للوقوف على مطالب الناس وتعويضهم، فالمزارع خسر أرزاقه، مقترحاً البدء الفوري بتنظيف عميق لمجرى النهر ومنع توسع رقعة الأراضي المتضررة”.

في المقابل، لم تنفِ مديرية الموارد المائية في حلب حجم المشكلة، لكنها وضعتها في سياق الإمكانيات المتاحة، مقابل ما أسمته بالإرث المتراكم، إذ وضح أحمد الأحمد، مدير مديرية الموارد المائية في حلب، أن التحذيرات التي أطلقتها مديرية الزراعة عقب العاصفة المطرية في 12 كانون الثاني كانت إجراءً واجباً لتنبيه المزارعين، مقراً بأن النهر لم يشهد عمليات تنظيف حقيقية منذ سنوات طويلة، مما أدى لتراكم النباتات على طول مجراه وتفرعاته البالغة 452 كم.

وعن انتقادات المزارعين لجزئية التنظيف، كشف الأحمد أن العمل ركز على النقاط الأكثر حاجةً التي سببت انسداداً كاملاً للمجرى وأدت إلى غرق مساحات واسعة، بينما تُركت المناطق المسدودة جزئياً لمراحل لاحقة.

وعزا الأحمد بطء العمل إلى أزمة عدم امتلاك آليات، مشيراً إلى أن حلب كانت تمتلك 45 جرافة (باكر) للتنظيف، لم يتبقَ منها سوى اثنتين فقط، بعد أن تعرضت 43 آلية للسرقة، مما اضطر المديرية للاستعانة بآليات مؤازرة من محافظات دير الزور وحماة ومنطقة سهل الغاب لمواجهة حالات الطوارئ.

ضمن التحركات الرسمية الجديدة، أعلن الأحمد أن محافظ حلب، عزام الغريب، وجه بتشكيل لجنة تضم فرقاً من مختلف المديريات المختصة لمتابعة تنظيف وإصلاح النهر من مدينة حلب وصولاً إلى المصب في بحيرة السيحة. وتطرق إلى ملف تلوث المياه، مؤكداً أن مياه النهر حالياً هي مياه صرف صحي غير صالحة سوى للمحاصيل العلفية، كاشفاً عن خطة قريبة لإصلاح محطة معالجة مياه الصرف الصحي في “الشيخ سعيد”، رغم تكلفتها العالية، لضمان تحسين جودة المياه مستقبلاً.

ارض مغمورة بسبب ارتفاع منسوب نهر قويق، قرية زمار، ريف حلب الجنوبي، 2026
ارض مغمورة بسبب ارتفاع منسوب نهر قويق، قرية زمار، ريف حلب الجنوبي، 2026

وأرجع الأحمد التقصير في تنظيف النهر طوال السنوات السابقة إلى سياسة ممنهجة اتبعها نظام الأسد لمحاربة لقمة عيش المزارعين في ريف حلب الجنوبي، والذي كان يمثل شريان حياتهم الأساسي. وأكد: “بدأنا العمل فور استلامنا المهام، لكن قلة الإمكانيات هي العائق الأكبر، فالنهر يحتاج للتنظيف مرتين سنوياً بعدد من الآليات ونحن لا نملك سوى آليتين تعملان بشكل دائم في ريف حلب الجنوبي بإشراف إدارة منطقة سمعان وهما غير كافيتين”.

وبينما ترك الأحمد ملف تعويض المزارعين في عهدة مديرية الزراعة لعدم الاختصاص، ختم حديثه بنبرة تفاؤلية، معلناً عن خطة 2026 التي ستطرحها وزارة الطاقة ومديرية الموارد المائية قريباً، واعداً أن يكون مستوى الأعمال الخدمية فيها نقطة تحول تنهي معاناة المزارعين التاريخية مع فيضانات النهر وإهماله.

منذ عام 2011  توقفت عملية ضخ المياه إلى نهر قويق من محطة الجرّ القادمة من نهر الفرات، كذلك تغذيته بالمياه المعالجة من محطة الشيخ سعيد، إضافة إلى جفاف الينابيع التي كانت أحد مصادر جريانه، وعاد النهر إلى سابق عهده قبل عام 2008، مصباً للمياه العادمة من الصرف الصحي ومخلفات المعامل، وتوقفت المشاريع الزراعية في ري واستصلاح نحو (197 ألف هكتار) من سهول ريف حلب الجنوبي.

وفي مطلع العام الماضي بدأ الدفاع المدني السوري مشروعاً لتنظيف مجرى النهر وإزالة الزل والعوالق والترسبات بهدف تسليك المياه ومنع فيضانها على الأراضي الزراعية في ريف حلب الجنوبي. إلا أن المبادرة توقفت لاحقاً نتيجة تحديات فنية لم يتم تجاوزها. وبقي الوضع على حاله، إذ ما تزال هذه المناطق تتلقى فقط مياه الصرف الصحي المليئة بالحشرات الناقلة للأمراض والأوبئة.

تتجسد أزمة نهر قويق كتهديد مباشر للأمن الغذائي والاستقرار المعيشي للمزارعين في ريف حلب الجنوبي، ومع استمرار نقص الآليات وتراكم أعواد  الزل في مجرى النهر، تظل آمال المزارعين معلقة على خطة 2026 الموعودة، بانتظار أن يشهد النهر تنظيفاً حقيقياً لجريان مياهه دون أن تفيض على أراضيهم وتغرق محاصيلهم.