كان مصطفى محمد الطه، 26 عامًا، يحاول ترميم منزل عائلته الذي تضرر بفعل قصف سابق شهدته بلدة معرة حرمة جنوبي إدلب، تمهيدًا لعودتهم من مخيمات الشمال السوري. إلا أن حلم العودة تحول لمأساة أكثر قسوة من التهجير حين انهار جدار متصدّع فوق مصطفى، ليفارق الحياة متأثرًا بإصابته.
يعتمد معظم العائدين من المخيمات لترميم منازلهم على تقديراتهم دون الاستعانة بمختصين يقررون ما إذا كان البناء آمنًا للترميم أو السكن. وغالبًا ما تتم جهود إزالة أنقاض المنازل المدمرة والمتصدعة جنوبي إدلب دون أي كشف هندسي لتقييم السلامة واتخاذ القرار المناسب.
تتعدد أسباب تجاهل معايير السلامة من قِبَل العائدين، الفقر وقلّة الخبرة، إضافة لغياب خطة زمنية من الحكومة لتوفير عودة كريمة للمهجرين وضمان عدم تكرار المآسي، خاصة أن الكثير من الأبنية التي صمدت شكليًا تخفي أضرارًا إنشائية خطيرة، ما يجعل العمل داخلها مخاطرة حقيقية. وما حادثة مصطفى إلا واحدة من سلسلة حوادث وإصابات وقعت خلال محاولات ترميم منازل متضررة جزئيًا في المنطقة.
في مدينة معرة النعمان، توفي عاملان وأصيب اثنان آخران إثر انهيار سقف منزل أثناء أعمال ترميم. وفي بلدة كفرسجنة، فقد الشاب علي الويس، 16 عامًا، حياته بعد سقوطه من الطابق الثاني لبناء متضرر.
يحذّر المهندس المدني صابر المشكل من أن الترميم العشوائي، حتى في الأبنية التي تبدو مستقرة، قد يؤدي إلى انهيارات مفاجئة تهدد حياة السكان والعمال. يقول: “كثير من الأبنية المتضررة في ريف إدلب الجنوبي تحمل أضرارًا غير ظاهرة، تشمل ضعف الأساسات وتصدعات الأعمدة والأسقف” مشددًا على أن أي ترميم آمن يجب أن يسبقه كشف هندسي دقيق، يليه تدعيم الأبنية المتضررة جزئيًا، ولا سيما الأسقف، عبر استخدام دعامات حديدية وصبات مدعمة تقوي السقف وتزيد من تماسكه، ما يجعل العمل تحتها أكثر أمانا ويحد من مخاطر الانهيار.
ورغم وضوح المخاطر، يدفع الواقع الاقتصادي العائدين إلى تجاهل الاستشارات الهندسية. فبحسب تبرير من التقيناهم، يعود السبب إلى أن المبلغ الذي سينفقونه لهذا الغرض يمكن أن يوفروه لتحسين ظروف السكن، خاصة أن كثيرين يرممون جزءًا من المنزل لعدم قدرتهم على الترميم الكامل، على أمل تدخّل الحكومة وبدء تعويض المتضررين لإصلاح وإعمار باقي الأجزاء.
رئيس المجلس المحلي لبلدة الشيخ مصطفى جنوبي إدلب، يخبرنا أن نقابة المهندسين تقدم خدمات غير محدودة للمجالس المحلية، ويتم التعاون مع أبناء المناطق المهجرة من خلال تقديم استشارات مأجورة، تختلف قيمتها باختلاف مكان الاستشارة والمنزل من ناحية البعد والقرب عن مكان العمل، وتتراوح بين 25 دولارًا الى 100 دولار أمريكي، لكن الحالة الاقتصادية الصعبة للأهالي وكثرة الدمار حالت دون طلبهم للاستشارات في الوقت الحالي خاصة أن تكاليف البناء والترميم تفوق قدرة معظمهم.
وبحسب تقديرات متعهد البناء، جميل عنان، فإن تكلفة المتر الواحد من سقف الهوردي تصل لـ 28 دولارًا أمريكيًا، بينما تبلغ تكلفة سقف “البلاطة” نحو 22 دولارًا، أما متر عمار البلوك بنحو دولارين، في حين يقدّر سعر طرش متر من الجدران بالاسمنت “اللياسة” بنحو 2.5 دولار، وسعر متر البلاط بنحو 3 دولارات للمتر، والسيراميك بنحو 4 دولارات. هذه التكلفة المرتفعة تجعل الأهالي يتجاهلون إشراف مختص اختصارًا للتكاليف، وفق ظنهم.
ومع أن السكن كان أحد أدوات الحرب عبر التدمير المنهجي والتهجير القسري، تُترك اليوم مسألة الترميم على عاتق الأفراد، دون إدراج العودة الآمنة ضمن مسار جبر الضرر بشكل صريح وفق جداول زمنية واضحة وشفافة. على الرغم من أن إعادة ترميم المنازل لا تُعد مسألة خدمية أو إنسانية فقط، بل جزءًا من حق المهجرين. وضمان عدم التكرار لا يتم دون توفير الإشراف الهندسي بدعم حكومي لعدم تحميل الأفراد تكلفة دمار لم يكونوا مسؤولين عنه.
نقيب المهندسين في إدلب محمد حسين قزة ، في تصريح لفوكس حلب يقول إن كادرًا استشاريًّا إنشائيًّا كاملًا يقوم بالكشف على الأبنية المتضررة بناءً على طلب صاحب البناء، وإن تقييم الأبنية يتم عن طريق دراسة كل الجوانب في المنزل من الأساسات حتى الجدران، موضحًا أن اللجنة تتشكل من ثلاثة مهندسين استشاريين على الأقل.
وبحسب قزة فإن النقابة أجرت تقييمًا وتصنيفًا لحجم الأضرار في ثلاث مدن بريف إدلب، وهي: “سراقب، وخان شيخون، ومعرة النعمان”. وتشرف النقابة حاليًّا على 87 بناء في بلدة حيش، بالتعاون مع منظمة غول، لإعداد تقارير فنية، وتقدير أضرار، وكشوف، ثم الإشراف على إعادة ترميمها.
يقول قزة: “تختلف الاستشارات من منزل إلى منزل آخر، وفي حال كان المنزل قابلًا للترميم يتم إعداد تقرير بالعناصر التي تحتاج لترميم والطريقة الصحيحة للتدعيم. أما بعض المنازل التي تحتاج لإزالة، فإننا نبلغ مالكها بضرورة هدمها وعدم المجازفة بترميمها، حتى لا تشكل خطرًا على حياته وحياة العاملين في الترميم”. وتسعى نقابة المهندسين بحسب قزة لتوسيع نطاق أعمالها وتقديم خدمات استشارية أكبر للأهالي المتضررين.
يقول والد مصطفى الطه إن العائلة أوقفت أعمال الترميم بعد وفاته خوفًا من خسارة مزيد من الأرواح، مضيفًا أن الحلم بالعودة انتهى عند هذا الحد. في ظل غياب الإمكانيات وعدم القدرة على تأمين إشراف هندسي مختص. وفي ظل غياب الإمكانيات، وضعف الموارد، وارتفاع تكاليف السكن البديل، تجد كثير من العائلات نفسها بين خيارين، البقاء في المخيمات، أو المجازفة بالحياة داخل بيوت متصدعة تفتقد لمعايير الأمان، ما انعكس سلبا على حركة العودة إلى القرى والبلدات المتضررة.
يطالب من التقيناهم بتدخل الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية لتوفير كشوف وإرشادات هندسية، ودعم فعلي لملف الأبنية المتضررة جزئيًا وإعادة إعمار المهدوم منها، والمساهمة في الحد من المخاطر التي باتت تحصد أرواح المدنيين والعمال. فـ ملف العدالة الانتقالية لايقتصر على التحقيق في الجرائم والعنف فحسب، بل يشمل جبر الضرر المادي لضحايا النزاع، والحق في السكن الآمن وعودة كريمة للمهجّرين.
