عند مدخل محمية الغزلان التابعة لناحية خناصر بريف حلب الجنوبي الشرقي، وَقَفَ الموظف السابق علي كريم، ليتفقد المكان الذي عمل فيه طويلًا. ذاكرته الممتلئة بصور الغزلان التي ألفته، توقفتْ عندما رأى غزالة تحدق بعينين اعتادتا رؤية وجوه مَن كانوا يعتنون بالمكان.
“غاب حراس المكان عن محمية كان يفترض أن تكون آمنة، وغاب السياج الذي كان يمنع الصيادين من الدخول ومراقبة دائمة، وتوقف تزويدها بالماء والغذاء الذي يكفي قطعان الغزلان الموجودة في المحمية”، بحسب كريم.
في هذه البقعة من البادية، لم تكن الغزلان تعدّ خطواتها هربًا، بل فضولًا. ثم اختفى كل شيء دفعة واحدة: الأسلاك، الحراس، الروتين الذي حافظ على حياتها. فُتح السياج ودخل الغرباء، وتحولت المحمية إلى أرض مفتوحة، بعض الغزلان صارت على موائد الصيادين، وبعضها تفرقت أشلاؤها بعد مرورها فوق ألغام زرعت في المكان، وأخرى هربت إلى البادية بحثًا عن الأمان.
يبدأ علي كريم جولته الأولى داخل محمية الغزلان بعد اثني عشر عامًا من الغياب عن الحيوانات التي تركت لتواجه مصيرها فجأة. هنا، في عمق البادية السورية، وتحديدًا في قرية العضامي، تمتد محمية الغزلان على مساحة 11 هكتارًا، مساحة، كانت يومًا مشروعًا بيئيًا واسع الطموح.
تأسست المحمية رسميًا عام 1998، بعد سنوات من العمل عليها كمشتل رعوي يهدف إلى مكافحة التصحر وتوفير الغذاء للحياة البرية. الفكرة أقدم من ذلك، إذ تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، حين بدأت الجهات المعنية، وبالتعاون مع منظمات دولية أبرزها المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة ( إيكاردا)، بدراسة طبيعة المنطقة وإمكان تحويلها إلى بيئة متكاملة للحياة البرية. “في تلك المرحلة، كانت البداية متواضعة” يقول علي كريم ثم يتابع شارحًا: “لم تتجاوز أعداد الغزلان عشرة رؤوس، قبل أن تتوسع التجربة تدريجيًا”.
مع الوقت، تحولت المحمية إلى نقطة جذب للحياة البرية. جرى استقدام نحو 30 غزالًا من محمية أورفا في تركيا، وأكثر من 50 غزالًا من محمية المليحة في ريف دمشق، ونحو 50 غزالًا من محمية جبل عبد العزيز في الحسكة، إضافة إلى 15 غزالًا من محمية التليلة في تدمر. وأصبحت المحمية موطنًا لغزال الريم والمها العربي”.
ولم تقتصر التجربة على الغزلان، إذ أُدخلت تربية النعام عام 2008 ليصل عددها إلى عشرة طيور، إلى جانب الطواويس وحيوانات أخرى. بلغت المحمية ذروة ازدهارها عام 2012. حينها، سُجل وجود نحو 850 رأسًا من غزال الريم و 10 رؤوس من غزال المها العربي.
غزلان الريم والمها العربي من الثدييات الصحراوية التي تشكل جزءًا مهمًا من التنوع البيولوجي في البادية السورية. يُعرف غزال الريم بجسمه النحيل وأطرافه الطويلة التي تمكنه من الجري السريع، ولونه الرملي الفاتح الذي يوفر له تمويهًا طبيعيًا، إضافة إلى حواسه الحادة وسلوكه الحذر، ويعيش عادة في مجموعات صغيرة أو منفردًا، متغذيًا على الأعشاب والنباتات الصحراوية.
بالمقابل، يتميز المها العربي بجسم قوي وفراء أبيض يعكس أشعة الشمس، وقرنين طويلين مستقيمين لدى الذكور والإناث، ويعتمد على الحركة الهادئة والتنقل لمسافات طويلة بحثًا عن الغذاء، مع سلوك اجتماعي ضمن مجموعات صغيرة وقدرة كبيرة على التكيّف مع الظروف الصحراوية القاسية.
في سوريا، كانت هاتان الفصيلتان موجودتين تاريخيًا في سهول البادية، لكن أعدادهما تراجعت بفعل الصيد الجائر وفقدان الموائل، ما دفع السلطات والمنظمات البيئية إلى التركيز على حماية هذه الأنواع ضمن المحميات الطبيعية وإطلاق برامج الإكثار للحفاظ عليها وضمان استمرار وجودها في البيئة السورية.
يقول الناشط الإعلامي في منطقة خناصر أحمد جمعة لـ فوكس حلب: “لطالما أطلقنا على المنطقة اسم محمية الغزلان، وذلك لكثرة الغزلان فيها، فقد كانت تحتضن تنوعًا حيوانيًا نادرًا، شمل حتى بعض الحيوانات المفترسة. قبل اندلاع الثورة السورية، كانت المحمية تُدار بكفاءة عالية، بفضل وجود كوادر إدارية وطبية متخصصة، واهتمام رسمي واضح بحمايتها وتطويرها”.
لكن هذا الواقع لم يستمر. فمع اندلاع الحرب ودخول قوات نظام الأسد إلى المنطقة، تغيرت وظيفة المكان. تحولت المحمية إلى موقع عسكري، وتعرضت لتخريب واسع ونهب منظم، شمل السياج الذي كان يشكل خط الدفاع الأول للحيوانات.
انسحب موظفو منظمة إيكاردا في نيسان 2012، وتُركت المحمية دون حماية، وهي تضم آنذاك أعدادًا كبيرة من الغزلان والنعام والطواويس. اضطرت منظمة إيكاردا التي ساهمت بدعم المحمية إلى نقل مراكزها الإدارية من مقرها الرئيس في تل حديا قرب حلب إلى بيروت عام 2012.
وبحسب “جمعة” فإن هذا الفراغ فتح الباب أمام الصيد الجائر، وتهريب الحيوانات، وهروب أعداد كبيرة منها إلى البادية المفتوحة، فأصبحت عرضة للافتراس ونقص الغذاء.
يروي علي أن تلك الفترة شهدت انفجار ينبوعين مائيين في البادية القريبة، “عين أم زليلة وعين الزرقة، ما وفر موردًا مائيًا طبيعيًا ساعد بعض الحيوانات على البقاء. لكنه يخبرنا أنه غادر البلاد عام 2013، ولم تتوفر لديه معلومات دقيقة عما جرى لاحقًا، إلى أن عاد بعد تحرير المنطقة نهاية عام 2024 ليلاحظ عودة الصيد الجائر، خصوصًا في المناطق التي ما زالت تؤوي أنواعًا مهددة بالانقراض، الأمر الذي دفعه إلى إبلاغ الجهات المعنية.
محمية الغزلان في بادية حلب واحدة من المحميات الطبيعية المتضررة في سوريا خلال سنوات الحرب. وبحسب الصحفي المتخصص في قضايا البيئة زاهر هاشم، فإن تحديد العدد الدقيق للمحميات الطبيعية في البلاد بات مسألة إشكالية بحد ذاتها، نتيجة اختلاف الجهات التي اعتمدتها والمعايير المستخدمة في تصنيفها، إلى جانب غياب الإدارة عن عدد كبير منها ووقوع بعضها في مناطق اشتباك أو سيطرة متبدلة.
وبالتقاطع بين بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومعطيات محلية، يُقدَّر عدد المحميات الطبيعية في سوريا اليوم، بين 20 و25 محمية، موزعة على مناطق جغرافية مختلفة، إلا أن ضعف الحوكمة البيئية والإدارة المركزية يجعل الاعتراف الدولي الدقيق بهذا الرقم أمرًا معقدًا.
هذا الضعف الإداري لم يكن عاملًا منفصلًا عن مسار الحرب، بل تزامن مع أضرار بيئية واسعة النطاق. إذ فقدت سوريا، وفق تقديرات بيئية يطلعنا عليها، هاشم، نحو 19% من غاباتها بين عامي 2011 و2019، أي ما يعادل قرابة 63,700 هكتاراً من الغطاء الحرجي، وهو تراجع انعكس مباشرة على المحميات والنظم البيئية المحيطة بها، وقلّص المساحات القادرة على تأمين الحماية والتوازن الطبيعي للحياة البرية.
هيئة تنمية البادية التابعة لمديرية زراعة حلب، تؤكد أن المحمية تعرضت لذروة التدمير خلال وجود قوات نظام الأسد، إذ سُرقت الأسوار، واصطيدت الحيوانات، وهربت أعداد منها باتجاه محميات قريبة مثل محمية عبيسان. ورغم تمكن بعض الغزلان من التكاثر هناك بفضل كثافة الشجيرات الرعوية، إلا أنها لم تسلم من الصيد.
وترى الهيئة أن الألغام المزروعة في بادية خناصر تشكل اليوم العائق الأكبر أمام أي خطة لإعادة التأهيل. فقد تسببت هذه الألغام بنفوق أعداد من الحيوانات، وما تزال تشكل خطرًا دائمًا. ومع استمرار الصيد من قبل بعض السكان، تحذر الهيئة من خطر انقراض حقيقي، في ظل غياب إحصاءات دقيقة، رغم توفر سجلات تعود إلى عام 2011.
ورغم غياب أي إحصاءات رسمية حديثة وموثوقة عن أعداد الغزلان في سوريا قبل الحرب وبعدها، نتيجة تراجع أولوية الملف البيئي وغياب الدراسات المنهجية، وفق هاشم، إلا أن مؤشرات ميدانية عديدة تعكس حجم الانهيار. ففي محميات مثل التليلة في البادية السورية، كانت أعداد الغزلان قد وصلت مطلع الألفية الجديدة إلى نحو 350–370 غزالاًا، قبل أن تتوقف عمليًا جهود الحماية مع اندلاع النزاع، وتتعرض المحميات للتخريب وتفقد دورها الرقابي.
يؤكد هاشم أن الغزلان من أكثر الحيوانات تضررًا في سوريا. إذ تواجه اليوم، بحسب التقديرات البيئية، مجموعة معقدة من التهديدات المتراكمة منذ سنوات الحرب. فقد أدى تحوّل مساحات واسعة من البادية والسهول إلى مناطق نزاع أو مخيمات للنازحين، إلى جانب قطع الأشجار والحرق غير المنظم للغطاء النباتي، إلى فقدان الغزلان لموائلها الطبيعية التي تعتمد عليها للغذاء والاختباء. “ظاهرة الصيد غير القانوني من أخطر التهديدات المستمرة حتى اليوم”، يؤكد هاشم. فقد استفادت هذه الممارسات من انتشار السلاح وضعف إنفاذ القانون.
ووثّقت تقارير محلية وحقوقية حوادث قتل جماعي للغزلان، من بينها مقتل أكثر من مئة غزال في محافظة السويداء خلال فترة قصيرة، إضافة إلى القضاء شبه الكامل على قطعان كانت تضم مئات الغزلان في مناطق من الجزيرة السورية. ورغم أن هذه الوقائع جزئية، إلا أنها تعكس اتجاهًا عامًا نحو انهيار التجمعات البرية للغزلان، في ظل غياب أي تعداد وطني حديث يقدّم صورة شاملة ودقيقة.
ولم يقتصر تأثير الحرب على تراجع أعداد الغزلان فحسب، بل امتد إلى سلوكها وأنماط عيشها. فمع التصعيد العسكري، اضطرت الغزلان إلى التحرك نحو مناطق أقل ملاءمة بيئيًا أو أقرب إلى التجمعات البشرية، ما أثّر على أنماط التغذية والتكاثر ورفع مستويات الإجهاد الحيوي لديها، وهو ما ينعكس بدوره على انخفاض معدلات الولادة وفرص البقاء على المدى الطويل.
في مواجهة هذا الواقع، اتخذت وزارتي الزراعة والداخلية إجراءات عاجلة شملت منع الصيد كليًا بقرارات رسمية، وتشكيل لجان متابعة بالتعاون مع الجهات الأمنية، إضافة إلى خطط بديلة تعتمد على العمل الميداني المباشر، نظرًا لاتساع رقعة انتشار الغزلان وصعوبة مراقبتها تقنيًا في الوقت الحالي.
هاشم يرى أن المعطيات المتاحة تشير إلى أن الجهود داخل سوريا ما تزال محدودة التأثير وغير ممنهجة. فلا توجد برامج وطنية معلنة لإعادة تأهيل الغزلان أو إجراء مسوحات علمية دورية لأعدادها، فيما تظل معظم المبادرات القائمة محلية أو فردية، وغير قائمة على إطار مؤسسي مستدام.
وفي المقابل، تُظهر تقديرات إقليمية ودولية، مثل تلك الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، أن أعداد الغزلان في الشرق الأوسط بأكمله لا تتجاوز بضعة آلاف، ما يضع الغزلان السورية ضمن سياق إقليمي شديد الهشاشة، ويجعل فقدان أي تجمع محلي خسارة يصعب تعويضها.
تشير الهيئة إلى أن العمل جارٍ على تأهيل مشتل العضامي الرعوي، ودراسة إدخال نباتات جديدة تتحمل الجفاف، على أن تُبحث إعادة حماية الغزلان وتأهيلها في مرحلة لاحقة. لكن ذلك يبقى مشروطًا بإزالة الألغام. فبدون تطهير البادية، تبقى المحمية عالقة بين ما كانت عليه، وما يمكن أن تكونه.
يقف الموظف علي كريم على تخوم محمية الغزلان اليوم، يحتفظ في ذاكرته بتفاصيل المكان الذي بدأ حلمًا بيئيًا، وتحول إلى أطلال عسكرية، ولا يزال ينتظر أن يعاد تأهيله من جديد بأيادٍ تحمي ما تبقى.
