يواجه أصحاب ورش في محافظة إدلب صعوبات متزايدة نتيجة التقنين الكهربائي الذي أدى إلى تراجع الإنتاج وارتفاع التكاليف وتعطّل أعمال في قطاعات مختلفة.
يؤكد صناعيون أن ساعات الكهرباء ذات الاشتراك التجاري تعامل ضمن برنامج التقنين بالطريقة نفسها المطبقة على الساعات المنزلية، رغم اختلاف طبيعة الاستخدام وحجم الأضرار المترتبة على الانقطاع.
وبحسب صناعيين قابلناهم فإن الكهرباء التي تُحتسب بتعرفة أعلى للورش والمعامل تُقطع في التوقيت ذاته الذي تُقطع فيه عن المنازل، ما يؤدي إلى خسائر مالية مباشرة، بسبب عدم توفر خطوط تغذية مستقلة لمعظم المنشآت الصناعية الصغيرة.
في بلدة أرمناز غربي إدلب، يقول أحمد اليحيى “أبو علي”، المهجّر من ريف إدلب الجنوبي وصاحب ورشة لتفصيل “المجالس والستائر”، “كنت أبني آمالًا على ازدياد الطلب نتيجة الانفتاح على باقي المحافظات، إلا أن التقنين حال دون قدرتي على إنجاز طلبيتين أسبوعياً، كما كنت سابقًا”. يخبرنا أبو علي أن الانقطاع المتكرر للكهرباء، الذي يمتد بين أربع وست ساعات يوميًا، خفّض قدرته الإنتاجية إلى طلبية واحدة.
لجأ أبو علي إلى تشغيل مولدة الكهرباء تعمل على الديزل، إلا أنه “لم يكن الحل المثالي” حسب تعبيره، فهو يفرض عبئًا ماليًا إضافيًا، إذ تبلغ كلفة تشغيل المولدة نحو 50 ليرة تركية في الساعة (أكثر من دولار)، إضافة إلى تكاليف الأعطال، وقد اضطر مؤخرًا لدفع 1500 ليرة تركية لإصلاحها (35 دولاراً)، الأمر الذي دفعه إلى تقليص عدد العمال من ثلاثة إلى عامل واحد لتخفيف العبء المالي.
هذه التحديات تتكرر في مناطق أخرى، ففي دير حسان شمالي إدلب، يوضح حازم العوض، صاحب ورشة حدادة، أن الإنتاج تراجع بشكل واضح بعد التقنين، وأن تكلفة تشغيل المولدات أجبرته على العمل لساعات متأخرة لتلبية الطلب، ما تسبب بتأخير تسليم الطلبيات في وقت يشهد فيه قطاع البناء نشاطًا متزايدًا ما زاد من الطلب على أعمال الحدادة.
يقول حازم “من المفترض أن نزيد ساعات العمل لا أن نقلصها بسبب التقنين”. ويضيف حازم أنّ التأخير في تسليم الطلبيات أصبح يضر بالزبائن. وهذا ما يؤكده أبو عبدو الفرحات، أحد المتعاملين معه، يقول: ” تأخر إنجاز طلبيتي، ما أخّر موعد عودتي إلى بلدتي عن اليوم الذي خططت له”.
منذ عام 2021، تُغذي شركة Green Energy إدلب وريفها بالكهرباء عبر استجرار التيار من تركيا ضمن عقود استثمارية، بعد اتفاق مع السلطات التركية وحكومة الإنقاذ المحلية، لتعويض نقص الكهرباء، وتتم التغذية تدريجياً من خلال بناء محطات تحويل الجهد العالي، مما أتاح خدمة الكهرباء للمناطق التي شهدت انقطاعات طويلة.
في سوق كفرتخاريم القديم، تتجلى مشكلة التقنين في التفاصيل اليومية. الخياط أبو أحمد برهان يتوقف عن العمل على آلات الخياطة مع كل انقطاع مفاجئ للكهرباء، يقول: “أضطر للاعتذار من الزبائن الذين يتزامن وصولهم لإصلاح ثيابهم التي يشترونها من السوق مع وقت التقنين، لذا فإني أخسر الكثير لأن زبائن السوق ليسوا إلا عابري طريق ولن ينتظروا أو يتركوا القطعة لوقت لاحق”.
يحاول أبو أحمد تقليل خسائره واستثمار وقت الانقطاع بالانتقال إلى أعمال يدوية مثل القص والتفصيل، يقول إنها لا تعوض قيمة الوقت المهدور. مشيرًا إلى أنه يدفع فاتورة كهرباء لعداد تجاري إضافة إلى رسوم أخرى مثل فاتورة النظافة التي تبلغ 6 دولارات، معتبراً أن المشكلة الأكبر تكمن في تعميم التقنين وغياب برنامج تقنين واضح، إذ يُعلن الانقطاع بشكل مفاجئ دون مراعاة لاحتياجات الورش والمحال.
يقول زكي العلي، صاحب ورشة لصياغة الذهب، وهو مهجّر من بلدة التمانعة بريف إدلب الجنوبي، إنه يراقب فرن الصهر مع اقتراب منتصف الليل في مدينة كفرتخاريم، بأعصاب مشدودة، يتتبع عقارب الساعة على أمل أن تنتهي العملية دون انقطاع فأي توقف مفاجئ للكهرباء قد يحوّل ساعات من العمل إلى خسارة مباشرة، لذلك نقل عمله بالكامل إلى ساعات الليل، هربًا من تقنين الكهرباء.
يشرح زكي: ” نعتمد على فرن كهربائي يعمل نحو 12 ساعة كحد أدنى على درجة حرارة ثابتة وأيّ انقطاع مفاجئ للكهرباء ينتج عنه تغيير في درجة حرارة الفرن ما يؤدي إلى تكسير وتخريب المواد التي نسكبها. لذلك أضطر لتشغيل الماكينات من الساعة التاسعة مساءً حتى الساعة التاسعة صباحاً ومراقبتها طوال الليل، ما يسبب لي إرهاقاً مستمراً”.
يوضح زكي أن هذه التحديات تتفاقم في فصل الشتاء، نظراً لاعتماد شركة الكهرباء Green Energy بشكل كبير على استثمار مزارع الطاقة الشمسية في المنطقة، إلى جانب الطاقة المستجرّة من تركيا، ما يؤدي إلى زيادة ساعات التقنين بسبب الظروف الجوية.
أحمد حمود، صاحب ورشة نجارة في سلقين، يشير إلى أن اختلاف أسعار الكهرباء بين الاستخدام المنزلي والتجاري والصناعي يعود لاختلاف الجهد وعدد الأطوار وحجم الأحمال واختلاف الجهد الكهربائي المستخدم (110/220 فولت للمنازل، و 220/380 فولت للتجارية والصناعية).
ويبلغ سعر الكيلو واط الساعي في الشريحة الأولى للاستهلاك المنزلي نحو 14.2 سنتًا أمريكيًا، في حين تصل الأسعار للمصالح التجارية والصناعية إلى 16.2 سنتًا أو أكثر، مع ارتفاعها في الشرائح الأعلى. وهو “تفاوت يضيف عبئًا إضافيًا على الصناعيين في إدلب” يقول حمود ” ندفع ثمنًا مرتفعًا مقابل هذه الخدمة، ومع استمرار التقنين تصبح التكلفة أثقل. وإذا رفعت الأسعار لتعويض ذلك، أخشى أن أخسر الزبائن “.
لهذا السبب شهدت عدة مناطق في إدلب خلال الفترة الماضية وقفات احتجاجية شعبية أمام مكاتب شركة الكهرباء، عبّر خلالها الأهالي وأصحاب المصالح عن اعتراضهم على سياسة التقنين المتبعة. وأشار المحتجون إلى أن مشكلة الانقطاع قبل سقوط نظام الأسد لم تكن على هذا النحو، إذ كانت الكهرباء تنقطع غالبًا بسبب أعطال فنية يجري إصلاحها خلال وقت قصير، في حين تغيّر الواقع خلال الأشهر الماضية مع اتساع نطاق التقنين.
واتهم المحتجون الشركة باستجرار الكهرباء لمناطق جديدة تتجاوز القدرة والاستطاعة المتاحة، في مسعى لتوسيع نطاق الخدمة وزيادة العوائد، ما انعكس سلبًا على استقرار التغذية في المناطق المخدّمة سابقًا.
لذلك طالب المشاركون بوقف تمديد خطوط التغذية إلى مناطق إضافية قبل تأمين استطاعة كافية، وإيجاد حلول جذرية للتقنين تضمن استقرار التيار الكهربائي وتحافظ على مستوى الخدمة في المناطق القديمة، خاصة للقطاعات الخدمية والصناعية المتضررة من الانقطاعات المتكررة.
في تصريح لمسؤول في شركة “Gree” Energy”، شرح فيه لفوكس حلب أنّ سبب التقنين يعود إلى زيادة الحمولة مع ثبات الاستطاعة المستجرّة من الجانب التركي، إضافةً إلى فقدان إنتاج منظومات الطاقة الشمسية مساءً وتراجع مردودها نهاراً خلال فصل الشتاء.
وأشار إلى أنّ الشركة أبرمت اتفاقاً مع الجانب التركي منذ عام 2024 لزيادة الاستطاعة المستجرّة، وتم تجهيز محطة تحويل وخط توتر 66 كيلو فولت لاستيعاب الزيادة، إلّا أنّ عدم جهوزية الجانب التركي تسبب بتأخير التنفيذ.
وبيّن المسؤول أن زيادة الحمولة لم تنتج عن التوسع في مناطق جديدة، بل عن ارتفاع الاستهلاك في المدن والبلدات المخدّمة سابقاً، ولا سيما المناطق الصناعية. وكحل إسعافي لجأت الشركة لإنشاء خط توتر 33/20 كيلو فولت من عفرين إلى أطمة، كما عملت على التنسيق مع مؤسسة المياه لتشغيل محطات الضخ خارج أوقات الذروة، ما ساهم في تخفيض ساعات التقنين من ست ساعات إلى أربع أو ساعتين في بعض المناطق.
كما أوضح أن المنشآت الصناعية في المدينة الصناعية بسَرمدا وإدلب تُغذّى من خط مستقل بجهد 20 كيلو فولت، مع برنامج يتناسب مع طبيعة عملها، في حين تتغذى باقي المنشآت من خطوط المدن والبلدات نفسها، ما يجعلها خاضعة لبرنامج التقنين العام.
وحول برنامج التقنين، أشار إلى وجود قناة على تطبيق تلغرام ومجموعة واتساب ، يتم عبرهما إبلاغ المشتركين بالخطوط التي سيشملها التقنين قبل 15 دقيقة، مؤكداً أنّ وضع برنامج ثابت غير ممكن بسبب تغيّر الحمولة وصعوبة التنبؤ بها.
في ظل هذه الظروف، يجد الصناعيون في إدلب أنفسهم أمام تحديات متراكمة تهدد استقرار أعمالهم ومصادر رزقهم. وبينما تتصاعد المطالبات بإلغاء التقنين أو تخفيض أسعار الكهرباء وتقديم دعم حقيقي للقطاع الصناعي، تبقى الحلول الجذرية مرهونة بخطوات ملموسة من الجهات المعنية، توازن بين الواقع الفني والاحتياجات الاقتصادية والمعيشية المتزايدة.
