فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

إنفلونزا موسمية تضرب مخيمات شمال إدلب.. آلاف الأسر تواجه الخطر بلا دعم صحي

أميمة محمد

مع موجة برد حادة وانتشار فيروس H3N2، تتحول أعراض الإنفلونزا في المخيمات إلى تهديد حقيقي، وسط نقص الأسرّة والمستلزمات الطبية وضعف النظام الصحي

في مخيم (أتاساي) ، ضمن تجمع مخيمات مشهد روحين بريف إدلب الشمالي، تصطحب أم عمر، وهي من سكان المخيم، طفلها البالغ من العمر تسع سنوات إلى المركز الصحي القريب، بعد تدهور حالته الصحية إثر إصابته بأعراض إنفلونزا حادة ألزمته الفراش لأكثر من أسبوعين.

تقول أم عمر: “أُصيب أطفالي الأربعة بالزكام والسعال، لكنهم تعافوا خلال أيام، وحده عمر استمر لأكثر من نصف شهر يعاني من تعب شديد في كامل جسده، وارتفاع في حرارته قاربت الأربعين درجة، إلى جانب شعوره بالدوار عند الوقوف، وفقدانه الشهية، مع قلة تناوله الطعام والسوائل، رغم محاولاتي المتكررة لإطعامه الحساء الساخن”.

ارتفعت أعداد إصابات الإنفلونزا في شمالي غربي سوريا مع دخول فصل الشتاء وانخفاض درجات الحرارة، التي وصفها أطباء بأنها موجة حادة، لتطال معظم البيوت والخيام، في ظل ضعف الخدمات الطبية وتوقف الدعم عن عدد من المستشفيات والمراكز الصحية في المنطقة.

لم تتمكن أم عمر من مراجعة عيادة طبيب خاص لعدم قدرتها على دفع أجرة المعاينة، في حال يشبه حال مئات الأسر المقيمة في المخيمات، ما دفعها للاعتماد على المركز الصحي العام في منطقتها ثم الصيدلية. تقول: “خلال فترة مرض أطفالي، ذهبت أكثر من مرة إلى المستوصف لمراجعة عيادة الأطفال، لكنني لم أتمكن من مقابلة الطبيب، لذا لجأت إلى أقرب صيدلية لشراء الدواء”.

وتضيف: “في المرة الأولى كان الطبيب في إجازة، وفي الثانية انتظرت لساعات طويلة وسط ازدحام شديد، ولم يعد طفلي يحتمل البرد والمرض داخل المستوصف، فاضطررت إلى المغادرة”.

خلال شهر كانون الأول/ديسمبر الفائت، نشطت معدلات العدوى بشكل ملحوظ، ولا سيما في مخيمات النازحين شمال غربي إدلب، إذ انتشر الفيروس بسرعة بين العائلات، وارتفعت أعداد المصابين بالمتحور الجديد من الإنفلونزا الموسمية، الذي صنفته منظمة الصحة العالمية “فيروس إنفلونزا A من نمط H3N2”.

وتأتي هذه الزيادة بالتزامن مع تحذيرات وزارة الصحة السورية من تصاعد واضح في نشاط الإنفلونزا الموسمية، وأظهرت بيانات نظام الترصد الوطني وصول نسبة الإيجابية المخبرية إلى أكثر من 45% حتى الأسبوع الوبائي 48 من عام 2025.

يوضح الطبيب أحمد الحسن، اختصاص داخلية صدرية، أن فيروس الإنفلونزا يشهد تغيرات سنوية في تركيبه وسلالاته، ما يجعل الأعراض العامة متشابهة في معظم الأحيان، مع احتفاظ كل نسخة بخصائصها. ويشير إلى أن الموسم الحالي يتميّز بظهور أعراض هضمية لم تكن شائعة في السنوات السابقة، إضافة إلى تسجيل حالات أشد حدّة مقارنة بالإنفلونزا الموسمية المعتادة، سواء من حيث شدة الأعراض أو طول فترة التعافي.

يقول إن تأثير الإنفلونزا يكون أشد على كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، لذا تُعرف شعبيًا بـ”المرض القشّاش” مشيراً إلى أهمية اللقاح بهذه المرحلة والذي يُؤخذ سنويًا وبنسخته الأحدث، نظرًا لتغيّر سلالات الفيروس كل عام بناءً على ترصّد السلالات المتوقعة، ما يجعل لقاحات الأعوام السابقة غير كافية للحماية في الموسم الحالي.

حمّى تتجاوز الأربعين.. بلا سرير شاغر

في مخيم الكمونة شمالي إدلب، ارتفعت حرارة أطفال أم حمود الثلاثة بشكل مفاجئ، ترافق ذلك مع صداع شديد وآلام متفرقة في أجسادهم، ما دفعها إلى إسعافهم إلى مستشفى شام التخصصي للأطفال في مدينة سرمدا.

تقول أم حمود: “أخبرونا أن نعود نهارًا، لأنه لا يوجد سوى طبيب إسعاف واحد خلال الليل”. ولم يكن أمامها خيار سوى العودة بأطفالها المرضى إلى المنزل، على أمل أن تتحسن حالتهم مع الصباح.

في اليوم التالي، راجعت العيادات الطبية، ووُصفت للأطفال مضادات حيوية وخافضات حرارة. تحسنت حالة طفلتيها تدريجيًا، إلا أن طفلها الثالث لم يُظهر أي استجابة، كما تقول. وتضيف: “تجاوزت حرارته 40 درجة مئوية، وكانت تبلغ ذروتها ليلًا، وكنت أفقد السيطرة تمامًا على خفض الحرارة مهما حاولت”. وتتابع أن حالته استمرت خمسة أيام قبل أن تدخل مرحلة خطيرة، حيث بدأت تظهر عليه نوبات اختلاج، وتسارع في ضربات القلب، ورجفان واضح.

خلال فترة العلاج تنقلت الأسرة بين عدة مستشفيات عامة وخاصة في المنطقة في محاولة لإنقاذ الطفل، دون التمكن من الحصول على سرير، بسبب ارتفاع أعداد الإصابات وعدم توفر أسرة شاغرة، رغم تأكيد الطبيبة المشرفة على حالته أن وضعه لا يحتمل التأخير.

أيامٌ تصفها الأم بأنها أشد قسوة من المرض ذاته عاشتها الأسرة خلال إصابة أطفالها بالإنفلونزا الموسمية، وسط صراع يومي للحصول على العلاج، مع استمرار الأعراض لفترة أطول من المعتاد.

الطبيب أحمد الحسن يوضح أن مدة المرض هذا العام أطول مقارنة بالمواسم السابقة، إذ يعاني كثير من المرضى من سعال شديد وعنيف يستمر لفترة طويلة حتى بعد زوال بقية الأعراض، ما ينعكس سلبًا على قدرتهم على استعادة نشاطهم اليومي.

ويعزو الحسن انتشار الإنفلونزا في هذه الفترة إلى كونها من أكثر الأمراض شيوعًا في البرد، حيث تنتقل عبر الهواء بواسطة القطيرات التنفسية، ويكفي وجود شخص مصاب وآخر سليم في غرفة واحدة لحدوث العدوى.

 الصيدليات.. خط الدفاع الأخير 

في مخيم المهاجرين بدير حسان غربي إدلب، يستقبل الصيدلاني عبد الله يوميًا عشرات المرضى المصابين بأمراض فيروسية، واضعًا كمامته ومرتديًا قفازيه طوال اليوم. يقول عبد الله إن كثيرًا من الأهالي يعتمدون على الصيدلاني في تشخيص المرض ووصف وشراء الأدوية، بسبب عدم قدرتهم على زيارة الطبيب ودفع أجرة المعاينة.

ومع انتشار أمراض الشتاء وإصابة معظم أفراد العائلة، تصبح الصيدليات المتاحة وجهة المرضى، رغم أنه لا يحرص عادة على صرف الدواء إلا وفق وصفة طبية، إلا أن وضع المرضى في المخيمات يدفعه إلى وصف الدواء وبيعه فورًا، موضحًا أن هناك أعراضًا تستدعي التوجه مباشرة إلى المستشفى.

يضيف عبدالله أن الأطفال هم الأكثر تأثرًا، نظرًا لخطر الجفاف في حال لم ينتبه الأهل لتعويض السوائل، وينصح بالإكثار من السوائل الدافئة والفواكه الغنية بفيتامين C، وتجنب مخالطة المرضى قدر الإمكان.

رغم تأكيد وزارة الصحة أن الحالات الشديدة ما تزال ضمن المستويات المتوقعة، إلا أن واقع المخيمات، من حيث الاكتظاظ وضعف التهوية وانعدام وسائل الوقاية، يجعل من الإنفلونزا الموسمية خطرًا مضاعفًا، لا سيما على الأطفال وكبار السن.

هنا، يشدّد الطبيب على أهمية التزام المصاب بتقليل الاختلاط وارتداء الكمامة، خاصة أثناء السعال أو العطاس، للحد من انتقال الرذاذ التنفسي إلى الآخرين. كما يؤكد على الدور المحوري للقاحات الإنفلونزا، لا سيما للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات مثل الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، محذرًا من أن الإصابة قد تكون خطيرة على هذه الفئات وقد تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

ما عاشته أم عمر وأم حمود لا يمثل حالات فردية، بل يختصر مشكلة آلاف الأمهات في المخيمات، حيث تتحول الإنفلونزا والحمى إلى تهديد حقيقي للحياة، في ظل هشاشة النظام الصحي ونقص الإمكانيات الطبية. وتزداد المخاطر مع الاكتظاظ وقلة التهوية ونقص الأدوية والمستلزمات الأساسية، ما يجعل كل إصابة بالإنفلونزا الموسمية تحديًا يوميًا للأسر، خصوصًا للأطفال وكبار السن وذوي الأمراض المزمنة.