اصطدم أصحاب شركات ومصانع ورؤوس أموال، بعد عودتهم إلى سوريا عقب سقوط نظام الأسد، بضياع ملكياتهم التجارية وفقدان الوثائق الرسمية وحتى الأسماء التجارية، وذلك مع شروعهم في إعادة تفعيل أعمالهم ونقل شركاتهم من البلدان التي لجؤوا إليها إلى محافظة حلب.
أحمد نواس، 43 عاماً، وهو من أبناء مدينة حلب، لجأ إلى تركيا عام 2013، وأعاد تأسيس شركته المتخصصة بصناعة مواد التنظيف التي تحمل اسم (سمارت)، كان يمتلكها في حلب قبل اندلاع الثورة، يروي تفاصيل مشكلته منذ عودته قبل أشهر إلى حلب.
يقول “تفاجأت بسرقة اسم الشركة والمنتج ومواصفاته أيضاً، من أشخاص استغلوا غيابي وتوقف الإنتاج مع بقاء الاسم التجاري موجوداً، و افتتحوا شركة تحمل الاسم نفسه و منتجات مماثلة من حيث النوع والجودة والتفاصيل، ما شكل صدمة كبيرة لي”.
يعرّف القانون السوري العلامات التجارية بأنها كل إشارة أو رسم أو كلمة تُستخدم لتمييز سلع أو خدمات تعود لشخص طبيعي أو اعتباري عن غيرها، وفق ما أخبرنا به المحامي محمد خليل البريدي، قائلاً: إن هذه العلامات تشمل الأسماء والشعارات والرموز والألوان المميزة، وقد تمتد في بعض الأنظمة الحديثة لتشمل الأصوات أو الروائح، على أن تتوافر فيها شروط أساسية، أبرزها الوضوح والتميّز، وألا تكون مضللة أو مخالفة للنظام العام.
وأضاف البريدي أن العلامة التجارية لم تعد مجرد عنصر شكلي أو اسم مرفق بالمنتج، بل غدت أحد أهم أصول الشركات وركيزة أساسية في بناء الثقة مع الجمهور، خاصة في سوق يشهد منافسة متزايدة وتوسعاً ملحوظاً في التجارة الإلكترونية ما يجعل فقدانها أو خسارتها أمراً صادماً للتجار.
يؤكد أحمد أن الوثائق التجارية لشركته كانت بحاجة إلى تجديد دوري كل عشر سنوات وفق السجل التجاري، إلا أنه لم يتمكن من القيام بذلك بسبب مغادرته البلاد قسراً في ظل النظام، ما أدى إلى فقدانه الحماية القانونية لملكيته التجارية.
وحسب القانون يمنح تسجيل العلامة التجارية صاحبها حقوقاً حصرية، أبرزها حق استخدامها ومنع الغير من استغلالها أو تقليدها دون إذن، إضافة إلى حق الترخيص أو التنازل عنها، وحق اللجوء إلى القضاء المدني أو الجزائي في حال التعدي.
يوضح البريدي حالات اللجوء الى القضاء، يقول إن صاحب العلامة التجارية يمكنه ذلك في حال التقليد ويكون إما باستخدام اسم مطابق للعلامة المسجلة، أو اسم مشابه بنسبة كبيرة تؤدي إلى إحداث اللبس لدى المستهلك، أو عبر استخدام الاسم ذاته على منتجات أو خدمات أخرى. وفي هذه الحالات، يمكن لصاحب العلامة اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة باسترداد حقه والتعويض عن الضرر.
ويشير إلى أن دمشق شهدت إحداث محاكم مختصة بقضايا الملكية التجارية، فيما تُرفع الدعاوى في حلب أمام محكمة البداية المدنية. كما يمكن، في حال انتشار المنتج المقلد في الأسواق، اللجوء إلى القضاء الجزائي بجرم تقليد علامة فارقة.
لا تقتصر العقوبات على الغرامات أو الحبس في بعض الحالات وفق البريدي، بل تشمل أيضاً مصادرة السلع المقلدة وإتلافها، إضافة إلى التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية، وذلك استناداً إلى المواد القانونية المتعلقة بتقليد العلامة الفارقة، ولا سيما من المادة 687 إلى المادة 691.
لا تُعد شركة أحمد الحالة الوحيدة التي تعرضت لسرقة علامتها التجارية بعد العودة إلى حلب، إذ تواجه العديد من الشركات تحديات مشابهة. بدوره، قال حسن يحيى، من المكتب الإعلامي في غرفة تجارة حلب، إن شركات كثيرة ما تزال تواجه صعوبات حقيقية في مقدمتها فقدان الملكية التجارية نتيجة التأخر في تجديد الأوراق الرسمية أو ضياعها خلال سنوات التهجير، مشيرًا إلى أن غرفة تجارة حلب ألغت رسوم التأمينات في إطار تخفيف الأعباء المالية، وأن عدد الشركات الفاعلة خلال العام الحالي بلغ نحو 6200 شركة، إضافة إلى أكثر من 3000 شركة أعادت تفعيل قيودها التجارية.
وأضاف اليحيى أن الغرفة قدمت، منذ استئناف عملها عقب سقوط نظام الأسد، سلسلة من التسهيلات للتجار والحرفيين وأصحاب الشركات والمصانع، أبرزها إعفاء الشركات من جميع الرسوم المتراكمة خلال فترة حكم نظام الأسد، ولا سيما تلك التي غادرت البلاد قسرًا، مع الإبقاء على الرسوم المستحقة فقط عن الأعوام الممتدة بين 2022 و 2025.
حاول أحمد استكمال الإجراءات القانونية بعد عودته إلى حلب وتجديد أوراقه لمتابعة عمله، لكنه اضطر إلى تسجيل الشركة باسم آخر بعد سرقة الاسم السابق ووثائق ملكية العلامة التجارية، وكل محاولته باسترجاعها كانت دون فائدة فلجأ في نهاية المطاف إلى القضاء، وهو مسار يتطلب وقتًا طويلًا وتكاليف مادية ومتاعب نفسية كبيرة، حسب قوله.
وحول إجراءات التسجيل، يبين المحامي البريدي أن حماية العلامة تبدأ بتقديم طلب إلى مديرية حماية الملكية التجارية والصناعية في وزارة التجارة، مع تحديد فئة المنتجات أو الخدمات وفق التصنيف الدولي، ودفع الرسوم المقررة. بعد ذلك تُنشر العلامة في الجريدة الرسمية لإتاحة المجال أمام الاعتراض، ليُصار في حال عدم وجود اعتراضات إلى إصدار شهادة تسجيل سارية لمدة عشر سنوات قابلة للتجديد.
المهندس عبد المجيد العبدو، مدير حماية الملكية في وزارة التجارة، قال لفوكس حلب إن عدداً من الشركات انتهت فترة حماية علاماتها التجارية خلال سنوات نظام الأسد، ولم يتمكن أصحابها من تجديدها بسبب التهجير أو الظروف الأمنية، ما أتاح المجال أمام بعض الأشخاص باستغلال أسماء تجارية معروفة وافتتاح شركات جديدة باسمها.
وبيّن العبدو أن أكثر من 400 شركة جرى تجديد حماية علاماتها التجارية أخيراً، في خطوة تهدف إلى منع عمليات السرقة أو التعدي على الملكية الفكرية، مؤكداً أن دور الوزارة يقتصر على المساعدة في تحديد صاحب الحق استنادًا إلى معايير الأقدمية والوثائق الرسمية للشركة الأم، بينما يبقى الفصل النهائي في هذه القضايا من اختصاص القضاء، إلى جانب متابعة سجلات الشركات ووثائقها لضمان حماية الملكية التجارية.
واجه عبد العظيم، 49 عاماً، وهو من أبناء حي الفردوس بحلب، وصاحب شركة (فاكس لقطع التبديل) وهي شركة متخصصة في قطع التبريد والأدوات المنزلية، مصيراً مشابهاَ بعد عودته إلى حلب قبل خمسة أشهر. يقول إنه تفاجأ بوجود شركة تحمل اسم شركته وتمارس العمل التجاري ذاته.
وأضاف أنه بعد مراجعة الجهات المختصة كشفت تورط أشخاص استغلوا تهجيره للاستيلاء على الشركة، مؤكدًا أنه لجأ إلى القضاء في محاولة لاستعادة حقه.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من عشرين صاحب شركة ومعمل يواجهون ظروفاً مشابهة، بعد أن سُلبت علاماتهم التجارية و منشآتهم خلال سنوات نظام الأسد، على يد مجموعات نافذة أو ضعاف نفوس استغلوا غياب أصحابها.
يرى تجار تحدثنا إليهم أن تسجيل العلامة التجارية ليس ترفاً قانونياً، بل خطوة ضرورية لحماية الاستثمار والهوية التجارية، وضمان استمرارية النشاط في بيئة اقتصادية باتت فيها العلامة عنوان الثقة الأول بين المنتج والمستهلك.
لا تبدو عودة النشاط الاقتصادي إلى حلب مرهونة بتقديم التسهيلات والإعفاءات، بل بإرساء منظومة قانونية فاعلة تضمن حماية الملكية التجارية وتعيد الاعتبار لأصحابها. وبينما يشق بعض التجار طريقهم عبر المحاكم لاستعادة أسمائهم المسروقة، تبقى الحاجة ملحّة إلى إجراءات أسرع وأكثر عدالة، تعيد الثقة بالبيئة الاستثمارية، وتمنع تكرار ما خلّفته سنوات الفوضى من انتهاكات لحقوق الملكية والجهد والهوية التجارية.
