تلقّى عمر العثمان، أحد سكان مخيم عين شيب، قبل أيام، بلاغاً يُلزمه بالإخلاء السريع. يقول العثمان لـ فوكس حلب إن معظم أهالي المخيم وصلتهم بلاغات مماثلة من دون توضيح الأسباب، على الرغم من وقوع المخيم في منطقة جبلية، وعدم تسبّبه بأي مضايقة لأي جهة.
تعيش مئات العائلات القاطنة في المخيمات المنتشرة على أطراف مدينة إدلب حالة من القلق وعدم الاستقرار، نتيجة وصول بلاغات تُلزمها بإخلاء خيامها ومساكنها خلال فترة قصيرة، من دون توضيح أسباب مباشرة، ودون مراعاة دخول فصل الشتاء ووجود أبنائها في مدارس المنطقة.
يُقدّرُ عدد هذه العائلات بقرابة 500 عائلة كلُّها تلقّت بلاغات إخلاء أضافت عبئاً جديداً على الأهالي، لا سيما مع حلول فصل الشتاء، الأمر الذي دفع كثيرين إلى رفضها.
ويعبّر عبد الله المحمد، أحد المتضرّرين، عن ذلك بالقول “وين بدنا نروح بولادنا ورزقنا؟ بيوتنا مدمّرة، وولادنا بالمدارس، وجايين على فصل الشتاء. نحنا بمنطقة جبلية وما عم نضايق حدا، ضاقت الدنيا علينا بهالخيمة”.
معظم الأراضي التي أقيمت عليها هذه المخيمات تعود ملكيتها للدولة وتُعدّ أملاكاً مهملة، في حين تعود نسبة أقل منها لعائلات من الطائفة المسيحية كانت قد هاجرت إلى خارج البلاد مع انطلاقة الثورة السورية، وقد نُصبت الخيام فيها بموافقة من المالكين، بحسب روايات سكان من المخيمات.
بعد تسلّم بلاغات الإخلاء، توجّه وفد من أهالي المخيمات إلى مبنى المحافظة للاستفسار عن أسباب القرار، يقول محمود دندوش، أحد أعضاء الوفد لـ فوكس حلب “إنهم التقوا أحد المسؤولين هناك، وتلقّوا تطمينات بتأجيل الإخلاء إلى ما بعد فصل الشتاء، بعد عرض الأسباب التي تمنعهم من الانتقال في الوقت الحالي”.
صلاحية التطمينات لم تدم طويلاً، إذ تلقى السكان بلاغات جديدة بالإخلاء، بحسب “دندوش” الذي أشار إلى أنّها وصلت في اليوم التالي لمعظم الأهالي، ما دفع وفداً آخر لمراجعة المحافظة، قبل أن يتم توقيفهم لفترة قصيرة ثم إطلاق سراحهم لاحقاً.
في المقابل، أوضح مجلس محافظة إدلب لـ فوكس حلب أن الإيعاز بإخلاء تلك المخيمات يأتي في سياق انتقال المحافظة من “حالة الثورة” إلى “حالة الدولة”، بما يتطلّبه ذلك من إعادة تنظيم وبناء، والعمل ضمن إطار قانوني منظّم.
واعتبر أن بقاء المخيمات المحيطة بمدينة إدلب بالشكل الحالي لم يعد ممكناً، لأسباب عدّة، أبرزها الخطة التنظيمية للمحافظة، إضافة إلى أن الأراضي المقامة عليها الخيام هي أملاك خاصة، ويطالب أصحابها بإخلائها، مؤكدين أن تأمين البديل هو من مسؤولية الجهات الحكومية، لا المالكين، وهو ما جرى العمل عليه، لكن قوبل بالرفض منذ أكثر من ستة أشهر.
وأضاف أن وجود أعداد كبيرة من الأغنام والماشية لدى بعض العائلات داخل المناطق السكنية أو قرب المباني الحكومية، ولا سيما الكليات الجامعية، يتسبّب بروائح كريهة وانتشار أمراض معدية وقطع للطرقات، وهو أمر لا بدّ من معالجته، بحسب وصفه.
وفي هذا السياق، قال رئيس مجلس محافظة إدلب أحمد دخان لـ فوكس حلب “لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقبل بتهجير أشخاص هُجّروا قسراً من قبل نظام الأسد مرةً ثانيةً أو ثالثةً، لكن العملية التنظيمية تقتضي نقل هذه العائلات إلى مخيم شعيب أو إلى المخيمات الشرقية والشمالية المتبقية في إدلب”.
وبحسب مسؤولين في المحافظة، فإن بلاغات الإخلاء ليست جديدة، إذ بدأت الإجراءات منذ أكثر من ستة أشهر، حين نفّذت مؤسسة الشؤون الاجتماعية والعمل جولات ميدانية شملت جميع العائلات، بعد تأمين بدائل سكنية تبعد نحو ثلاثة كيلومترات، في مخيم مرام بمنطقة كفر جالس ومخيم الياسمين، وهي مخيمات مجهّزة من حيث الخدمات الصحية والمدارس والبنية التحتية.
ويؤكد دخان لـ فوكس حلب “أن القرار قديم ولا يمكن الاستمرار بتأجيله، طالما أن البديل متوفر، لافتاً إلى أن إدارة المنطقة ستتكفّل بعملية نقل العائلات من دون تحميلهم أعباء إضافية”، وأشار في سياق حديثه إلى أن “المساكن الجديدة هي بيوت مسبقة الصنع، مجّهزة للصيف والشتاء، وتُعدّ أفضل صحياً من مواقعهم الحالية”.
كما أشار رئيس المجلس إلى أن مدينة إدلب باتت تستقبل زوّاراً من باقي المحافظات، إضافة إلى وفود أجنبية، بحكم رمزيتها كحاضنة للثورة، معتبراً أن بقاء مخيمات عشوائية حول المدينة لا ينسجم مع الصورة التي يُراد ترسيخها عن إدلب كمدينة منظّمة وقابلة للتنمية.
وعن الأنباء المتداولة حول توقيف بعض الأهالي الذين راجعوا المحافظة، نفى دخان لـ فوكس حلب صحة ما يُشاع إعلامياً، مؤكداً أن التعامل مع سكان المخيمات كان منظّماً، وأنه لم يُطلب من أي عائلة الخروج قسراً، بل جرى تأمين أماكن بديلة مناسبة، رغم الصعوبات التي واجهتها الجهات المعنية في ظل وجود النساء والأطفال خلال عمليات التبليغ.
وبين قرارات تنظيمية ترى فيها الجهات الرسمية ضرورةً ملحّة، وواقع معيشي صعب تعيشه العائلات المهجّرة، يبقى توقيت تنفيذ الإخلاء محلّ جدل واسع، خاصةً مع دخول فصل الشتاء وافتتاح المدارس.
