على مساحةٍ تتجاوز 117 ألف متر مربع، يمتد مطمر جب الخفي في بلدة تل الضمان التابعة لمنطقة سمعان بريف حلب الجنوبي، ويُستخدم المطمر كمكب للقمامة منذ عام 2000، في موقع يتوسط عشرات القرى، ما حوّلة تريجياً إلى بؤرةٍ تهدّد الصحة العامة للأهالي والبيئة المحيطة.
أثار المطمر استياءً متصاعدًا بين السكان واحتجاجات طالبت بحلول جادة مثل إغلاق المطمر ونقله إلى منطقة غير مأهولة بالسكان أو إيجاد حل بتدوير النفايات وبالتالي تقليل آثارها غير الصحية، في المقابل صدرت تأكيدات رسمية من الجهات المعنية بأن المطمر هو الخيار الوحيد المتاح حاليًا لخدمة مدينة حلب، والذي يشمل عمليات ترحيل النفايات من مكب الشيخ سعيد عند الأطراف الجنوبية للمدينة.
لم تقتصر تداعيات المطمر على محيطه المباشر، بل امتدت لتطال القرى الواقعة على طرق نقل النفايات، وبات السكان يواجهون يوميًا آثارًا بيئية وصحية متزايدة من انتشار الروائح الكريهة، والغازات السامة والحشرات والقوارض انعكست على تفاصيل حياتهم وتحركاتهم خصوصًا على الأطفال.
محمد العيسى، أحد سكان قرية بلاس، يروي جانبًا مما تعيشه القرى المتضررة، يقول إن المشكلة تبدأ من المسار الذي تسلكه الشاحنات المحمّلة بالقمامة والنفايات عبر قرى عبطين وبلاس وكفر عبيد وبَرْدة، والتي تسقط على طرفي الطريق.

يوضح أن “الشاحنات غالبًا ما تُسقط شيئًا من النفايات على الطريق الضيّق، لأنها ممتلئة أكثر من طاقتها الاستيعابية، ما يزيد من التلوّث ويعيق حركة المارّة والمركبات معاً ويسبب خطراً على صحة السكان”.
دفعت هذه الأوضاع محمد وأهالي القرى المجاورة إلى مطالبة البلدية بنقل المكب إلى منطقة غير مأهولة بالسكان، ولا سيما مع انتشار أمراض وأوبئة، أبرزها داء اللشمانيا، الذي يُرجّح أن سببه تكاثر الذباب في المنطقة، في ظل تفاقم المشكلة نتيجة غياب خدمات المراكز الصحية، إلا أن جميع مطالبهم قوبلت بالتجاهل.
ومع تصاعد شكاوى الأهالي وتزايد المخاوف من التداعيات الصحية للمطمر، يحذر خيرو الخيرو، مدير المكتب الصحي في بلدية تل الضمان، من تفاقم الوضع الصحي في المنطقة، مشيرًا إلى أن المطمر تسبّب بتلوث الهواء والمياه الجوفية، ما أدى إلى انتشار أمراض تنفّسية مثل الربو وأمراض جلدية بين السكان. ويضيف أن المكتب الصحي سجّل خلال العام الماضي عدة وفيات لأطفال رُضّع، يُرجّح أنها ناجمة عن التعرّض للسموم المنبعثة من المكب.
ويوضح الخيرو أن من بين هذه الحوادث التي وقعت أخيراً، فقدان عائلة، تقطن بجوار المطمر وتعمل في جمع البلاستيك ونبش القمامة، رضيعها اختناقًا بالغازات السامة المتصاعدة من المكب، مؤكداً أن هذه الحادثة ليست الوحيدة ، بل هي واحدة من عدة حالات مماثلة سُجّلت في المنطقة.
برجس الحسين، رئيس بلدية تل الضمان، حذر من عقبات استمرار وجود المكب في المنطقة على أهالي القرى القريبة والمحيطة به، يقول: إن وجود المكب في المنطقة خلّف آثارًا اجتماعية وإنسانية واسعة، ودفع العديد من العائلات النازحة إلى العزوف عن العودة إلى قراها، في ظل استمرار المخاطر الصحية والبيئية.
وأضاف أن البلدية طرحت مقترحين لمعالجة أزمة المكب، يتمثّل الأول بنقل المكب إلى منطقة صبخة الحص، وهي منطقة غير مأهولة بالسكان وبعيدة عن التجمعات السكنية، فيما يقضي المقترح الثاني باستقطاب مستثمرين لإطلاق مشاريع تدوير النفايات.

في المقابل، ينظر الجانب الرسمي إلى القضية من زاوية الضرورة الخدمية. يقول المهندس رجب الخميس، مدير إدارة النفايات الصلبة في حلب، إن مطمر جب الخفي يُعد من أملاك الدولة المخصّصة لهذا الغرض، مؤكدًا أن العمل فيه لم يتوقف فعليًا، إذ تسلّمت المديرية إدارته منذ عام 2019.
وأضاف أن المطمر في أساسه، يُعد مشروعًا صديقًا للبيئة في حال جرى تنفيذ الخلايا الصحية بشكل كامل، معتبرًا أن هذه الآلية من شأنها الحد من مخاطر التلوث العشوائي وحماية المناطق المجاورة.
وفي ردّه على احتجاجات الأهالي، أقرّ الخميس بأحقيتها، لكنه استدرك بالقول: لا يمكن إيقاف المكب في الوقت الراهن، كونه المطمر الوحيد المخصّص لاستقبال نفايات مدينة حلب والمناطق الجنوبية، ولا يوجد أي بديل مخصّص حتى الآن. وشدّد على أن تفعيل المعالجة التقنية للنفايات وطمرها وفق نظام الخلايا الصحية كفيل بتقليص التلوث البيئي تدريجيًا، في حال استُكملت الإجراءات الفنية المطلوبة.
يوضح الخميس آلية عمل نظام الخلايا الصحية، يقول إنه نظام يعتمد على قطع أرض بحجم 100×75 متر تُحفَر لتشكيل خندق يُجهَّز بطبقات من العزل الجيوكستايل والبحص والتراب، مع أنابيب مثقبة لتجميع عصارة القمامة وتوجيهها إلى حوض رشاحة.
يكمل، وبمرور الوقت، تتحوّل المواد العضوية بعد التخمر إلى تربة خصبة صالحة للزراعة دون تلويث المياه الجوفية، ويمكن الاستفادة من الرشاحة في تصنيع بعض المواد الكيميائية. مؤكداً أن هذه التقنية مكلفةٌ جداً لكنها مطبقة بنجاح في دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا.
وفي حديثه عن الحلول الجذرية التي ينتظرها سكان ريف حلب الجنوبي، كشف الخميس عن وجود تحركات تقنية لمعالجة أزمة المطمر، موضحًا أنه يجري حاليًا إعداد دراسة مستقبلية لإنشاء مشروع لتدوير النفايات، يُعد الحل الأنسب والأكثر استدامة لإنهاء هذه الإشكالية بشكل نهائي، وفق تعبيره.
وأشار الخميس إلى أن مشاريع التدوير من شأنها تقليص حجم النفايات، والحد من الأضرار البيئية والصحية، في حال جرى تنفيذها وفق معايير فنية سليمة، بما يخفف الضغط عن مطمر تل الضمان والمناطق السكنية المحيطة به. إلا أن هذه المشاريع، وفق من قابلناهم من الأهالي، تبقى حبراً على ورق ما لم ترَ النور في أسرع وقت ممكن.

هذا الوضع أفسح مجالاً لأهالي المنطقة للمشاركة بإعطاء حلول يرونها منطقية وقابلة للتنفيذ، بسام الحمود، أحد سكان المنطقة المقيم في تركيا، يتحدث عن إمكانية الاستفادة من تجربة مدينة أدرنة التركية في إدارة النفايات، وهي تجربة اطلع عليها بحكم عمله في الإنشاءات مع شركات استثمار خاصة في المكبات، إذ يتم إنشاء محطات تدوير قريبة من مراكز الإدارة المحلية.
يقول إن المشروع يقوم على فرز ومعالجة المواد الصلبة وتحويلها إلى مواد أولية صناعية، فيما يتم دفن المواد القابلة للتحلل السريع لإنتاج الغاز الطبيعي (الميثان)، الذي يُباع محليًا أو يُحوّل إلى غاز مسال لتوزيعه في القرى والبلدات المجاورة.
يضيف أنه يجب على الشركة المشغلة الالتزام بتأمين شاحنات مغلقة لنقل النفايات، وتوظيف السكان المحليين وتأمين وسائل حماية لهم، إضافة إلى إعادة تشجير المناطق المحفورة مع إشراف ومراقبة الوزارات والمحافظة لضمان الشفافية.
ويستفيد المشروع من إعفاءات ضريبية وتأمينات للعاملين، مع تسهيلات لتسويق المواد المعاد تدويرها محليًا أو تصديرها، ما يحوّل المطمر من مصدر ضرر إلى مشروع بيئي واقتصادي مفيد للمنطقة، دون تحميل المحافظة أعباء التشغيل، ويحقق ربحًا ماديًا للشركة.
بين إصرار الجهات المعنية على إبقاء مطمر تل الضمان باعتباره ضرورة خدمية لا بديل عنها لمدينة حلب في الوقت الراهن، تتفاقم مآسي الأهالي الذين يدفعون ثمن الغازات السامة التي يستنشقوها من صحتهم. ومع استمرار هذا الواقع، تبقى مساحة الـ117 دونمًا في تل الضمان ساحة مفتوحة على كارثة بيئية مؤجلة، ما لم تُترجم الوعود والدراسات إلى حلول عملية تنهي مشكلة السكان وتضع حدًا لتداعيات المطمر.
