عادت عائلات من مخيمات الشمال السوري إلى منازلها في ريف معرة النعمان الشرقي بإدلب، مدفوعة بالفرح بسقوط نظام الأسد والرغبة بالتخلّص من كابوس الخيام، على أمل الاعتماد على ألواح الطاقة الشمسية في تأمين الطاقة ريثما تتمّ إعادة التيار الكهربائي إلى المنطقة.
اليوم وبعد عام من السقوط ودخول فصل الشتاء، يجد العائدون صعوبة كبيرة في تأمين بدائل الكهرباء، خاصّة مع تلبّد السماء بالغيوم التي تمنع أشعّة الشمس من الوصول إلى ألواح الطاقة الشمسية، وغلاء ثمن البدائل الأخرى.
في بلدة جرجناز، تتّفق “أم عيسى” وعدد من جاراتها على جمع الملابس المتراكمة للغسيل خلال أسبوع من أجل تشغيل مولدة الكهرباء كي يغسلن الثياب. تقول “أم عيسى” إن الجارات اجتمعن صباحاً في منزلها لتشغيل مولدة كهربائية وغسل الملابس دفعة واحدة، من أجل تقاسم ثمن المحروقات التي تستهلكها.
لم تكتمل وجبة الغسيل، أصاب عطل مفاجئ المولدة، وعدن صديقات “أم عيسى” إلى منازلهن بخيبة أمل، بعد تعذر إصلاحها، وبدأن بغسل الثياب بأيديهن، واستخدمن مياهاً باردة، انتشلنها بالدلو من الخزانات.
يشكّل هذا الواقع ضغطاً مضاعفاً على النساء، لا سيما في الأعمال المنزلية التي تتطلب توفر الكهرباء، مثل غسل الملابس وضخ المياه، إذ تضطر كثير من النسوة إلى تجميع الأعمال وتأجيلها إلى فترات محددة، مرهونة بشحن البطاريات.
تقول “أم عيسى” التي عادت مع زوجها وطفلتيها من أحد مخيمات مشهد روحين في ريف إدلب قبل ثمانية أشهر، إن الطاقة الشمسية لا فائدة منها في هذا الطقس. وتضيف أثناء حديثها لمراسلة فوكس حلب “منذ أسبوع نعيش بلا ضوء أو ماء، لم نتمكّن من تشغيل الغطاس لضخ المياه أثناء المطر خشية تعطل المولدة”.
تمكّنت العائلة أخيراً من سحب كمية محدودة من المياه لتغطية الاحتياجات الضرورية، على أمل إيجاد حلول تسعفهم خلال فصل الشتاء، في ظل توقعات بعدم وصول التيار الكهربائي إلى البلدة في وقت قريب.
ولا تقتصر المعاناة على الأعمال المنزلية، إذ يؤثر انقطاع الكهرباء على الأطفال أيضاً، حيث يواجه أبناء العائلات العائدة صعوبات في متابعة واجباتهم المدرسية في ظل غياب الإضاءة المناسبة، إلى جانب تحديات أخرى تتعلق بنقص مواد التدفئة وعدم إحكام إغلاق الصفوف المدرسية، بحسب معلمين من المنطقة.
المدارس هي الأخرى تبدو مظلمة فلا كهرباء في الغرف الصفية التي تفتقر معظمها للمقاعد والكتب والسبورات، ولا وقود يكفي لتشغيل المدافئ. يقول عبد الهادي، وهو معلم في إحدى مدارس بلدة معرشورين لـ فوكس حلب “إنّ الامتحانات أُجّلت أكثر من مرة لعدم وجود كهرباء من أجل طباعة أوراق الامتحانات”.
ويضيف المدرّس في المدرسة التي بدت صفوفها متهالكة، سمعنا بوجود حملات لدعم التعليم والمدارس، لكنّ مدرستنا تفتقر إلى كل شيْ ولم يتمّ تزويدها بالحاجات الضرورية، مثل ألواح الطاقة الشمسية وبطاريات ومنظمات الجهد.
يطالب عبد الهادي بإعادة النظر في واقع المناطق التي سيطر عليها النظام لسنوات، وإعادة تفعيل الخدمات الرئيسة ونشر خطة واضحة وعلنية لتحسين واقع الكهرباء في المنطقة، والالتزام بتنفيذها ضمن إطار زمني محدّد، وهذا يضمن عودة أسرع للأهالي الذين مايزالون في المخيمات، وفقاً لقوله.
يعتمد معظم الأهالي ممن تتطلّب أعمالهم توفّر الكهرباء على مولدات تعمل بالبنزين أو المازوت، إلا أن تشغيلها لساعات طويلة يتسبب بأعطال متكررة وتكاليف مرتفعة، فضلاً عن قلّة المختصين في صيانتها، وهو واقع لا يقتصر على قرية بعينها، بل يشمل القرى الشرقية والجنوبية في إدلب كافة.
“أبو عيسى” فقد ساقه جرّاء ضربة جوية عام 2014، يعيش مع أسرته على ضوء “اللدّات” الموصولة مباشرة على ما تبقى من شحن البطارية. يقول لـ فوكس حلب “إنّه لليوم السابع على التوالي بلا عمل بعد تعطّل المولدة التي يعتمد عليها في إصلاح الغسالات والبرادات”.
ويضيف في سياق حديثه “في الطقس الغائم لا أستطيع العمل، فمهنتي تحتاج إلى كهرباء بشكل دائم. أمّا المولدات فأعطالها لا تنتهي، وتكاليف إصلاحها أرهقتني، فضلاً عن التوتر الذي تسببه لي ويعيق حركتي”، ما يضطرّني إلى التوقف عن العمل بالرغم من كونه مصدر الرزق الوحيد لأسرتي.
وفقاً لإحصاءات UNHCR، عاد نحو 1.7 مليون لاجئ ونازح سوري إلى منازلهم منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بينهم أكثر من 1.8 مليون نازح داخلي وقرابة 1.1 مليون لاجئ من الخارج، بينما ما يزال نحو 7.4 مليون شخص نازحين داخل سوريا، في ظل غياب الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه.
في بلدة معرشورين، يعتمد السكان أيضاً على الطاقة الشمسية، لكنّها لا تلبي الاحتياجات اليومية لسببين رئيسيين، أوّلهما ارتفاع تكلفة الألواح والبطاريات، ما يدفع كثيرين للاكتفاء بعدد محدود منها، وثانيهما الأحوال الجوية الشتوية التي تحول دون شحنها بشكل كافٍ.
يقول إبراهيم قرامو وهو صاحب محل أدوات منزلية في البلدة لـ فوكس حلب “إن معظم أصحاب المصالح يضطرون لإيقاف أعمالهم في وقت مبكر بسبب الانقطاع الطويل للكهرباء”. ويشير إلى أنّ “البديل المتاح، وهو المولدات الكهربائية، وهذه لا يملكها إلى نحو 15 بالمئة من العائدين، ما يدفع الأهالي في الحالات الضرورية إلى استئجار مولدات أو الاستعانة بالجيران”.
أسهم هذا الواقع وفق “قرامو” في عزوف عدد من السكان عن العودة، ما انعكس سلباً على حركة إعادة الإعمار والنشاط التجاري، حيث يقتصر الاستقرار حالياً على من لا تتطلب أعمالهم كميات كبيرة من الكهرباء أو من يمتلكون مولدات كهربائية كبيرة.
بعد عام على سقوط نظام الأسد وعودة كثيرين من سكان قرى ريف إدلب الشرقي والجنوبي من رحلة نزوح طويلة في المخيمات، ما يزال الواقع الخدمي دون تغييرات ملموسة، إذ تفتقر المنطقة لأدنى مقومات الحياة نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية خلال سنوات الحرب.
