تختلط أصوات الباعة في بازار الأحد بضجيج المولدات الكهربائية، وتتسلل رائحة الخبز الطازج لتملأ المكان، بينما تحمل الريح غبارًا خفيفًا يترك أثره على البضائع المفروشة تحت شمس النهار في مدينة سراقب بريف إدلب الشرقي.
تحمل ساعات الفجر الأولى ما يعيد الحياة إلى المدينة المهدّمة، باعة من سراقب والقرى المجاورة يجدون في بازار الأحد مكاناً لعرض بضاعتهم، ومشترون يجدون في البازارات سوقاً شعبياً ينهي الوساطة بين الزبون والمنتج، لتصل البضائع بأسعار زهيدة تناسب الشريحة الأوسع من السكان.
يتحوّل سوق سراقب إلى خلية نحل، فمع ساعات الصباح الأولى يتوافد الباعة يحملون بضائعهم على عربات صغيرة، دراجات نارية، أو في سيارات متهالكة أو جديدة، آخرون يفترشون الأرض ببسطات متواضعة يبيعون فوقها ما تيسّر من خضار موسمية، وملابس، وأدوات منزلية، في مشهد تمتزج فيه الألوان والأصوات والروائح لصناعة ملامح بازار الأحد في المدينة.

الطريق الذي يتحول في كل يوم أحد إلى سوق شعبي، وعلى مدار عشرات السنين، مقسّم بحسب البضائع التي يعرضها الباعة. الأقمشة الملونة على بسطات الملابس والأحذية مختلفة الأشكال والأحجام، منها ما هو معلّق على أسياخ معدنية ومنها ما يفترش الأرض، و ألبسة البالة الممتلئة يقف بقربها باعة ينتظرون حظّهم بالحصول على قطعة مناسبة مع كل كيس يفتحه الباعة، ألعاب الأطفال والأدوات المنزلية تجد لنفسها مكاناً بين زحمة سوق الملابس، جميعها رتّب بطريقة عشوائية.
على جانبي قسم من الطريق خضار وفاكهة رصفت فوق بسطات أو في “فلين” بلاستيكي، فوق بعضها البعض، إلى جانبها بهارات ومكسرات في عبوات متناسقة، ليس ببعيد عنها بسطات للسمك وأدوات التجميل، ومواد ترميم الأبنية من أبواب ونوافذ.
يمثل سوق سراقب أو بازار الأحد كما يطلق عليه نقطة التقاء لنحو 47 قرية وبلدة قبل النزوح، ويربط بين حلب وإدلب واللاذقية، بحسب محمد حسن العزو، رئيس المجلس المحلي في سراقب والذي قدّر عمر السوق بنحو مئة عام.

ومع سقوط نظام الأسد، وعودة سكان إلى سراقب، بدأ السوق بالتعافي من جديد، إذ يقدر العزو الزيادة الأسبوعية بعدد البسطات بين 40 إلى 50 بسطة. يقول العزو إن السوق كان يمتد على مسافة تصل إلى نحو 2.5 كيلومتر، أما الآن فيقتصر على 1.5 كيلومتر، ويبرر ذلك إلى عودة نصف السكان فقط أي ما يقارب 5600 عائلة فيما مايزال قسم كبير إما بالمخميات شمالي إدلب أو لم يرجع إلى سوريا بعد.
يشير العزو إلى سوق كانت يسمى الأوضة في حارة قديمة جداً في سراقب، قائلاً: “تم تدميرها بالكامل، أزلنا الأنقاض وأصبحت ساحات فارغة، وحالياً يُبنى مول جديد مكان سوق الخشبيات الذي كان يشكّل جزءًا منها. ويضيف أن السوق الصناعي والتجاري، لا سيما محلات الحدادة ومواد البناء والإكساء، تعجّ بالبضائع، لأنها أكثر المحلات التي يحتاجها الناس لترميم منازلهم المدمرة.
بين تلك البسطات وجد، إبراهيم عيدة، ركناً لعرض حزم الغراس الصغيرة، و أصص نبات زينة ركنت إلى جانب بعضها البعض، لتشبه جزيرة بين زحام السوق والأبنية المدمرة.
كيفما التفتّ في السوق تجد في محيطه بقايا منازل و أبنية مدمرة بجدران متهاوية سرقت نوافذها وأبوابها، وأسقف مائلة نزع حديدها. يحمل ابراهيم غراسه ونباتات الزينة قادماً من قرية فيلون بريف إدلب الجنوبي كل أحد إلى سوق سراقب، يكرر هذه الرحلة منذ نيسان الماضي تاريخ افتتاح البازار.

يقول إبراهيم إن “الإقبال كان ضعيفًا في البداية، لكن الحركة تحسّنت تدريجيًا”، و يضيف بابتسامة لا تخفِ تعب الأيام: “لا قدرة لجميع الناس على الشراء من السوق إلا أن شراء الغراس قد يبدو أكثر حظاً من باقي أصناف السلع لأن من خسر أشجاره في الحرب، اليوم أول ما يحرص عليه هو زراعة الأرض مجدداً.. وها أنا كل أحد أكون واقفاً في المكان نفسه”.
تشكل أعمدة حديدية تعلوها شوادر بيضاء وأخرى رمادية،أسقفًا مؤقتة لبسطاتٍ تحتمي من شمس الظهيرة أو الأمطار، وتتداخل بينها سيارات تقف في صفّ طويل، امتلأت صناديقها الخلفية ببضائع ومواد مختلفة، بينما اختار آخرون افتراش جانب الطريق من دون سقف أو حتى سيارة يعرضون عليها ما يبيعونه. وبعض الباعة خصص لنفسه ركنًا صغيرًا من السوق وملأ صناديق الفلين الأبيض ببضاعته ورصّها بجانب بعضها البعض لتأمين دخل بسيط آخر النهار.
يقف نديم الحسين، بائع الألبسة القادم من داديخ، أمام بسطته المركونة أمام منزل مدمر، يروي: “بعد ثلاثة أشهر من سقوط نظام الأسد رجعت أبسط بضاعتي. الناس أولويتهم ترميم بيوتهم، ولهيك الحركة أخف شوي، ومع الأسف أغلب الناس بتحاول تكاسرنا بالأسعار، ونخسر كثيراً من الربح”.
ليس بعيداً عن بسطة نديم، تراصّت صناديق سوداء صغيرة ممتلئة بالفاكهة الموسمية فوق بعضها البعض بطريقة تجذب انتباه الزبائن، بينما يقابلها على الطرف الآخر من الطريق صناديق الزيتون بألوانه المتفاوتة بين الأخضر والأسود وأنواعه المختلفة.

يقول أبو خالد، بائع خضار في السوق “السوق رجع يتنفس من جديد، والناس رغم التعب، ما زال عندها رغبة بالحياة… وما كنت متوقع إرجع شوف هالأيام من جديد”.
تتقاطع الأصوات من كل جانب بين مناداة الباعة ومساومات المشترين، تتكرر الكلمات عبر أجهزة مكبر الصوت لجذب الزبائن : “عشرة، عشرة، أي قطعة عشرة تركي”، ويدور حولهم الزحام في حركة مستمرة.
في زاوية مجاورة محل محاط بالورد، أمامه محمد نجيب، نجار وصاحب محل لصناعة وبيع الأبواب والنوافذ، يحدثنا عن جزء من مأساة عائلته بصوت هادئ: “قبل سقوط النظام بـ17 يومًا استشهدت ابنتي، وخلال فترة النزوح لم أعمل بمهنتي أبداً، بعد العودة رممت بيتي جزئياً وبدأت أصنع أبوابًا بلاستيكية تعرف باسم (PVC) بأسعار معقولة، لمساعدة الناس في تجهيز منازلهم”.
على مسافة قريبة من محل محمد، اكتظت بسطات بيع أدوات التجميل والإكسسوارات بنساء يتنقّلن بحثًا عن احتياجاتهن الخاصة. تقف أمية الحجي، بائعة المكياج القادمة من معردبسة، خلف بسطة صغيرة، تعيد ترتيب ما خرّبته الأيدي، تقول “بعد العودة، الناس تنتظر من الأحد إلى الأحد لشراء حاجياتهم. والبسطة بالنسبة لي أفضل من المحل الثابت، لأن الوجوه الجديدة كثيرة وهذه البضائع عليها طلب كبير من قبل النساء”.

يقطع حديثي مع أمية صوت إحدى النساء يقول “رجعت لعادتي القديمة، كل أحد أذهب إلى السوق، أيام ما كنت أتخيل أن تعود”. تضيف صديقتها : ” افتتاح بازار سراقب شعور مختلف تمامًا بعد العودة”. وتختتم مبتسمة: “الحمد لله رجعنا نعيش الأيام من جديد، وسراقب عم ترجع… المهم أننا في بلدنا”.
لم يقتصر البازار على البسطات الصغيرة، فكان للأسماك نصيبها من الزحام والشراء. يقف مالك الأسود، بائع السمك القادم من إدلب، أمام بسطة صغيرة ينشر عليها الأسماك الطازجة، ويحدثنا عن ماضيه: “في المكان نفسه، قبل النزوح من سراقب، خسرت نصف بضاعتي بسبب استهداف السوق بالطائرات الحربية”.
يتلفت حوله بعينين تتأملان المكان، ويضيف بابتسامة خجولة: “الآن أنا في الشارع نفسه أبيع السمك، الزبائن يأتون بثقة، والبيع أصبح أسهل، وأشعر بالأمان، الحمد لله”.

محمد إبراهيم سويدان من بلدة آفس يأتي صباح كل أحد إلى بازار سراقب، يقف خلف بسطته التي تمتدّ أمامه كأنها متجر صغير متنقّل؛ صفوف من الإكسسوارات، مستحضرات التجميل، والعطورات وغيرها للكثير، ينظفها بقطعة قماش بين الحين والآخر ويعيد ترتيبها لتبدو جذّابة في عيون المارّة.
يقول وهو يشير إلى البضاعة : بالنسبة لأسعار المواد، مقبولة نوعا ما، هناك قطع بخمسة ليرات تركية وقطع بعشرة وقطع يصل سعرها إلى مئة ليرة وكل حسب جودته، أنا أنوع في البضاعة لكسب الزبون مهما كان وضعه المادي.
الأسعار في البازار عموماً، حسب وصف محمد، متوسطة يحاول من خلالها أصحاب البسطات الحفاظ على زبائنهم، وتناسب القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر وفي الوقت نفسه تحقق هامشاً من الربح آخر النهار، خاصة أن الباعة لا يدفعون أجرة للبلدية مقابل البيع في السوق.
يشير محمد إلى أن هذا الإعفاء يساعد الباعة حالياً في استمرار وجودهم في البازار يقول : “لو أن هناك نسبة دفع أسبوعية أو شهرية كان الوضع سيئآً، فنحن نعمل بربح يومي يكاد يكفي لتأمين احتياجات العائلة اليومية بالحد الأدنى” .
يرجع محمد بعد انتهاء بازار الأحد وبجيبه ليرات قليلة وأوراق مهترئة من فئات الخمسة والعشرة والعشرين ليرة تركية يقول إن “البازار مصدر رزقه عمله الوحيدة اليوم لتحصيل قوت العائلة في ظل غلاء المعيشة وقلة فرص العمل”.

يحرص محمد كل أحد أن يفرش بسطته في المكان ذاته حتى تعتاد الزبائن على رؤيته وحفظ مكانه يقول إن “كسب الزبون والحفاظ عليه رأس مالنا”. ويشرح طبيعة عمل الباعة الجوالين، وكيف يتنقلون بين أسواق القرى والبلدات خلال الأسبوع، ضمن جدول ثابت يأخذ كل بازار اسم اليوم الذي خصص للمنطقة.
يقول إنهم يتنقلون طيلة أيام الأسبوع فالاثنين في منطقة أبو الظهور، و الثلاثاء في بلدة الزربة، الأربعاء في كفرناها، والخميس في تل الطوقان، والسبت سوق في جزرايا فيما يبقى يوم الجمعة يوم راحة وعطلة. هذه الأسواق تضمن أسبوع عمل متواصل للباعة الجوالين رغم اختلاف المردود والبيع.
عمر أبو حسين، أحد أبناء مدينة سراقب، يقول إن “الإقبال على البيع والشراء جيد لأنه لا يوجد بديل عن السوق الشعبي في الوقت الحالي والسلع المتوفرة أقل سعراً من المحلات التجارية، فهنا عملية البيع مباشرة دون وسيط بين البائع والشاري ودون اقتطاع مبالغ مالية أجرة المحل أو ثمن كهرباء أو مصاريف أخرى، لذا يقصد الفقراء من الطرفين البازارات الشعبية لتحقيق نفع متبادل”.
مع انتهاء يوم طويل في السوق تختفي الزحمة والحركة والضوضاء وينتشر عمال البلدية فور ذهاب الباعة وسياراتهم ودراجاتهم النارية و بسطاتهم المؤقتة لجمع النفايات من أكياس وعلب فارغة وكراتين بقيت بعد مغادرة الجميع، ولا يبقى سوى أثار عشوائية لحركة الباعة والمشترين طيلة النهار.
