فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أطفال بلا طول.. قِصر القامة تحدٍ صحي للأطفال وأعباء على الأسر

أميمة محمد

قِصر القامة لم يعد مشكلة صحية فحسب في إدلب، بل تحوّل إلى عبء نفسي ومالي يرهق الأطفال وأسرهم، بين علاج مكلف وفرص ضائعة وقلوب عوائلٍ تخشى فوات الأوان

على طريقٍ يربط بين صلوة و الدانا بريف إدلب الشمالي، يمضي أبو عامر بدراجته الصدئة، يحتضن خلفه ابنته فاطمة التي تشكو قِصَر القامة قبل أن تبلغ المراهقة. في رحلة تتكرر منذ خمسة أعوام، يلاحق الأب أملاً بأن تنمو فاطمة كما الأطفال في عمرها، بينما تتقاذفهما تكاليف العلاج وضيق العيش.

فاطمة التي نزحت مع عائلتها وهي في الثالثة من عمرها، لم يلاحظ والدَاها أنها تعاني نقصاً في النمو إلا عندما بلغت الثامنة، بدت أقصر من أقرانها وزميلاتها في الصف. يقول أبو عامر إنه بعد إجراء صورة لكف يد فاطمة وظهور النتيجة أخبرتهم الطبيبة أنها تعاني قصراً في القامة وتحتاج علاجاً ومتابعة طويلة الأمد.

يعرف مرض قصر القامة أو التقزم  عند الأطفال بأنه مرض ناتج عن حالة وراثية أو طبية. ولها عدة أسباب أبرزها سوء التغذية، الفقر، ونقص الموارد لدى العائلات خاصة التي عاشت ظروفاً اقتصادية سيئة في سنوات الحرب. إضافة إلى أسباب أخرى منذ الولادة، أو تكون مرتبطة بنقص الطول عند أحد الوالدين أو كليهما، إضافةً إلى قصر القامة البنيوي وعوز هرمون النمو.

تعيش فاطمة مع والدتها وإخوتها الثمانية في أحد المخيمات القريبة من صلوة منذ عشرة أعوام، بعد اضطرارهم للنزوح من بلدتهم الواقعة على بُعد نحو 30 كيلومتراً جنوبي مدينة حلب. ولم يتمكنوا من العودة حتى الآن، إذ لم يبقَ لمنزلهم أي أثر، بعدما تحول إلى كومة من الركام، وفق ما رواه لنا أبو عامر.

وتحتاج فاطمة إلى دواء تبلغ تكلفته نحو 60 دولاراً كل ثلاثة أشهر، يحاول والدها تأمين المبلغ بين موعدٍ وآخر لمراجعة الطبيب. يقول إنه يسعى جاهداً لعلاج ابنته من قصر القامة قبل وصولها إلى مرحلة البلوغ،  دون أن يعرف على وجه الدقة ما إذا كان السبب نقصاً في هرمون النمو، أو سوء تغذية، أو عاملاً آخر.

يقول أبو عامر: “في آخر مراجعة أخبرنا الطبيب أن وضعها يتحسن ببطء، وقد نحتاج إلى وقت أطول لنصل إلى نتائج مُرضية في زيادة طولها. الشهر الثالث من العام القادم هو موعد زيارتنا المقبلة، ونأمل أن تستجيب فاطمة للأدوية خلال هذه المدة”.

الطبيب سامي الرحال، أخصائي الأمراض الداخلية والغدد الصم، يوضح أن تشخيص قصر القامة يعتمد على جداول قياسية تُبيّن الخطوط الطبيعية للنمو عند الأطفال. وفي حال كان الطول دون المعدل الطبيعي بمقدار معيّن، تُجرى سلسلة فحوصات طبية للتحقق من السبب، تشمل فحص الخضاب، ومستوى الكالسيوم، وسكر الدم، ووظائف الكلية، للتأكد من عدم وجود أمراض مزمنة تعيق النمو. ويضيف الرحال أن ارتفاع تكاليف هذه التحاليل قد يدفع الكثير من الأهالي إلى تأخير العلاج أو عدم استكماله.

فاطمة واحدة من أكثر من 609,900 طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم في سوريا وفق تقرير لليونسيف نشر في عام 2023، والذي ذكر أن التقزم ينتج عن نقص التغذية المزمن ويسبب أضرارًا بدنية وعقلية للأطفال لا يمكن التعافي منها. مؤثراً على قدرتهم على التعلم و إنتاجيتهم في مرحلة البلوغ.

ووجد مسح عام SMART 2023 لمنظمة الصحة العالمية أن نسبة سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون 5 سنوات ارتفعت من 1.7% عام 2019 إلى  4.8% في 2023.

وارتفعت نسبة التقزم Stunting في سوريا، وهي مؤشر على نقص التغذية المزمن، من 12.6% إلى 16.9% أي (حوالي 610 آلاف طفل)، من عام 2019 إلى عام 2023، وفق تقرير كشف أبرز انعكاسات الأزمة هو تدهور الوضع الغذائي للأطفال. 

أطفالٌ كثر في شمال سوريا تكشف قصصهم وجهاً خفياً لمعاناة صحية تتفاقم في المنطقة وسط سوء الوضع المعيشي والصحي معاً. إذ تتكرر الحالة مع عائلة الطفل محمد ذي الأعوام العشرة، والذي يبدو أصغر بسنوات من عمره، إلا أن عائلته توقفت عن متابعة العلاج بعد يأسها من تحسن حالته. تقول والدته أم مصطفى بنرة فيها حسرة وحرقة، من يرى محمد يحسبه ابن سبع سنوات، وينقص عمره الطولي ثلاث سنوات عن عمره الزمني.

محمد مصاب بنقص حاد في النمو، ويحتاج وقتاً طويلاً ليعوض هذا القصر، وفق ما أكدته الطبيبة لوالدته، التي لاحظت  أن جسمه لا ينتج ما يكفي للنمو منذ عامه الأول، فيكبر في السنّ بينما يظل حجمه صغيراً مقارنة بأقرانه.

تقول الأم إنها عرضت ابنها محمد العام الماضي على طبيب متخصص في الغدد، وطلب منها إجراء تحاليل له، ليتبيّن أنه يعاني نقصاً في هرمون النمو، وقد وصف له دواءً يُستخدم لمدة ستة أشهر.

وعن الأشهر الستة التي عاشتها بين الترقّب والصبر، تقول والدة محمد إن طفلها كان يتلقّى إبراً تُحقن تحت الجلد، تُقسّم كل واحدة منها إلى ثلاث دفعات في أيام متتالية. وتوضح أن ثمن الإبرة الواحدة يبلغ نحو 20 دولارًا، وهو ما أثقل كاهلها مادياً واستنزف منها جهداً ومالاً، بينما لم تتجاوز زيادة طول محمد خلال تلك الفترة سنتيمتراً ونصف السنتيمتر فقط.

لم تدخر أم مصطفى جهداً للبحث عن علاج ابنها من أعشاب أو حتى مكملات غذائية وفيتامينات وحب زيت السمك، تخبرنا أنها تشتري أي وصفة ينصحها بها من يرى محمد مثل دواء تعذر عليها حفظ اسمه، أطلقت عليه اسم دواء “الزرافة” وهو نوع المكملات الغذائية فيه أرجنين Arginine Syrup  وتركيبة تضم زيت السمك ، ل-أرجينين، وفيتامينات أساسية مثل C و D’3 وE وK 1، مع الزنك، سعره نحو 12 دولاراً.

بعد أشهر من إعطاء محمد من شراب “الزرافة”، لاحظت والدته زيادةً في وزنه دون أي تحسّن في طوله، ما دفعها إلى إيقافه فوراً. تقول: إن بطء استجابة محمد للأدوية والعلاج، إضافةً إلى ارتفاع تكاليف المتابعة، سواء أسعار الأدوية أو كشفية الأطباء، جعلها تتوقف عن متابعة العلاج بشكل كامل، وتوقف جميع الأدوية، وتقبل حالة ابنها كما هي. تضيف: “لم تعد لدي رغبة في عرضه على طبيب آخر، فجميع الأدوية مرتفعة الثمن، ولم أعد أقوى على تحمّل المزيد من التكاليف”.

الطبيب رحال يعتبر أن دواء الزرافة الذي بات يلجأ إليه كثيرٌ من الناس في علاج أطفالهم “تريند تجاري”، مشدداً على الأهالي الذين يلاحظون بطئاً في نمو طفلهم أن يراجعوا الطبيب دون تأخير محذراً من اللجوء إلى الأدوية دون وصفة طبية. مؤكداً أن العلاج يكون مكلفاً في حال كان سبب القصر عوز هرمون النمو، لأن الجرعة تُحسب وفق وزن الطفل، ما يجعل الأمر مرهقاً مادياً للكثير من العائلات وبالتالي عدم إكمال العلاج. 

استسلام أم مصطفى لمرض ابنها والرضى بحالته لم يسعفه أن ينجو من تعرضه لعبارات، تصفها والدته بالقاسية والمؤلمة، كونه أقل طولاً وحجماً من أقرانه، من قبل أطفال الحي ومن أصدقائه في المدرسة. تقول إنها تحزن كلما اشتكى لها محمد من سماع كلمات مستفزة أو استهزاء بحجمه الصغير، ما يدفعه للدخول في صدامات مستمرة معهم، خصوصاً أنه “لا يسكت عن حقه” حسب تعبيرها.

يوضح سامي الرحال، أن حالة قصر القامة  قد تتحول إلى مصدر قلق نفسي لدى الطفل، وتولّد لديه شعوراً بالنقص، خاصة عندما يتعرض للتنمر من زملائه. وهذا ما حدث مع محمد، الذي أصبحت لديه ردّة فعل عكسية تتمثل في التشاجر مع أصدقائه كلما تنمروا عليه. يقول إن الضغط النفسي ينعكس مباشرة على إنتاجية الطفل، وقد يدفعه إلى العزلة ورفض الواقع، مشيرًا إلى أنه لاحظ انتشار عدد من الحالات المشابهة في المنطقة، وأن كثيرًا منها لا يخضع لأي علاج.

هذا ما دفع الطبيب إلى إطلاق حملة فردية للكشف عن حالات قصر القامة لدى أطفال المدارس في منطقتي الدانا وأطمة، بهدف معرفة الأسباب، وتنبيه الأهالي إلى ضرورة العلاج قبل فوات الأوان، ليتمكن الطفل من اللحاق بطول أقرانه، واستعادة عافيته النفسية.

ويؤكد الرحال أن تنبيه الأهالي إلى أهمية متابعة نمو أبنائهم هو أحد أهم أهداف المبادرة، خصوصًا عندما يكون القصر واضحًا ويؤثر في الصحة النفسية للطفل، بما يسهم في إنشاء جيل يتمتع بصحة بدنية ونفسية سليمة.

وخلال الحملة، لاحظ الطبيب وجود عدد من الأطفال الذين يعانون درجات متفاوتة من قصر القامة، فزوّد الأهالي باستمارات تتضمن طول الطفل وتقييمًا أوليًا لحالته، بهدف تشجيعهم على بدء المتابعة الطبية.

كما أعلن استعداده للتعاون مع أي مدرسة ترغب في إجراء مسح لحالات قصر القامة بين طلابها، مؤكدًا أن استقبال الأهالي في عيادته لمتابعة الحالات سيكون مجانيًا لمدة شهر ضمن إطار المبادرة التشخيصية، التي يأمل أن تتطور لاحقًا إلى برنامج رسمي ضمن الصحة المدرسية. مشيراً إلى أن الفرق المجتمعية يمكنها تنفيذ المسح الأولي بعد تدريبها، لكن التشخيص النهائي يبقى من اختصاص الطبيب حصراً.

رغم أن قصر القامة ليس مرضاً قاتلاً، إلا أنه يحمل ما يكفي من الوجع ليغيّر ملامح طفولة كاملة، ويترك أثراً نفسياً عميقاً يمتد لسنوات. وبينما يكافح الأهالي لتأمين علاج أبنائهم وسط الفقر وغياب الدعم، يبقى التدخل المبكر والاستجابة الطبية السليمة السبيل الوحيد لوقف انتشار المرض وتخفيف تبعاته. وحتى تنجح مبادرات الكشف المبكر وتجد طريقها إلى اعتماد رسمي، سيبقى أطفال مثل فاطمة ومحمد ينتظرون فرصة للنمو كما يستحقون.