أمام أشجار الزيتون في حقله الممتد على مساحة عشرة دونماتٍ في سهل الروج بريف إدلب الغربي، يقف المزارع الأربعيني إبراهيم الأحمد في مشهدٍ لم يعتده من قبل، أغصانٌ رقيقة تحمل القليل من حبّاتِ الزيتون، وتحت الأشجار أكياسُ خيشٍ قليلة أنهى عمّالُ القطاف تعبئتها. يجري في ذهنه حسابٌ لمعرفة كمية الزيت التي قد تُنتجه هذه الأكياس، يقلب كفّيه بحيرةٍ ويهزّ رأسه معبّراً عن صدمته من إنتاج أرضه هذا العام.
يقول إبراهيم: “نسبة تراجع الإنتاج في أرضي كانت واضحةً جداً وصادمة. صحيح أن أسعار الزيت ارتفعت هذا العام، وهذا الارتفاع ساعدنا إلى حد ما على تغطية التكاليف الأساسية من ريٍّ وحراثةٍ وتقليم وقطاف، لكننا لم نحقّق هامش الربح الذي كنّا ننتظره ونعتمد عليه لتأمين مصروف السنة القادمة”. يصمت قليلاً ثم يضيف بحسرة: “باختصار، خرجنا دون الأرباح المعتادة التي تجعل المزارع يشعر ببحبوحةٍ”.
في بلدة كللي بريف إدلب الشمالي يراقب المزارع، أبو حسن العبود، العمال وهم يجمعون ما تيسّر من حبّات الزيتون بين الأغصان في حقله. يقول: إن” الموسم شارف على الانتهاء ولم يحصل على كميةٍ تعادل المواسم السابقة”.

لم يخسر أبو حسن موسمه بالكامل، لكن ميزان الزيت في المعصرة اختلف جذرياً عن العام الفائت. يقول: “الأرض جادت بما تيسّر، إنتاج الزيت لدي كان 30 تنكةٍ زيت فقط، بعد عناءٍ طويل وتكاليف مرتفعة ثمن الحراثة والسقاية وأجرة عمال القطاف، بينما السنة الماضية حصلت على 50 تنكة زيت وكانت كافية لوضع مؤنة البيت وبيع قسمٍ جيدٍ منها لسد احتياجات العائلة”.
ينفض أبو حسن الغبار عن يديه ويضيف: “نزول الإنتاج من 50 إلى 30 تنكة ليس أمراً هيناً، هو خسارة لثلث الرزق تقريباً. كنا نعوّل على الخمسين تنكة لنزوّج ولداً أو نصلّح جراراً أو نجدّد أثاثاً. اليوم كمية الزيت التي حصلنا عليها بالكاد تغطي مونة ومصروفَ المنزل”، ثم يكمل حديثه بنوعٍ من الرضى بالأمر الواقع: “القليل مع البركة خيرٌ من العدم”.
حال المزارعَين أبي حسن وإبراهيم يشبه حالَ معظم مزارعي ريف إدلب ومناطقٍ أخرى في شمال غرب سوريا هذا العام، إذ تسببت قلّةُ الإنتاج بخسارةٍ لهم وخيبة أملٍ بعد انتظار الرزق من موسمٍ إلى آخر.
أدرك سامر حسن، صاحبُ إحدى المعاصر في ريف إدلب الشمالي، أن التراجع كان واضحاً وحاداً بناءً على النسب الواردة في سجلات كميات الإنتاج في معصرته. يقول سامر: “بناءً على الكميات التي دخلت المعصرة حتى الآن، يمكن القول إن الإنتاج تراجع بنسبةٍ تتراوح بين 40 إلى 50 بالمئة مقارنةً بالعام الماضي”. ويعزو السبب المباشر لهذا الانخفاض إلى قلّةِ الأمطار والجفاف الذي ضرب المنطقة وأرهق الأشجار.

هذا الشح أكده أيضاً محمود الأخرس، تاجرُ زيتٍ في المنطقة، مضيفاً سبباً اقتصادياً آخر ساهم في قلّة الزيت المعصور، وهو أن “قسماً كبيراً من أصحاب الأراضي فضّلوا جني المحصول وبيعه حَباً للأكل عوضاً عن عصره، لأن سعر الحب كان مرتفعاً ومغرياً، مما قلّل الكميات المتجهة إلى المعاصر، وبالتالي انخفضت كميةُ الزيتِ المعروضةِ في السوق”.
يوضح المهندس الزراعي محمد الأعرج أسباب التراجع الحاد في كمية الزيت، مؤكداً أن المسألة تتجاوز مجرد قلّة المطر. يقول إن الجفاف كان العامل الأهم، إذ أدى إلى إجهاد الأشجار وعدم قدرتها على الحمل المناسب. ويضيف سبباً آخر: “تعرضت المنطقة لموجات حرٍّ مبكرة جاءت متزامنة مع فترة الإزهار الحساسة، ما أثر سلباً على عقد الثمار، فتساقط الزهر قبل أن يتحول إلى ثمرٍ”.
ويشير الأعرج إلى عائقٍ مادي فاقم المشكلة، وهو “غلاء أسعار صهاريج المياه”، ما جعل المزارعين عاجزين عن تأمين الريّ التكميلي الضروري خلال أشهر الصيف، وهو ما أدى إلى ضعف الثمار وتدني الإنتاجية.

تحتاج كل شجرة إلى نحو دولارين كل ثلاثة أشهر ونصف الشهر لتغطية تكلفة السقاية، وفق تقديرات مزارعين تحدثنا إليهم. وللتغلب على هذه التكلفة، لجأ قسمٌ منهم إلى حفر بئر في مزرعتهم، بينما استجدى قسمٌ آخر مياهَ الري من أراضٍ مجاورة، مقابل 15 دولاراً لكل ساعةٍ يتم خلالها ضخ ما يقارب صهريجين.
يختلف الوضع في جنوب ريف إدلب عن شماله، فالمناطق التي استباحها نظامُ الأسد من أراضي الزيتون في القرى والبلدات، شهدت تأثيراً مباشراً على الأشجار، وسياسةُ الأرض المحروقة التي طالت أشجار الزيتون من قطعٍ وبيعٍ وتخريبٍ وإهمال، تسببت بخسارةٍ يصفها الأهالي بأنها “كبيرة” ولم تشهدها المنطقة منذ مئات السنين، وما زالت آثارها ممتدةً حتى اليوم.
في ريف معرة النعمان الشرقي، يتأمل المزارع أبو محمد رحال حجم خسارته ليس هذا الموسم فقط بل خسارة قد تستمر لعدة سنوات. عاد أبو محمد إلى قريته ليجد أرضه قاحلة بعد أن خسر وحده 300 شجرة زيتون بعمر 35 عاماً كانت تتوزع على مساحة 25 دونماً. يبحث بعينيه عن أشجاره التي قُطعت، فلا يرى سوى أرضٍ قاحلةٍ خاليةٍ من الأشجار وبقايا الجذوع المتيبّسة. يقول بغصّة: “كانت الأشجار في أوج عطائها، أرضي وحدها كانت تنتج سنوياً ما بين 250 إلى 300 تنكة زيت. اليوم، هذا الرقم أصبح صفراً”.
بلغ عدد أشجار الزيتون المقطوعة نحو مليونٍ ونصف المليون شجرة في ريف إدلب الجنوبي، إلى جانب 350 ألف شجرة فستق حلبي و100 ألف شجرة تين، حسب ما أكده مديرُ مديرية الزراعة في محافظة إدلب، مصطفى موحد في تقرير وكالة سانا.

يمتد أثر هذه الخسارة على الاقتصاد المحلي للأهالي الذين يعتمدون في معيشتهم على إنتاجهم الزراعي لتأمين دخلهم ومعيشتهم. يقول أبو محمد رحال إن الأرض مصدر رزقٍ رئيسيٍ لمئات الأسر.
فضلاً عن ذلك، ترتبط الأرض بالذاكرة الجماعية لسكان الريف، معبراً عن حزنه لما آل إليه الريف الجنوبي: “لقد اقتلعوا روحنا مع أشجار الزيتون”، متسائلاً كم من السنوات نحتاج ليعود الريف أخضر كما كان.
المهندس محمد الأعرج يوضح كيف أن قطع الأشجار في الريف الجنوبي أثر بشكل مباشر على ترتيب سوريا العالمي كدولةٍ منتجةٍ للزيت، كما أدى إلى تغير مناخ المنطقة وتحوله إلى مناخٍ جاف، فضلاً عن غياب مصدر رزقٍ أساسيٍ لآلاف العائلات التي عادت لتجد أراضيها جرداء.
شحّ المادة وغياب مساحات واسعة عن الإنتاج فرضا لغةً جديدةً في الأسواق. يوضح التاجر محمود الأخرس: “السنة الماضية كان سعر التنكة (16 كيلو غرام) يتراوح بين 70 و80 دولاراً، ثم انخفض بنهاية الموسم لما دون 60 دولاراً. أما اليوم، فالسعر يتراوح بين 85 و100 دولار حسب الجودة ونسبة الأسيد، وفي بعض المناطق تجاوز 105 دولارات”.

ويضيف أن “عودة التجارة الداخلية بين الشمال وباقي الأراضي السورية، بعد سقوط نظام الأسد، زادت الطلب على زيت الشمال لجودته العالية، لكن السبب الأساسي للغلاء يبقى ضعف الموسم وقلة العرض”.
أمام هذه التحديات، يؤكد المهندس محمد الأعرج أن إعادة زراعة الأشجار المقطوعة تتطلب صبراً، إذ يحتاج الزيتون إلى خمس سنواتٍ ليدخل طور الإنتاج، وما بين ثماني إلى عشر سنوات ليعطي إنتاجاً جيداً.
ولتحسين الإنتاج الحالي وتفادي تكرار السيناريو، ينصح الأعرج المزارعين بـ”التسميد المتوازن (عضوي وكيميائي)، والريّ التكميلي في أشهر الصيف، ورش الأشجار بعنصر (البورون) أثناء تمايز البراعم لزيادة عقد الثمار، إضافةً إلى مكافحة ذبابة الزيتون”.
خسارة الزيتون هذا العام ليست مجرد موسم ضعيف، بل انعكاس لتحديات مستمرة تهدد رزق المزارعين والريف ككل ويظهر موسم هذا العام أن البقاء على الأرض يتطلب صبراً أكثر من الجهد والتعب.
