الوصول إلى ساحة سعد الله الجابري بحلب، حملُ علم الثورة في الأيدي ولفّه على الرقبة والأكتاف، اختيار الطرق الرئيسة لا الفرعية، عدم التلفّت يمنة ويسرة، اللون الوردي للوجوه التي تمرّ أمامك، الابتسامة، الصوت العالي لنقاشات علنية، حرية المشي على شكل جماعات لا أفراد.. تلك ملامح تغييرنا ونحن نسير بعد عام على سقوط نظام الأسد.
تلك المظاهر على بساطتها كانت حلماً يئسنا لسنوات في الطريق إلى تحقيقه، أحبطنا لأيام وأوقات، بكينا لأجل ذلك، نسينا أحياناً انتماءاتنا ورحنا نبحث عن وجودنا في أماكن بعيدة، أو في سيناريوهات أخرى، وعادت إلينا ملحّة في أوقات أخرى، هزّتنا ذكراها وعملنا لتحقيقها، واستحضرناها في كل يوم مع أبنائنا علّهم يكملون ما بدأناه ولم يكتمل آنذاك.
لأجل ذلك لا يمكن مصادرة ما نشعر به اليوم من فرح، رغم القلق الذي يسكننا على ما حدث ويحدث، والمشكلات العالقة التي تحتاج إلى حلول وترتيب أولويات.
الفرح هو حقنا في زيارة مقابر من فقدناهم دون خوف، التغني بقصص وحكايات حفظناها وخفنا الإعلان عنها، تناقلناها في أماكن لجوئنا ونزوحنا دون أن نقدر على لمس المكان من جديد، أو الإشارة إليه بالأصابع.
هنا كان موت يسكن الشوارع، هذا مبنى سكنت فيه عند زواجي ودمّره برميل من مروحية، هناك مدرسة أشادها متطوعون في قبو حرصاً على حياة أبنائهم وتعليمهم، ذاك مستشفى تنقل بين بيوت مستأجرة، وفي كل مرة كان يموت ويعود للحياة على بعد أمتار، هذا سوق يضج بالباعة انتقمت منه طائرة وانتقم منها بعودة الضجيج، والقائمة تطول..
لم تتغير المدينة، لا يمكن لأحد أن ينقل المكان من مكانه، لكن شخوصه قتلوا، نزحوا، أو هُجّروا واعتقلوا.. بعضهم عاد إليها خلال العام الماضي، آخرون ينتظرون عودتهم، وهناك قسم ما زلنا نحمله في ذاكرتنا عصيّاً على العودة وحاضراً في الوجدان.
وإن كان المزاج الشعبي، اليوم، مقسماً بين متفائل ومشكك وقلق وخائف ومطمئن، وبين سرديات مؤلمة تحولت إلى خطاب كراهية ولوم للذات ومقارنات لأشخاص يمكن إلقاء اللوم عليهم أو مقارنات أخرى بين ما كان قبل أو بعد سقوط نظام الأسد والأحوال الحالية، إلّا أن حقيقة ثابتة وحيدة لا يمكن أن ينقص أحد منها (لقد سقط الأسد.. بعد أكثر من خمسين عاماً سوريا دون حكم عائلة الأسد).
في الطريق إلى استدامة هذا الفرح علينا أن نعود مجدداً إلى المواقف الأولى التي حملناها منذ اليوم الأول لهذه الثورة، إنها ثورة لأجل بناء البلد، ليست ضد شخص أو منظومة، هي ثورة مستمرة انطلقت من نواميسنا الإنسانية في الحرية والكرامة.
بعد عام من عودتنا إلى سوريتنا، هناك أرقام ودلالات تشير إلى طريق من التعافي، في الطريق هناك فوضى وأخطاء لا يمكن تجاهلها، تبدأ من الإنسان السوري وهمومه ولا تنتهي عند تحسّن لقمة عيشه وخدماته وثوابته.
عاد أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون إنسان من اللاجئين والنازحين داخلياً إلى سوريا، تحسّنت مصادر الدخل والكهرباء والخدمات الأخرى، استقطبت استثمارات خارجية وداخلية، تحسّنت العلاقات الدولية بسوريا، أزيل قسم من العقوبات الاقتصادية في انتظار إزالتها بالكامل.
في المقابل ما يزال خط الفقر حادّاً بنسبة تزيد عن 90 %، ارتفعت الإيجارات وتكاليف الخدمات، ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان في مناطق متفرقة، تصاعد خطاب الكراهية، ندرت المحاسبة، والأهم من ذلك ما تزال ملفات شائكة مؤجلة أهمها المفقودون الذين ما تزال عائلاتهم في انتظار ما يريح قلوبها، والمقابر الجماعية التي يبحث أهالي ساكنيها عن رفات أبنائهم لإقامة عزاء لهم يليق بتضحياتهم.
بعد عام من سقوط الأسد، بات لزاماً علينا أن نلمس ما مات وهجّر من أجله ملايين السكان، أن نشعر بالطمأنينة، أن تكتب السردية كما كانت لا كما فرض عليها أن تكون.
بعد عام من سقوط الأسد، ما يزال صوتنا حادّاً وسيبقى، عالياً وسيبقى، ما نزال نمتلك من العناد ما يبقينا متيقظين دوماً كي لا تسرق سوريتنا من جديد، ما نزال نستطيع البكاء والتظاهر وكتابة الأغنيات. ما نزال قيد الذاكرة التي ستحمينا دائماًَ.
بعد عام من سقوط الأسد، ما نزال نعرف الفرح، تخليداً واحتفاء بما كنا جزء منه، ومعاً كنا هذا النصر كلّه، نحن حراس الثورة وأمناؤها ونواطير المدينة وبناؤوها.
