“وأخيرًا تدفق الماء من صنابير المنزل” تقول باسمة السايح، سيدة من أهالي مدينة الباب شمال شرقي حلب بعد انتهائها من واجباتها المنزلية وتفقد خزان الماء الذي امتلأ بعد ضخ المياه عبر الشبكة في مشهد افتقده أهالي المنطقة لسنواتٍ.
كانت باسمة خلال سنوات الانقطاع تلاحق صهاريج المياه وتعدّ الساعات وأحيانًا الأيام انتظاراً لدورها، وقفت تراقب أمام ما ظنّته حلمًا من الماضي. تقول: “على الرغم من أن المياه تضخ كل ثلاثة أيام إلا أن الوضع أفضل بكثير من السابق”.
يلخص مشهد المياه المتدفقة تحوّلًا كبيرًا شهدته المدينة مع عودة مياه محطة عين البيضا إلى شبكتها في التاسع من تشرين الثاني الفائت، بعد انقطاع بدأ عام 2017 حين سيطرت قوات نظام الأسد على محطتي الخفسة وعين البيضا وقطعت المياه عن مدينة الباب وريفها.
اضطر الأهالي، آنذاك، للاعتماد على الآبار في قرى ومدن منها صنديد وسوسيان الراعي، ما تسبب بتراجع منسوب المياه الجوفية عامًا بعد عام بسبب الطلب المتزايد وموجات النزوح التي ترافقت مع التغيرات المناخية والجفاف، الأمر الذي فرض حلولاً منهكة لسنوات.
صهاريج تجوب الشوارع، أدوار طويلة لشراء الماء، وعبوات يحملها السكان لمسافات بعيدة، خزانات منتشرة عند مداخل المنازل. كان مشهدًا يوميًا يرهق المدينة والريف، فالحصول على الماء كان مهمة شاقة لا بدّ منها لتأمين أدنى الاحتياجات.
جاء افتتاح محطة عين البيضا ليغيّر هذا كله. المشروع، المنفذ بالتعاون بين مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) واليونيسف والصليب الأحمر وبتمويل من صندوق سوريا الإنساني (SHF)، أعاد الماء إلى الشبكة الرئيسية.
ووفق (OCHA)، سيؤمن المشروع مياهًا نظيفة لأكثر من 250 ألف شخص، ويرفع حصة الفرد من 30 إلى 60 لترًا يوميًا، ما يقلل مخاطر الأمراض ويزيد قدرة الأطفال على الالتزام بالمدارس.
وزير الطاقة السوري المهندس محمد البشير، قال في الافتتاح إن الأمر “ليس مجرد ضخ ماء، بل ضخ أمل وحياة واستقرار”، موضحًا أن طاقة الضخ الحالية تبلغ 20 ألف متر مكعب يوميًا لتغذية آلاف العائلات في ريف حلب الشرقي.
التحولات التقنية التي أعادت المحطة إلى العمل جاءت بعد جهود معقّدة. المهندس محمد الجبلي، مسؤول وحدة المياه في مدينة الباب، أوضح في تصريح لـ فوكس حلب “أنّ المدينة كانت تعتمد على أكثر من عشرة آبار في سوسيان تُنقل مياهها إلى خزان جبل عقيل عبر مشروع يعمل بالطاقة الشمسية”.
وأضاف أن “أكبر التحديات تمثلت في منع نظام الأسد لأي أعمال صيانة أو تطوير للمحطة طوال السنوات الماضية، إلى جانب تهالك المعدات اللازمة للضخ”.
وبعد إعادة التأهيل، باتت القدرة الإنتاجية للمحطة بحسب الجبلي تتراوح بين 1150 و1200 متر مكعب في الساعة عبر أربع مضخات، ثلاث رئيسية ورابعة احتياطية.
وتغطي المياه اليوم مدينة الباب ومدن تادف وبزاعة وقباسين، إضافة إلى قرى أبو طلطل والسفلانية وقبر المقري وعويلان وقديران. يؤكد الجبلي أن المياه باتت تصل إلى نحو 90 بالمائة من هذه المناطق، فيما تعاني المناطق المرتفعة أو التي تمتلك شبكات قديمة من ضعف في الضخ، مع بقاء الدور كل خمسة أيام بسبب التوسع العمراني والكثافة السكانية.
وبينما تتكفل فرق الصيانة بإصلاح الخطوط يوميًا، يجري تنفيذ مشروع لتوسيع شبكة مدينة الباب أربعة كيلومترات بالتعاون مع “هيئة الإغاثة الإنسانية” (IYD). كما تعمل الفرق الفنية مع السكان على إعادة تأهيل شبكات المياه في تادف، مع وجود خطط لإصلاح خط الماء الرئيس في أبو طلطل وآخر في قبر المقري لتحسين وصول المياه بالكامل.
تبدو ملامح التحسن واضحة في المناطق التي وصلتها المياه، نسرين فلاحة، من حي اليماني بمدينة الباب، تختصر التغيير فتقول: “أكيد وضع الماء تحسن.. لا مجال للمقارنة أبدًا مع الوضع قبل ضخ المياه عبر الشبكة”.
أما حمدو الإبراهيم فيصف كيف تبدلت تفاصيل حياته منذ اليوم الأول لوصول الماء إلى منزله: “تغيّرت حياتنا للأفضل.. فعوضاً عن نقل العبوات عبر دراجتي النارية صرت انتظر دور الحي وأملأ خزان بيتي دون عناء”. ويضيف ضاحكًا: “صرت أستحمّ على راحتي بدون تأنيب ضمير، أو خوف من نفاد الماء وأنا في الحمام”.
لم تخدم الشبكة المنطقة بأكملها، فبعض القرى ما تزال تواجه انقطاعًا حتى الآن، أبرزها قبر المقري. يقول أبو حسين، من سكان القرية، إن المياه لم تصل بسبب عطل في اللولب الرئيس والكسور المتفرقة في شبكة التمديدات، ما يدفع الأهالي إلى الاعتماد على الصهاريج. لكنه يضيف بتفاؤل: “إن وصول المياه إلى القرى المجاورة أعاد لنا الأمل”، لذلك فإنه يطالب باسمه وباسم أهالي القرية بتسريع إصلاح الأعطال.
رغم التحسن الكبير، يدرك سكان الباب أن الحل لا يكون بلمسة سحرية. فالشبكات المتهالكة، والبيوت التي تحتاج لإعادة ترميم، ومسار الضخ الذي يواجه تحديات يومية، كلّها عوامل تجعل عودة المياه خطوة أولى لا أكثر. ومع ذلك، فإن رؤية الماء في صنابيرهم بعد سنوات من الانتظار كافية لتعيد إليهم شيئًا من حياة يبدو أنهم بدؤوا يسترجعونها قطرةً قطرة.
