على الطريق المؤدي إلى مدرستها في مدينة معرة النعمان جنوبي إدلب، تمشي المعلمة كوثر رفقة طفلتيها بين أبنية أُعيد ترميمها على عجل، ومدارس ما تزال تحمل آثار القصف والسنوات الطويلة من النزوح.
عادت كوثر هذا العام إلى بيتها بعد ترميمه، وبدأت بتدريس الصف الثاني في مدينتها بعد ستة أعوام قضتها متنقلة بين مدارس إدلب. وجدت كوثر نفسها وأقرانها من المعلمين أمام مشكلات لا تقف عند حدود الأعداد الكبيرة في الغرف الصفية، والبنية التحتية المهدّمة، و تتعداها لنقص في الكتب المدرسية والقرطاسية والوسائل التعليمية.
في طريقها تسمع كوثر أصوات التلاميذ الصادرة من باحة مدرسة الحي القريبة وهم يستعدون للاجتماع الصباحي. طوابير صباحية طويلة تقارنها بعدد الغرف التي ستضمهم، ثم تهرع مسرعة كي لا يفوتها وقت الحصة الأولى.
توضح كوثر أن مدرسة واحدة فقط جرى ترميمها في كل حي لاستقبال التلاميذ، وهو ما أدى إلى اكتظاظ غير مسبوق، إذ تضم كل غرفة صفية أكثر من خمسين تلميذاً، ما يسبب فوضى تُعيق سير الدروس.
إلى جانب الاكتظاظ، تواجه المدارس نقصًا في الكتب، بعد تأخر تسليم الدفعات لأكثر من شهر ونصف الشهر من بداية العام، وما تزال هناك كتب مفقودة حتى اللحظة مثل الاجتماعيات والإسلامية. يزيد الضغط على المدارس ويصّعب استعادة الاستقرار التعليمي فيها عودة كثر من اللاجئين والنازحين إلى سوريا.
تشير أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من مليون و200 ألف لاجئ عادوا منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، معظمهم من تركيا، إضافة إلى أكثر من 1.9 مليون نازح داخليًا، بينهم نحو مليون عادوا من مناطق النزوح في الشمال. بينما ما يزال نحو سبعة ملايين نازح داخل البلاد.
لا يختلف الوضع في مدرسة كوثر عن بقية مدارس معرة النعمان، إذ تشير المعلمة هبة إلى أن جزءًا من المناهج وصل فقط إلى نحو 80% من التلاميذ، بينما ما يزال بقية الطلاب بلا كتب، في وقت يعجز فيه الأهالي عن شرائها. تقول: “كثير من التلاميذ يحملون أكياسًا عوضاً عن الحقائب، وينتعلون أحذية خفيفة أو بالية، فكيف يمكن لذويهم تحمّل تكلفة طباعة الكتب”؟.
تضيف كوثر أن النقص في الكتب لا يقتصر على مدارس معرة النعمان، بل يشمل معظم مدارس ريف إدلب الجنوبي والشرقي، إذ أدى التأخر المستمر في التوزيع إلى صعوبة كبيرة في إيصال المعلومات التعليمية، واضطرار المعلمين لاستخدام وسائل بديلة على نفقتهم الخاصة.
تشير إلى أن السبب الرئيس هو الإجراءات الإدارية الخاصة بإدخال الكتب المطبوعة في تركيا، إضافة إلى زيادة عدد التلاميذ عن القوائم التي رفعت للوزارة، ما خلق فجوة لم تتمكن المديرية من رأبها حتى الآن، لكنها تؤكد أنها تسعى لتأمين المناهج والمستلزمات التعليمية في الأيام القليلة المقبلة.
ومع استمرار هذا التأخر، تضطر بعض الأمهات مثل أم حازم من قرية تل مرديخ إلى تعليم أطفالهن عبر الهواتف المحمولة، محددة لكل طفل وقتًا لحل واجباته. تقول: ” إنها أيام قاسية علينا جميعًا. أنا ضد أن يحمل الأطفال الجوال، لكن الظروف فرضت علينا ما لا نريده”.
ومع اتساع دائرة النقص داخل مدارس المدينة، تضطر المعلمة هبة إلى استبدال أدوات الرياضة الأساسية ببالونات ملوّنة وأكواب فارغة، في محاولة لتعويض ما لا يتوفر من مستلزمات بسيطة.
يتعدّى النقص الأدوات التعليمية إلى لوجستيات قاعات المدرسين مثل الكراسي والطاولات. لذا أحضرت هبة معها سجادة صغيرة لتجلس عليها أثناء استراحتها. تقول هبة: “أبسط مقومات العمل غير موجودة. لا غرفة إدارة، ولا حتى كرسي واحد تجلس عليه المعلمات، فنضطر للتناوب على مقعد فائض عن حاجة الطلاب. ومع بدء فصل الشتاء لا نعرف إن كانت المدافئ ومواد التدفئة ستصل هذا الشتاء أم لا؟”.
تصف هبة بدايات العام الدراسي الحالي، بـ “الكارثي”، مع التحاق أكثر من ألفي طالب في المدرسة، قبل افتتاح فوج إضافي خفّف من حدّة الازدحام، فعدد الطلاب داخل الشعبة الواحدة يتجاوز 45 طالبًا. ورغم ذلك، يواجه 20% من الطلاب نقصًا كاملًا في الكتب.
لا تختلف الحال في بقية القرى والبلدات المجاورة، إذ يشكو المعلمون والأهالي من الاكتظاظ ونقص الكتب واللوجستيات، إلى جانب قلّة الرواتب مقارنة بارتفاع الأسعار وتزايد أعباء المعيشة بعد العودة. راتب هبة الذي تتقاضاه (نحو 130 دولاراً) بالكاد يغطي أجور النقل وإيجار المنزل، دون أي قدرة على تحمل مصاريف إضافية للتلاميذ أو للمدرسة.
مدير مجمع معرة النعمان التربوي مازن قيطاز، يقول إن المنطقة تضم 251 مدرسة، منها 192 مدرسة مفعّلة، ما يزال جزء كبير منها بحاجة إلى ترميم وتأهيل. ويبلغ عدد الكوادر التعليمية 2453 معلمًا ومعلمة، فيما يتجاوز عدد التلاميذ 50 ألفًا.
ورغم الجهود المبذولة لتوفير المقاعد والسبورات وتوزيع الكتب، ما تزال الحاجة ملحّة، خاصة في ظل الاكتظاظ الذي يصل في بعض الصفوف إلى أكثر من 60 طالبًا، ما يجعل عملية الترميم والتأهيل عملية طويلة الأمد.
وفي ظل هذا الواقع التعليمي المتأزم، شهدت إدلب إضرابًا شمل نحو 350 مدرسة تحت شعار “إضراب الكرامة”، احتجاجًا على قلة الرواتب. مدارس معرة النعمان قررت عدم المشاركة في الإضراب، كما توضح المعلمتان هبة وكوثر: “ناقشنا الأمر وقررنا عدم الإضراب. طلاب هذا العام عانوا بما فيه الكفاية من الاكتظاظ وتأخر الكتب، وتعطيل المدارس سيزيد الطين بلّة”.
ما تواجهه المدارس اليوم يكشف حجم الهوة بين الاحتياجات المتزايدة والإمكانات المتاحة. فالاكتظاظ، وتأخر الكتب، وغياب المستلزمات الأساسية، وقلة الرواتب، كلها عوامل تُثقل كاهل المعلمين والطلاب معًا في منطقة تحاول النهوض بعد سنوات من النزوح والدمار.
وبينما تستمر عودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم، تبدو المدارس خط الدفاع الأول عن استقرار هذه العودة ونجاحها. ومع ذلك، يبقى مستقبل التعليم مرهونًا بقدرة المؤسسات المحلية والمنظمات الداعمة على سدّ الفجوات العاجلة، حتى لا تتحول رحلة العودة إلى عبءٍ مضاعف.
