فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

لجنة “الغصب البيّن” في حلب تثير جدلًا واسعًا حول عدالة قراراتها

وسيم الحلبي

تشكّلت لجنة “الغصب البيّن” في حلب لإعادة الحقوق إلى أصحابها، لكنّ عملها أثار أسئلة أكثر مما قدّم إجابات: هل تنصف قراراتها المظلومين، أم تُعيد إنتاج المظلومية بشكل جديد؟

في مبنى المحافظة وأمام مكتب لجنة “الغصب البيّن”، يقف يوميًّا عشرات المتضررين، يحملون ملفاتهم وأوراقهم الرسمية، يبحثون عن قرار يعيد لهم ما فقدوه خلال الحرب، مثل استرجاع ممتلكات مسلوبة أو طلب تأجيل قرار إزالة غصب عن عقاراتهم.

تبدو ملامح التعب والضغط النفسي على أشخاص رأيناهم عند زيارتنا للمكان. وجوه شاحبة، عيون دامعة، وأجساد تقف مثل المسمار رافضة التحرك من مكانها خشية أن يضيع دورها بعد طول انتظار، وإحباط يطغى على المراجعين أمام ما وصفوه ببطء الإجراءات وغموض آليات اتخاذ قرارات اللجنة.

في آذار 2025، أعلن محافظ حلب، عزام الغريب، عن تشكيل لجنة “الغصب البيّن” لمعالجة قضايا الاستيلاء غير القانوني على العقارات، خاصة تلك التي فقدها مهجرون خلال سنوات الحرب.

مهمة اللجنة التحقق من الملكية قبل عام 2011 وإعادة العقارات إلى أصحابها الشرعيين بعد التنسيق مع دائرة الشكاوى وشرطة المدينة لضمان التنفيذ ومنع النزاعات. وهو ما اعتبره الأهالي خطوة لإحقاق العدالة، لكنها تحوّلت سريعًا إلى ملف جدلي أثار موجة انتقادات واتهامات بالتسرع والتعسف.

يقول متضررون التقيناهم في مبنى المحافظة، (فضلوا عدم ذكر أسمائهم لأسباب أمنية) إن اللجنة تُصدر قرارات إزالة واسترداد ملكيات خلال فترات قصيرة، أحيانًا من دون مراجعات قضائية كافية.

ويزيد الوضع تعقيدًا صعوبة مقابلة المسؤول المباشر خلال المهلة القانونية المحددة، بسبب عدم وجود من ينوب عنه أثناء انشغاله خارج المكتب، حسب وصفهم، ما يجعل المراجعين في مواجهة قرارات عاجلة.

في إحدى الحالات التي قابلناها، استندت لجنة “الغصب البيّن” إلى وثائق تعود إلى عام 2022، يدّعي الطرف المشتكي أنها مزورة. وعلى الرغم من أن صاحب العقار قدم أوراقًا رسمية من المحكمة تثبت وجود قضايا تزوير ضد الطرف الآخر وعدم صدور حكم نهائي عن المحكمة حتى اللحظة، فقد أقرّت اللجنة الحكم لصالح الطرف المُزوِّر.

يقول صاحب الدعوة الذي فضل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية: “هناك فجوة سببها سرعة الإجراءات التنفيذية التي تعتمدها اللجنة، وبطء المسار القضائي في النظر بالاعتراضات، الأمر الذي يضع أصحاب الحقوق في موقف حرج، إذ تُنفَّذ القرارات قبل استكمال مراحل التقاضي”.

يتابع شرحه لافتًا إلى أن غياب آلية واضحة للمراجعة، أدت إلى أخطاء تمس بحقوق الملاك الشرعيين. لذلك يرى أنه من الضروري توسيع فريق اللجنة وتوفير آليات واضحة للمتابعة، لضمان مراجعة الملفات بدقة وعناية قبل اتخاذ أي قرار، بما يحقق العدالة والشفافية في عمل اللجنة.

إبراهيم هلال، المحامي والناشط الحقوقي في حلب والمطّلع على عدة حالات قيد النظر أمام لجنة “الغصب البيّن”، وصف القرار في الحالة المذكورة آنفًا بأنه “غير منصف”، بسبب وجود “دعوى جوهرية أمام القضاء تتعلق بالتزوير مرتبطة بالموضوع ذاته”.

يعقّب هلال: “تبّين من خلال التطبيق العملي لعمل اللجنة وجود خلل واضح في أدائها، إذ نظرت في شكاوى ما تزال منظورة أمام القضاء، وهو خطأ كبير أدّى إلى تضارب الأحكام والقرارات. كما أن كادر اللجنة غير كافٍ لدراسة جميع الشكاوى بدقة، ما ينعكس سلبًا على القرارات ويُضعف من صحتها وعدالتها”.

وتشير تقارير صحفية دولية إلى تفاقم ظاهرة التزوير العقاري في المناطق السورية التي شهدت نزوحًا واسعًا، إذ استغلت شبكات فاسدة، إبان حكم نظام الأسد، حالة الفوضى وغياب أصحاب العقارات للاستيلاء على ممتلكاتهم.

صحيفة الغارديان (The Guardian) ذكرت في تحقيق أن “الوثيقة المزوّرة واحدة من بين العديد من الوثائق التي تستخدمها شبكات فاسدة تستفيد من الفوضى لسلب اللاجئين ممتلكاتهم”، موضحةً أن هذه الشبكات تلجأ أحيانًا إلى استخدام المحاكم والإجراءات الشكلية لتشريع عمليات الاحتيال، في ظل غياب المالكين وعجزهم عن العودة للدفاع عن حقوقهم.

تبرز هذه الظاهرة بشكل خاص في مدينة حلب، التي شهدت نزوحًا واسعًا وتدميرًا في سجلاتها العقارية خلال سنوات الصراع، ما جعلها بيئة خصبة لنزاعات الملكية وعمليات التزوير والاستيلاء على المنازل، الأمر الذي أدى إلى تعقيد جهود إعادة الحقوق إلى أصحابها الأصليين والعائدين بعد سنوات من التهجير.

يقترح هلال حلولًا لعلاج الإشكاليات من هذا النوع، يقول: “الحل الأمثل هو تزويد اللجنة بكوادر متخصصة، وتقسيم المدينة إلى قطاعات لتشكيل لجان متعددة، لتحري الدقة في أخذ القرارات، إذ إن التسرع في إصدار القرارات دون دراسة دقيقة وواضحة ينعكس سلبًا على النتائج ويكون مدعاة لإيقاع الظلم على أصحاب العقارات”.

يمكن للمتضرر التظلم أمام القضاء وطلب وقف تنفيذ القرار، لكن المشكلة تكمن في بطء الإجراءات القضائية مقارنة بسرعة عمل اللجنة. 

يؤكد المتحدث باسم المحافظة أن اللجنة تلقت نحو 624 شكوى، تم التعامل مع حوالي 411 منها، والبتّ في 88 حالة وإزالة الغصب عنها، فيما تتواصل التحقيقات في 55 حالة، وأُحيلت 30 حالة إلى القضاء المدني لكونها خارج اختصاص اللجنة.

ما هو غامض بالنسبة لأصحاب الدعاوى هو متى تتم إحالة القضايا المتبقية إلى القضاء، وما هي المعايير التي تعتمدها اللجنة في تحديد الحالات التي تدخل ضمن اختصاصها وأيها تُحال إلى الجهات القضائية.

في هذا السياق، وجّه مراجعون اتهامات للّجنة تتعلق بغياب شفافية عمل اللجنة ودقة إجراءاتها واحترامها للحقوق القانونية والضمانات القانونية المتاحة، وآليات حماية المتضررين.

غير أنّ المتحدث الإعلامي باسم المحافظة لم يقدّم ردًا مباشرًا على تلك الاتهامات، مكتفيًا بالتشديد على قانونية عمل اللجنة والإشارة إلى ما حققته من إنجازات.

يتمنى المحامي هلال ومتضررون التقيناهم أن يتم توسيع لجنة “الغصب البيّن” بحيث يتوفر لأعضائها الوقت الكافي لدراسة الملفات بدقة وعناية قبل إصدار أي قرارات، أو اللجوء إلى القضاء كخيار لحل النزاعات العقارية في حلب، لضمان العدالة وحماية حقوق أصحاب العقارات الشرعيين ومنع الظلم.