من مخيم برج الديموس، التابع لبلدة خربة الجوز غربي جسر الشغور، ينطلق السبعيني أبو محمود صباح كل يوم متجهًا لدكان استأجره، ليكسب الرزق من عمله بإصلاح الأحذية.

يجلس على كرسيه أمام طاولة محاطًا بأكوام الأحذية، يركن عليها أدواته اليومية: إبر، خيوط، مقصات، مخارز، مسامير ومطرقة. يغلف أصابع كفه بقطع قماش لتجنّب الوخز. يمسك حذاءً مهترئًا ويطرق على المسامير الصغيرة بدقة وخفّة.

يتقن أبو محمود الذي ينحدر من بلدة بداما غربي جسر الشغور، مهنته التي تعلّمها بنفسه. يتعامل مع كل حذاء بحسب نوعه، يخيط، يلصق ويصلح.
يقصده الزبائن من المخيم والمناطق القريبة، يتركون أحذيتهم ويعودون لاحقًا لاستلامها. يقول: “وضع الناس صعب، وأنا أحاول المساعدة بأجور رمزية على قدر استطاعتي”.

قبل هذا العمل كان أبو محمود يخدم في الشرطة العسكرية، وسكن في مكان خدمته بمدينة طرطوس لسنوات قبل أن يُسجن خلال أحداث عام 1980، ظلماً، بحسب روايته.
خرج بعد أحد عشر عامًا ليجد أبناءه الأربعة قد كبروا، وزوجته أنهكتها الحياة وسنوات العمل في بيوت الناس. يقول بحزن: “السجن أخذ مني أولادي، لم أستطع تربيتهم كما كنت أحلم”.

بعد إخلاء سبيله بعام قدم طلب تسريح واتجه للعمل بالمقاولات، لكن الحرب غيّرت مسار حياته مجددًا. أنفق كل ما يملك لاستعادة جثمان ابنه أنس الذي قُتل برصاص قوات الأسد أثناء مشاركته بمظاهرة في ساحة أوغاريت باللاذقية، وعاد بعدها للسكن في قريته، ثم إلى المخيم عام 2016.

توفيت أم محمود العام الماضي، واليوم يعيش الرجل مع حفيديه اللذين يربيهما منذ ست سنوات بعد أن انفصل والديهما ورحل كل واحد منهما إلى وجهة مختلفة. يهتم بدروسهما، ويعدّ لهما طعامًا بسيطًا من الحواضر والمعلبات. يقول: “لا أجيد الطهي”.
يمشي الحفيدان يوميًا قرابة ثلاثة كيلومترات ذهابًا وإيابًا للوصول إلى المدرسة، فيما يراقبهما الجد بعينٍ تحلم بأن يحقق بهما ما لم يستطع تحقيقه بأبنائه.

يؤمن أبو محمود بأن العمل يبقي الإنسان واقفًا ويكسبه كرامته. يطرق بخفةٍ على حذاءٍ قديم، يقول: “كل ضربة مطرقة تذكرني بأن الحياة، رغم قسوتها، يجب أن تُعاش بكرامة”.





















محمد، حفيد أبي محمود. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
