فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الإسكافي أبو محمود خذلته الحياة ووجد في العمل كرامته

هيام الباشا

سنوات الاعتقال لم تكسره، بل كانت حافزًا لبناء نفسه من جديد. خارج القضبان الحديدية، تعلم حرفة إصلاح الأحذية البالية ليكتسب من العمل كرامته ومن الصبر حياةً جديدة

من مخيم برج الديموس، التابع لبلدة خربة الجوز غربي جسر الشغور، ينطلق السبعيني أبو محمود صباح كل يوم متجهًا لدكان استأجره، ليكسب الرزق من عمله بإصلاح الأحذية.

أبو محمود يذهب إلى عمله. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
أبو محمود يذهب إلى عمله. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا

يجلس على كرسيه أمام طاولة محاطًا بأكوام الأحذية، يركن عليها أدواته اليومية: إبر، خيوط، مقصات، مخارز، مسامير ومطرقة. يغلف أصابع كفه بقطع قماش لتجنّب الوخز. يمسك حذاءً مهترئًا ويطرق على المسامير الصغيرة بدقة وخفّة.

 أبو محمود يستلم أحذية من زبائنه. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
أبو محمود يستلم أحذية من زبائنه. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا

يتقن أبو محمود الذي ينحدر من بلدة بداما غربي جسر الشغور، مهنته التي تعلّمها بنفسه. يتعامل مع كل حذاء بحسب نوعه، يخيط، يلصق ويصلح.

يقصده الزبائن من المخيم والمناطق القريبة، يتركون أحذيتهم ويعودون لاحقًا لاستلامها. يقول: “وضع الناس صعب، وأنا أحاول المساعدة بأجور رمزية على قدر استطاعتي”.

رأس أبو محمود عليه آثار التعذيب الذي تلقاه فترة اعتقاله. خربة الجوز، ريف جسر الشغور،  تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
رأس أبو محمود عليه آثار التعذيب الذي تلقاه فترة اعتقاله. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا

قبل هذا العمل كان أبو محمود يخدم في الشرطة العسكرية، وسكن في مكان خدمته بمدينة طرطوس لسنوات قبل أن يُسجن خلال أحداث عام 1980، ظلماً، بحسب روايته.

خرج بعد أحد عشر عامًا ليجد أبناءه الأربعة قد كبروا، وزوجته أنهكتها الحياة وسنوات العمل في بيوت الناس. يقول بحزن: “السجن أخذ مني أولادي، لم أستطع تربيتهم كما كنت أحلم”.

أبو محمود يحكي قصة استشهاد ابنه أنس. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
أبو محمود يحكي قصة استشهاد ابنه أنس. خربة الجوز، ريف جسر الشغور، تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا

بعد إخلاء سبيله بعام قدم طلب تسريح واتجه للعمل بالمقاولات، لكن الحرب غيّرت مسار حياته مجددًا. أنفق كل ما يملك لاستعادة جثمان ابنه أنس الذي قُتل برصاص قوات الأسد أثناء مشاركته بمظاهرة في ساحة أوغاريت باللاذقية، وعاد بعدها للسكن في قريته، ثم إلى المخيم عام 2016.

أبو محمود يستقبل حفيديه بعد عودتهما من المدرسة. خربة الجوز، ريف جسر الشغور. تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
أبو محمود يستقبل حفيديه بعد عودتهما من المدرسة. خربة الجوز، ريف جسر الشغور. تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا

توفيت أم محمود العام الماضي، واليوم يعيش الرجل مع حفيديه اللذين يربيهما منذ ست سنوات بعد أن انفصل والديهما ورحل كل واحد منهما إلى وجهة مختلفة. يهتم بدروسهما، ويعدّ لهما طعامًا بسيطًا من الحواضر والمعلبات. يقول: “لا أجيد الطهي”.

يمشي الحفيدان يوميًا قرابة ثلاثة كيلومترات ذهابًا وإيابًا للوصول إلى المدرسة، فيما يراقبهما الجد بعينٍ تحلم بأن يحقق بهما ما لم يستطع تحقيقه بأبنائه.

طعام لميس ومحمد في محل جدهما. خربة الجوز، ريف جسر الشغور. تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا
طعام لميس ومحمد في محل جدهما. خربة الجوز، ريف جسر الشغور. تشرين الأول 2025. تصوير: هيام الباشا

يؤمن أبو محمود بأن العمل يبقي الإنسان واقفًا ويكسبه كرامته. يطرق بخفةٍ على حذاءٍ قديم، يقول: “كل ضربة مطرقة تذكرني بأن الحياة، رغم قسوتها، يجب أن تُعاش بكرامة”.