فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

صناعة صابون الغار في حلب تستعيد نشاطها بعد سنوات من التوقف

فرهود الأحمد

يحاول صابون الغار الحلبي استعادة اسمه كمنتجٍ سوريٍّ عريق في سوقٍ تتغير ملامحها

عادت رائحة صابون الغار لتفوح مجددًا في أزقة حلب القديمة، وفتحت المصابن أبوابها مستعيدةً عراقتها كرمز لهوية المدينة وذاكرتها الاقتصادية. ومع عودة الحياة إلى هذه الحرفة العريقة، يواجه صابون الغار الحلبي، المعروف بـ”الذهب الأخضر”، تحدّيات تتعلّق بنقص الأيدي العاملة وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب الحماية القانونية والدعم الرسمي.

خسرت هذه الصناعة خلال الحرب أكثر من 200 مصبنة، دُمّرت جزئيًا أو كليًا، ثم جاء زلزال شباط 2023 ليخرج ما تبقّى منها عن الخدمة. ومع ذلك، بدأ بعض أصحاب المصابن بالعودة تدريجيًا إلى العمل، متحدّين كل الظروف.

يقول هشام الجبيلي، أحد صانعي الصابون في حلب لـ”لفوكس حلب” إنّ عدد المصابن العاملة حاليًا يبلغ نحو 50 مصبنة، خمس منها فقط في الأحياء القديمة مثل باب النصر والجلّوم وباب قنسرين وباب الحديد، بينما تتوزّع الأخرى في مناطق متفرّقة من المدينة.

مرحلة طبخ صابون الغار في مصبنة الجبيلي بمدينة حلب، 2024.
مرحلة طبخ صابون الغار في مصبنة الجبيلي بمدينة حلب، 2024.

انتقلت العديد من الورش في السنوات الأخيرة إلى مناطق أكثر أمانًا، مثل عفرين ودمشق، في حين تأسّست في عفرين وحدها أكثر من 35 مصبنة جديدة. وانتقلت إلى تركيا علامات تجارية مثل “النايف” و”بركات” و”بغدادي” و”فنصة” بفضل التسهيلات الحكومية هناك.

يضيف “الجبيلي” أن إنتاج حلب من صابون الغار قبل عام 2010، كان يتجاوز 55 ألف طن سنويًا، لكنّه تراجع في السنوات الأخيرة إلى أقل من 20 طنًا متأثّرًا بظروف الحرب وصعوبة وغلاء أثمان المواد الأوّلية.

الصعوبات لا تقتصر على نقص العمالة أو الأوضاع الأمنية، بل تشمل الإجراءات الحكومية التي أثقلت كاهل الصناعيين. يقول “الجبيلي” إن ضغوط المالية والتموين والجمارك أجبرته قبل سقوط نظام الأسد على تقليص عدد العمال إلى اثنين فقط، بينما كان يرسل المواد إلى عفرين أو دمشق لتُطبخ وتُختم قبل تصديرها.

يُصنّع صابون الغار الحلبي من زيت المطراف الناتج عن البيرين، وزيت الغار، والصودا الكاوية (الكوستيك) والماء. وتعتمد المصابن على الزيوت المحلية، فيما يُستورد الكوستيك من تركيا ومصر وإيران والكويت.

مرحلة تنشيف صابون الغار في مصبنة الجبيلي بمدينة حلب، 2024.
مرحلة تنشيف صابون الغار في مصبنة الجبيلي بمدينة حلب، 2024.

يُفضّل “الجبيلي” زيت الغار التركي لجودته مقارنة بالسوري، موضحًا أن تهريبه سابقًا عبر عفرين كان يكلف نحو 2000 دولار للطن، بينما أصبحت المعابر اليوم مفتوحة دون رسوم.

تسببت القيود الحكومية سابقًا بعرقلة حركة الإنتاج، إذ كانت الجمارك تعتبر الصابون القادم من عفرين “مهرّبًا”، مما رفع تكاليف النقل إلى العراق إلى نحو 250 دولارًا للطن، مقارنة بـ 75 إلى 100 دولار عبر تركيا.

في سوق الصابون قرب ساعة باب الفرج، يُباع الكيلو الذي يحوي 5 بالمئة من زيت الغار بنحو دولارين، فيما يصل إلى أكثر من 8 دولارات عند ارتفاع النسبة إلى 40 بالمئة. يوضح هشام الجبيلي أن أفضل الخلطات تحتوي على 12 برميل غار مقابل 8 من المطراف، بينما تُسمّى أدنى الخلطات “غار صاغ” عندما يخلط برميل واحد من الغار مقابل 20 برميلًا من المطراف.

ويذكر الجبيلي أن العراق ما يزال في صدارة الأسواق المستورِدة، يليه الخليج، ثم أوروبا، خاصة فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، إلى جانب هونغ كونغ وماليزيا والهند واليابان، لافتًا إلى تزايد الطلب الأميركي أخيراً بعد رفع بعض القيود التجارية.

من بين المصابن التي عادت إلى الحياة، مصبنة “زنابيلي” التي يزيد عمرها على 150 عامًا، فبعد أن دمّرها زلزال شباط 2023، أعاد الحاج مازن زنابيلي ترميمها جزئيًا قبل وفاته، ليتابع ابنه المهندس وسيم العمل على إحياء اسم العائلة ورفع جودة المنتج. إلا أن السرقات المتكررة ونقص العمالة فرضت على المصبنة العمل بطاقة محدودة.

مصبنة الزنابيلي لصناعة صابون الغار في مدينة حلب
مصبنة الزنابيلي لصناعة صابون الغار في مدينة حلب

وفي مصبنة زنابيلي تُستخدم تسميات مميزة للصابون مثل “صاغ”، “إكسترا”، “عال”، “ممتاز”، “شجرة مباركة”، و”غار بديع” وفق نسبة زيت الغار في الطبخة.

يحتفظ السوق العراقي بمكانته كأهم سوق لصابون الغار الحلبي المعروف هناك باسم “الرقيّ”، رغم تراجع مؤقت عقب توقف النقل البري خلال الأشهر الأولى بعد سقوط نظام الأسد.

يشير وسيم زنابيلي إلى أن ارتفاع أجور الشحن، التي تصل إلى 200 دولار لشحنة 30 كيلوغرامًا إلى سلطنة عمان، يحدّ من انتشار المنتج في الخليج، بينما يبحث بعض التجار عن بدائل أقلّ تكلفة.

مصبنة الزنابيلي لصناعة صابون الغار في مدينة حلب
مصبنة الزنابيلي لصناعة صابون الغار في مدينة حلب

يقول أبو أحمد عطار، أحد موردي الزيوت في باب النصر لـ”فوكس حلب” إن سعر طن زيت الغار أو المطراف يتراوح بين 700 و800 دولار، بينما يصل سعر الكيلوغرام من الكوستيك إلى نحو 60 سنتًا. هذا التفاوت ينعكس على أسعار الصابون في الأسواق، إذ تتراوح بين 2 و20 دولارًا للكيلوغرام بحسب نسبة زيت الغار وجودة التشطيب.

أُدرج صابون الغار الحلبي في كانون الأول 2024 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو، ما أضفى عليه بعدًا ثقافيًا وحماية دولية. واليوم يأمل صنّاع الصابون أن يسهم رفع العقوبات وتفعيل نظام التحويلات المالية (سويفت) في إنعاش التصدير وتسهيل نقل الأموال، مؤكدين أن استقرار الأسعار وتوفير الطاقة وضبط تكاليف الشحن عوامل أساسية للحفاظ على هذه الحرفة المتجذّرة وإعادة بريق “الذهب الأخضر” إلى أسواق العالم.