لفظ الطفل مهنا، عامان ونصف العام، في بلدة الحاضر بريف حلب الجنوبي، أنفاسه الأخيرة إثر لدغة أفعى بينما كان يلعب في فناء المنزل. يقول والد مهنا: “ارتفعت حرارته بسرعة، لم يكن هناك مصل مضاد للدغة الأفعى في الصيدلية التي أسعفته إليها، كان الخيار هو الوصول إلى مستشفيات حلب التي تبعد نحو 30 كيلو متراً، لكنه توفي قبل أن نصل”.
ويضيف أن الطبيب الذي عاين جثة ابنه أخبرهم “أن مصل الأفاعي كان كفيلاً بإنقاذه، لكن غياب الأدوية والمعدات في المركز الصحي ببلدة الحاضر وبعد المسافة عن أقرب مستشفى سلبا الطفل حقه في النجاة”.
وفاة الطفل مهنا ليست استثناء، بل تعكس واقعاً صحياً هشّاً يعيشه سكان ريف حلب الجنوبي يومياً، إذ تفتقر المنطقة إلى مستشفيات أو مراكز طبية مجهزة بشكل كاف حتى اليوم. وما عاشه والد مهنا تكرر في بلدات أخرى من الريف ذاته.
في بلدة حوير العيس، بريف حلب الجنوبي، عاش مصطفى الأحمد، أحد أبناء المنطقة، تجربة مشابهة بعد تعرض والدته للدغة أفعى أيضاً. يقول “استغرقت عملية إسعاف والدتي عدة ساعات بينما كان يمكن إنقاذها خلال دقائق لو وُجد مركز طبي قريب”.
اضطر مصطفى لنقل والدته إلى بلدة كللي بريف إدلب الشمالي ثم إلى إدلب المدينة لإنقاذها وإعطائها الدواء اللازم، بينما لم يتمكن والد الطفل مهنا من إنقاذ طفله.
يصف مصطفى الوضع الصحي في ريف حلب الجنوبي بأنه “سيءٌ جداً”، ليس فقط لبُعد المرافق الطبية، بل أيضًا بسبب انتشار الأمراض الجلدية الناتجة عن كثافة الحشرات و القوارض والبعوض في قرى المنطقة.
ويُعزو هذا الانتشار إلى “غياب حملات رش المبيدات الحشرية”، إضافة إلى “عدم تنظيف مجرى نهر قويق الذي يمر عبر معظم تلك القرى”. ما يفرض ضرورة ملحة لإنشاء مراكز طبية مجهزة بالأدوية والمعدات اللازمة لتلبية احتياجات السكان الصحية.

في مدينة تل الضمان، يبدو الوضع أكثر قسوة. لا وجود لأي مستشفى، المستوصفات القليلة المتبقية متوقفة عن العمل أو تفتقر لأبسط التجهيزات. يقول إسماعيل العبيد “ابو مهند”، أحد سكان المنطقة، إن “أغلب السكان فقراء، لا يملكون سيارات خاصة للتنقل وإسعاف مرضاهم. إذا مرض أحدهم بعد فترة الظهيرة -إذ تقل حركة السير والمواصلات- قد يواجه مضاعفات خطيرة قبل أن يصل إلى أي مستشفى”.
افتقار المنطقة للخدمات الطبية والمراكز الصحية والمستشفيات دفعت نازحين في مخيمات الشمال السوري إلى تفضيلهم البقاء في مناطقهم لقربها من النقاط الطبية، عوضاً عن العودة إلى قراهم في ريف حلب الجنوبي.
يؤكد العبيد أن محاولات الأهالي لإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية باءت بالفشل، رغم لقاءاتهم المتكررة مع محافظ حلب ومساعديه الذين اكتفوا بإطلاق وعود لم تنفذ بعد.
وكانت معظم المراكز الصحية في ريف حلب الجنوبي قد تعرّضت للدمار والقصف خلال سنوات الحرب، فمن أصل 16 مستوصفاً كانت تتوزع في قرى المنطقة لم يبق سوى خمسة مراكز.
أخرج القصف عن الخدمة مراكز صحية في كل من بلدات تل الضمان، البطرانة، العامرية، الوضيحي، عبطين، جزرايا، زمار، العيس، وحوير العيس، في حين شهد مركز البوابية عمليات ترميم أعادت تشغيله جزئياً، كما افتُتح أخيراً مركز تل حدية الصحي، بينما تواصل مستوصفات بلاس والحاضر والزربة عملها بشكل محدود بسبب نقص الكوادر والمعدات الطبية.
يعمل قسم من المراكز الصحية، اليوم، بشكل تطوعي، بعد أن رممت بجهود أهلية أخيراً، مثل مركزي تل حديا والبوابية، وهناك ثلاثة مراكز رمّمت قبل سقوط نظام الأسد في قرى بلاس والحاضر والزربة. جميع هذه المراكز تشكو من نقص في الكوادر الطبية والمستلزمات والأجهزة والأدوية الضرورية.

يقطع المريض في قسم من قرى وبلدات ريف حلب الجنوبي مسافات قد تصل إلى 60 كيلو متراً أحياناً، للوصول إلى أقرب مركز صحي مخدّم، في مدينتي حلب أو إدلب، ما يزيد من خطر الحيلولة دون تلقي العلاج في الوقت المناسب، خاصة مع غياب منظومات الإسعاف وسياراتها. مستشفى وحيد من أصل أربعة مستشفيات، في ريف حلب الجنوبي، نجا جزئياً من التدمير والقصف خلال سنوات الحرب.
رصد فوكس حلب مستشفيات المنطقة العامة والخاصة والخدمات التي تقدمها، إذ كانت تضم قبل 2011، أربعة مستشفيات، اثنان منها مخصصان للتوليد، قنسرين في بلدة العيس، ومستشفى الدكتور زكريا في قرية إبّاد. إضافة لمستشفيان خاصّان في بلدتي الحاضر والعيس.
تعرّض مستشفى العيس التخصصي للدمار، وخرج مستشفيا الحاضر والدكتور زكريا عن الخدمة بعد قصفها من قوات نظام الأسد، أما مشفى قنسرين للتوليد، فقد نجا جزئيًا، وعاد للعمل في بلدة العيس، مقدّماً خدمات “التوليد” للأهالي رغم محدودية إمكانياته.
يقول فواز جويد، أحد العاملين في المجال الاعلامي بريف حلب الجنوبي “حتى اليوم، لا يوجد سوى مركز إسعافي واحد في بلدة الزربة، بينما تبقى بلدات العمق مثل أم الكراميل ودلامة وبرده وتل الضمان وبلاس بلا أي تغطية طبية أو إسعافية”. ويضيف “الحاجة كبيرة ولم تستطع المبادرات المحلية التي انطلقت أخيراً من تدارك الوضع الصحي في الريف وتخديم المنطقة بشكل كامل”.
يعزو الدكتور فراس دهيمش، رئيس دائرة برامج الصحة العامة في مديرية صحة حلب، لفوكس حلب غياب المستشفيات الحكومية في ريف حلب الجنوبي “إلى سياسات التهميش التي اتبعتها حكومة نظام الأسد”. يقول إن المديرية تعمل حالياً على “إعادة تفعيل المراكز الصحية المغلقة عبر خطط إسعافية تعتمد على الفرق الجوالة لتقديم الرعاية الأولية والخدمات الإسعافية بشكل مؤقت”.
ويشير إلى أن المنطقة تُعد من “أولويات العمل في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار التنسيق مع المنظمات الإنسانية لتوسيع نطاق الخدمات، رغم عدم وجود مشروع حكومي مباشر لإنشاء مستشفى جديد حالياً”.
تغيب الجهود الحكومية عن تحسين الواقع الصحي في ريف حلب الجنوبي الذي يعتمد في ترميم ما تبقى من المراكز والنقاط الطبية على جهود محلية ومبادرات فردية لا تغطي الاحتياجات الضرورية.

مبادرة “عودة آمنة”، إحدى الجهود المحلية التي أقيمت في الأسابيع الماضية، بإشراف مديرية صحة حلب ونائب المحافظ، افتتحت مركزاً صحياً في بلدة البوابية مطلع شهر أيلول الماضي. يقول مدير المركز، رياض العلي، إن المركز جُهّز بثلاث عيادات من أصل ثمانية ويخدم نحو 25 ألف نسمة من قرى البوابية والكماري والشيخ أحمد والمناطق القريبة.
كذلك، جاءت مبادرة أهلية جديدة تحت مسمى “أهل العز لا يُنسون” كاستجابة لواقع التهميش الخدمي، وتهدف إلى دعم قطاعات التعليم والصحة والمياه في ريف حلب الجنوبي.
نايف المحمد، أحد القائمين على الحملة، أوضح أن العمل يجري على إنشاء مستشفى للعيادات والتوليد في قرية أبو رويل ليكون الأول من نوعه في المنطقة، مضيفاً أن المستشفى سيُقدّم خدماته بأجور رمزية تراعي الأوضاع المعيشية للسكان، إلى جانب خطة لتزويد المراكز الصحية بأجهزة طبية لتحسين قدراتها التشغيلية.
لا تقدم المبادرات حلولاً شاملة، إلا أنها تشكّل خطوة أولى نحو كسر العزلة الصحية التي يعيشها ريف حلب الجنوبي منذ سنوات. في هذا الريف المنسي، لا يحتاج الناس أكثر من مركز طبي قريب ودواء متوفر ويدٍ تمتد لإنقاذ حياة تُزهق بصمت. لتكون هذه البدايات نواة لتغيير حقيقي يُعيد الحياة إلى منطقة اعتادت انتظار الصبر من حكومات متعاقبة لا تسمع صوت سكانها.
