فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

 أطفال شمال شرقي سوريا خارج العملية التعليمية الحكومية

سوزان العلي

افتتحت المدارس الحكومية أبوابها في سوريا، لكنها أغلقت شمال شرقي البلاد حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، والمناهج نقطة خلاف جوهرية

” لم يبقَ أمامنا خيار آخر، إما الرحيل أو القبول بتلقي أطفالنا منهاجًا لا تعترف به الحكومة”. تقول المهندسة ديما العمر وهي تحزم حقائب أطفالها الأربعة استعدادًا للرحيل إلى مدينة حلب.

تتحدث ديما بقلقٍ واضح عن مخاوفها على مستقبلهم التعليميّ بعد ما أغلقت الإدارة الذاتية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدارس الخاصة التابعة للطائفة المسيحية، مثل الأمل والنهضة والموحدة، وباقي المدارس التي تعلّم المنهاج الحكومي.

وكالة الأنباء السورية سانا نشرت أمس تصريحًا منسوبًا للكنيسة السريانية الأرثوذكسية جاء فيه: “قسد، أغلقت مدارس الطوائف المسيحية ولن نقبل بغير منهاج الدولة السورية”.

سبق هذا التصريح  توترًا شهده قطاع التعليم في شمال شرقي سوريا جرّاء مداهمة القوى الأمنية التابعة للإدارة الذاتية عدة مدارس مسيحية خاصة في محافظتي الحسكة والقامشلي، وأغلقتها بالقوة نهاية أيلول الفائت.

شملت حملة إغلاق المدارس كلًا من مدرسة مار قرياقس والسلام وميسلون وفارس الخوري والاتحاد في القامشلي، إضافة إلى مدرسة الأمل في الحسكة، حيث جرى طرد الإداريين والمعلمين وسط توتر وإهانات لفظية، بحسب ما نقلته منصات إعلامية.

الإجراء جاء عقب تعميم أصدرته هيئة التعليم في الإدارة الذاتية بتاريخ 4 أيلول 2025، يقضي بمنع تدريس المناهج الحكومية السورية واعتماد المناهج الخاصة بالإدارة الذاتية في جميع المدارس، بما في ذلك المدارس الخاصة التابعة للكنائس والتي كان يسمح لها بتدريس المنهاج الحكومي. هذا القرار لم يعلن رسميًا عبر وسائل الإعلام، إلا أنه دخل حيّز التنفيذ مع بداية العام الدراسي الحالي 2025- 2026.

رفضت المدارس المسيحية الخاصة تطبيق القرار الجديد واستمرت بتسجيل تلاميذها وفق المنهاج الحكومي المعتمد من وزارة التربية السورية، دون إصدار بيانات رسمية. واكتفت الإدارات بإرسال إشعارات عبر مجموعات “واتساب” تفيد ببدء الدوام في 28 أيلول، لكنها عادت قبل ساعات من الموعد لتبلغ الأهالي بتأجيل الدوام “حتى إشعار آخر”، دون توضيح الأسباب أو تحديد موعد بديل.

هذا الصمت فُسّر من قبل أهالٍ التقيناهم على أنه محاولة لتجنّب التصعيد مع الإدارة الذاتية، في حين يرى آخرون أنه يعكس حالة من العجز أمام قرارات تُفرض بالقوة وسط غياب قنوات حوار فعال.

منذ عام 2013 تفرض الإدارة الذاتية في مدارس الحسكة منهاجًا خاصًا من الصف الأول الابتدائي وحتى الصف الخامس. وفي عام 2015 تم تدريس المنهاج حتى الصف الثامن، ليفرض حتى الصف التاسع عام 2018 ثم طبق على الصف الحادي عشر بعد عام، واستمر تطبيق منهاج الإدارة الذاتية تدريجيًا إلى أن منعت تدريس المنهاج الحكومي بكل مراحله الأساسية والثانوية.

اقتصر تدريس المنهاج السّوري المعتمد شمال شرقي سوريا على مدارس المربعين الأمنيين في الحسكة والقامشلي، أمّا في بقيّة المدارس الواقعة ضمن مناطق سيطرة “قسد” فإنّها تدرّس منهاجًا خاصًّا بالإدارة الذّاتيّة بثلاث لغات (الكرديّة، العربيّة، السريانيّة).

وفي عام 2020، أصدرت الإدارة الذاتية قرارًا بإغلاق المدارس الخاصة المؤقتة التي كانت تُدرّس المنهاج الحكومي داخل المربعات الأمنية، وذلك بعد إحكام سيطرتها على معظم مناطق شمال شرقي البلاد، ما دفع مئات الطلاب إلى التوجه نحو المدارس الحكومية القليلة الواقعة ضمن مناطق نفوذ النظام السابق (المربعين الأمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي).

غير أن هذه المدارس المحدودة لم تتمكن من استيعاب جميع الطلاب الراغبين في التسجيل، كما واجهت المدارس الخاصة الدائمة، مثل مدرسة البر والنهضة في الحسكة، ومدرسة الأمل في القامشلي، صعوبة في استقبال الأعداد الكبيرة من المتقدمين.

وأمام هذا الواقع، اضطرت وزارة التربية إلى منح تراخيص لمدارس خاصة مؤقتة تُتيح استقبال طلاب المرحلة الابتدائية، إلى حين حدوث تغيير في المشهد السياسي القائم في مناطق شمال شرق سوريا.

وبعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي، فقد أقدمت الإدارة الذاتية على إغلاق تلك المدارس الخاصة المؤقتة، مع السماح للطلاب باستكمال عامهم الدراسي الحالي، على أن ينتقلوا في العام التالي إلى دراسة منهاجها المعتمد. 

إلا أن المدارس الحكومية العامة أُغلقت أيضًا، بحسب مصادر من الكادر التدريسي في المدارس الواقعة داخل المربعين الأمنيين في مدينتي الحسكة والقامشلي، ما يعني توقف العملية التعليمية الحكومية بشكل شبه كامل في مناطق شمال شرقي سوريا لدورة 2024- 2025.

واقتصرت استمرارية التعليم الحكومي على امتحانات الشهادتين للمرحلتين الأساسية والثانوية، التي أُجريت بتاريخ 12 تموز 2025، بعد وساطة من منظمة اليونيسف بين هيئة التعليم التابعة للإدارة الذاتية ووزارة التربية في دمشق، ما أتاح تنفيذ الامتحانات للمرحلتين.

أما بالنسبة لقرار الاختبار التعويضي لباقي المراحل الدراسية الذي أعلنه وزير التربية، وأعلنت بعض المدارس الخاصة في الحسكة والقامشلي استعدادها لتنفيذه، فقد تعثر تطبيقه. إذ جرى تأجيله إلى أجل غير مسمى بعد يوم واحد فقط من تحديد موعده، دون صدور أي توضيح رسمي من الجهات المعنية حول أسباب هذا التأجيل.

وقبل بدء العام الدراسي الحالي تعرّضت عدة مدارس حكومية واقعة داخل المربع الأمني في الحسكة للتخريب، من بينها مدرسة العذراء الحكومية. وقد شوهدت أضابير الطلاب تُحرق في باحة المدرسة، كما تم نقل المقاعد والمستلزمات من بعض المدارس، بينها المدرسة ذاتها، التي كانت تقع سابقًا ضمن نطاق المربع الأمني إلى وجهة غير معلومة.

أطفال ديما، عبيدة وعمر، كانا يدرسان في المدارس الخاصة المؤقتة، ومنذ إغلاقها العام الماضي اضطرا للبقاء في المنزل. تقول ديما “لم أتمكن من تسجيلهم في المدارس الخاصة الدائمة بسبب عدم توفر مقاعد شاغرة، أما ابنتاي الأكبر منهما، ليال 14 عامًا ونهال 16 عامًا، فتابعتا دراستهما في مدرسة الأمل الخاصة التي لم يشملها قرار الإغلاق العام الماضي”.

تتنهد ديما وتضيف: ” بعد قرار إغلاق المدارس هذا العام قررنا بيع منزلنا في الحسكة، وسننتقل أنا وأطفالي إلى حلب، فيما سيبقى زوجي هناك مؤقتًا لمتابعة عمله وتأمين احتياجاتنا. وإذا تمكن من العثور على فرصة عمل في حلب، فسنستقر فيها بشكل نهائي”.

قصة ديما واحدة من عشرات القصص المشابهة شمال شرقي سوريا، حيث أصبح التعليم أحد أبرز ميادين الصراع بين الإدارة الذاتية والمجتمع المحلي بمختلف مكوناته.

ذات صلة:


قيد الانتظار.. مدارس الحسكة الحكومية مغلقة حتى إشعار آخر
عام دراسي بلا مدارس.. تلاميذ تل الضمان يواجهون المستقبل بين الركام
عام دراسي على الأبواب ومدارس في إدلب خارج الخدمة

يُجمع كثير من الأهالي على أن المشكلة لا تتعلق فقط بقرار الإغلاق، بل بما يرونه غيابًا للاعتراف الرسمي بمناهج الإدارة الذاتية، ما يجعل مستقبل الطلاب الأكاديمي غامضًا. فالشهادات الصادرة عنها لا تُقبل في الجامعات الحكومية السورية ولا خارجها، وهو ما يدفع أسر إلى مغادرة المنطقة بحثًا عن تعليم مستقر يضمن لأبنائها فرص متابعة الدراسة.

في جولة لنا في إحدى مدارس دير الزور، أخبرنا مدير المدرسة الذي فضّل عدم ذكر اسمه أو اسم المدرسة، أن عدد الطلاب في العام الماضي كان 837 تلميذًا وتلميذةً، بينما ارتفع العدد هذا العام إلى 1230 تلميذًا.

أرجع المدير هذا الارتفاع إلى عودة بعض أهالي المدينة من مناطق النزوح، ما دفع المدرسة لاعتماد نظام الفوجين، يضم كل فوج ثمانية عشر شعبة، ويصل عدد الطلاب في كل شعبة إلى 40 تلميذًا.

وأضاف المدير أن نحو 200 تلميذًا وافدًا من مناطق سيطرة الإدارة الذاتية يخضعون لسبر معلومات قبل التحاقهم بالصفوف المناسبة، مع العلم أن معظم هؤلاء التلاميذ أعادوا العام الدراسي 2024- 2025 الذي ضاع عليهم بعد سقوط نظام الأسد، والقرارات المتعاقبة في قطاع التعليم. وما يزال تدفق التلاميذ مستمرًا، ما يزيد الضغط على المدرسة والكوادر التعليمية.

ويرى معلمون التقيناهم فضلوا عدم ذكر أسمائهم لأسباب تتعلق بوظائفهم، أن فرض المناهج الجديدة دون توافق مجتمعي أو إشراف مستقل يهدد وحدة النظام التعليمي في البلاد ويخلق أجيالًا متباينة المعارف والفرص.

وأن أزمة التعليم الحالية تمثل جانبًا من الصراع الأوسع على الهوية والسيادة في شمال شرقي سوريا. فبينما تسعى الإدارة الذاتية إلى ترسيخ مناهج تعبّر عن رؤيتها السياسية والاجتماعية، يتمسك الأهالي بالمناهج الحكومية السورية بوصفها “الأكثر اعترافًا وشرعية”.

ويحذر هؤلاء المعلمون من أن استمرار هذا الصراع من دون حلول توافقية قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين السكان والإدارة الذاتية، ويفاقم موجات الهجرة الداخلية، ما يُهدد النسيج الاجتماعي الهش في المنطقة التي تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وأمنية متراكمة.

خلال رحلة تعليم أطفالها شمال شرقي سوريا تروي همرين (اسم مستعار)، من مدينة القامشلي وأم لطفلين، تقول: “قبل سقوط نظام الأسد كان طفلاي، هجار 12 عامًا، و روبار 9 أعوام، يدرسان في مدرسة خاصة مؤقتة، لكن بعد إغلاقها اضطررنا إلى تعليمهم في المنزل. كنا ننتظر بفارغ الصبر قرارًا بإعادة فتح المدارس، إلا أننا فوجئنا بقرار حظر المنهاج الحكومي بشكل كامل. باختصار، لن أرسل أطفالي ليدرسوا منهاجًا غير معترف به حكوميًّا”.

تضيف همرين، التي عملت سابقًا معلمة في هيئة التعليم التابعة للإدارة الذاتية قبل أن تستقيل وتتفرغ للعمل المدني: “أعرف جيدًا مضمون المنهاج الذي تعتمده الإدارة الذاتية، فهو يتضمن صور مقاتلين يحملون أسلحتهم. لا أريد أن يرى أطفالي مشاهد السلاح في المدرسة أيضًا، فـ العنف يملأ الشوارع ووسائل الإعلام، والمدرسة يجب أن تبقى بيئة آمنة ومحايدة”.

وتختتم حديثها قائلة: “أصبح حق أطفالي بالتعليم في مدرسة حكومية حلمًا بعيد المنال. لا أستطيع السفر إلى مناطق الحكومة الحالية وترك عملي والبدء من جديد هناك، لذلك، سيواصل أطفالي دراستهم في المنزل على أمل أن تُحل أزمة المنهاج الحكومي قريبًا”.

على الرغم من أن التعليم إلزامي بموجب كل من القانون السوري والعقد الاجتماعي الصادر عن الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، فإن آلاف الطلاب اليوم خارج المنظومة التعليمية. ويعود ذلك إلى فشل تطبيق اتفاقية العاشر من آذار الماضي، التي تضمنت عدة بنود، من أبرزها دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة السورية.

أم ميّار، سيدة من إدلب تقيم في الحسكة منذ نحو عشرين عامًا بسبب عمل زوجها في شركة الجبسة النفطية، لم تتردد في اتخاذ قرار العودة إلى مسقط رأسها بعد القرارات الأخيرة الخاصة بالتعليم.

تقول: “بعد سقوط نظام الأسد بدأت الحياة في الحسكة تتدهور تدريجيًا، ولم يتبقَّ شيء من مقومات المعيشة الأساسية، والأهم من ذلك توقف التعليم الحكومي. سابقًا، بقينا في الحسكة لأن مدارس إدلب كانت خارج الاعتراف الحكومي، أما اليوم فمدارس شمال شرقي سوريا هي غير معترف بها رسميًا أيضًا”.

وتضيف: “عندما قررنا العودة إلى إدلب قبل ستة أشهر، استغرب بعض جيراننا وأصدقائنا في المنطقة من القرار، مؤكدين أن مشكلة التعليم في طريقها إلى الحل، وكانوا متفائلين. لكن هؤلاء أنفسهم اليوم يفكرون بالرحيل بعدما تأكدوا أن التعليم في شمال شرق سوريا لن يستقر في ظل الخلافات السياسية بين الإدارة الذاتية  والحكومة الحالية”.

وتتابع أم ميّار حديثها قائلة: “ابني الأكبر ميّار يدرس حاليًا في الصف التاسع بمدرسة الرشيد الخاصة، بينما يدرس أشقاؤه الأصغر في مدرسة أنور مية الحكومية. صحيح أن المدارس في إدلب مكتظة بالطلاب، وهذه مشكلة بحد ذاتها، لكن وجود مدرسة يتعلم فيها أطفالي يبقى أفضل بكثير من بقائهم في المنزل بلا تعليم”.

مدير التعليم في وزارة التربية قال في تصريح صحفي لمواقع صحفية، إن الإحصائيات الأولية تشير إلى وجود أكثر من مليوني طفل سوري خارج العملية التعليمية حتى الصف التاسع من مرحلة التعليم الأساسي، موضحًا أن أحد أبرز أسباب التسرب المدرسي هو وجود عدد كبير من الأطفال غير المسجلين في دوائر النفوس، ما يجعل الوصول إليهم صعبًا، إلى جانب عوامل أخرى مثل التنقل المستمر والنزوح والهجرة داخل البلاد وخارجها.

في ظل غياب حلول واضحة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية، صارت قضية المناهج غير المعترف بها في شمال شرق سوريا سببًا جديدًا للرحيل. اختارت عائلات كثيرة، مثل عائلة ديما، أن تحمل حقائبها وتغادر، بحثًا عن مدرسة تضمن لأطفالها مستقبلًا يحمل اعترافًا حكوميًا في وقت يبقى التعليم في المنطقة رهينة التجاذبات السياسية يواصل الأطفال دفع ثمنها دون ذنب.