في بلدة كفرومة القريبة من معرة النعمان جنوبي إدلب، تجلس أم محمد رفقة أطفالها الثلاثة، أمام ما تبقى من بيتهم المدمر. تتحسس الجدران المتصدعة، وتنظر إلى أكوام الركام التي تملأ الغرف بعد أن نُزعت من سقفها أسياخ الحديد. تعود بذاكرتها وتقول بصوت مرتجف: “بعت أكثر من ثمانين غرامًا من مصاغي الذهبي حتى استطعنا سقف هذا البيت.. واليوم عدنا لنقطة الصفر”.
عام 2018، أنهت أم محمد مع زوجها تجهيز المنزل بالكامل، لكن فرحتهم لم تدم طويلًا. فما إن أصبح البيت صالحًا للسكن حتى اضطروا لمغادرته هربًا من تقدم قوات الأسد وسيطرتها على البلدة.
سنوات النزوح كانت قاسية، تنقلوا فيها من بيت لآخر، وكان آخرها في كفرتخاريم غربي إدلب. اليوم، ومع الحاجة إلى نحو ستة آلاف دولار لإعادة بناء السقف وحده، لم يعد أمام العائلة سوى خيار بيع أرضهم، بعد أن أثقلت كاهلهم إيجارات البيوت لـ ست سنوات متواصلة.
قصة أم محمد، واحدة من قصص آلاف العائلات في ريف إدلب الجنوبي تركوا وحيدين في معركة إعادة الإعمار. فمع اقتراب فصل الشتاء ورغبة النازحين بالعودة إلى موطنهم الأصلي وإنهاء رحلة التهجير القسري، لجأ كثيرون لبيع أراضيهم الزراعية لإصلاح بيوتهم المهدمة، أو شراء منازل في أماكن حيوية تتوفر فيها الخدمات الرئيسة.

بيع الأراضي كان، بحسب من التقيناهم، خطوة لا بديل عنها في ظل غياب أو بطء الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية عن المساهمة في إعادة الإعمار، أو دعم المجتمع المحلي في عملية إعادة تأهيل القرى والبلدات المدمرة.
بلغت عقود بيع الأراضي في منطقة معرة النعمان وحدها 2,435 عقدًا منذ بداية العام، بحسب معقب المعاملات الرسمي محمد الخليل، إذ يوثق يوميًا في مديرية المصالح العقارية في إدلب العديد من عقود البيع والشراء.
يؤكد الخليل أن العقود تُبرم بطرق مختلفة، بعضها يوثق رسميًا في مديرية المصالح العقارية، وأخرى تبرم عبر مختار القرية بحضور الشهود خاصة فترة توقف المؤسسات الحكومية عن العمل بعد سقوط نظام الأسد، فيما يختار البعض اللجوء إلى المحاكم وتوكيل محامين.
أما على الصعيد الأوسع، فيشير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن أكثر من 825 ألف نازح عادوا إلى مناطقهم داخل سوريا منذ كانون الأول الماضي، إضافة إلى أكثر من 270 ألف لاجئ عادوا من الخارج. في حين يبقى نحو مليوني شخص في شمال غربي سوريا عالقين في خيام هشة، يواجهون برد الشتاء وحر الصيف بظروف غير إنسانية.
“بيع الأرض لم يعد خيارًا اقتصاديًا لتأمين تكاليف إعادة الإعمار”، يقول عبد المعين الإبراهيم، مزارع من قرية معرة الصين جنوبي مدينة كفرنبل. مفسرًا السبب بأن الأراضي تُباع بأقل من قيمتها الحقيقية بعد أن أرهقتها سنوات الإهمال والنزوح.
ويضيف عبد المعين أن”نظام الأسد قطع الأشجار وحرقها، الأراضي تُركت مهملة طوال سنوات النزوح، ثم زادها الجفاف خرابًا. وفوق كل ذلك، القدرة الشرائية للناس لم تعد كما كانت، الحرب أنهكت الجميع”.

وصل عبد المنعم لهذه القناعة بعد أن عرض أرضه البالغة خمسة دونمات في قريته بسعر أربعة آلاف دولار للدونم الواحد، لكنه لم يجد من يشتريها بهذا السعر، رغم أنها كانت تساوي أكثر بكثير قبل بدء موجة عودة المهجرين، بسبب كثرة الطلب. يضيف: “لو أني لم أكن مضطرًا لبيعها من أجل صبّ سقف بيتي، لما بعتها بأي ثمن”.
لاتبدأ إعادة إعمار البيوت المتضررة أو المهدمة من مواد البناء، بل من رفع الأنقاض قبل مرحلة الترميم، وهي تكلفة مرهقة تنتظر العائلات، فكل غرفة تحتاج نحو 25 دولارًا لإزالة أنقاضها من دون ترحيلها بحسب عبد المنعم. ومع غلاء مواد البناء وارتفاع أجور العمال وصعوبة تأمينهم أصلًا، تتحول عملية تنظيف البيت من حطامه إلى عبء إضافي يزيد معاناة المدنيين.
طال الضرر، إضافة للمباني، البنى التحتية المختلفة. يشير التقييم الأولي لـ منسقو استجابة سوريا، إلى تضرر مئات المنشآت الصحية والتعليمية والخدمية، وانهيار آلاف الكيلومترات من شبكات الطرق والصرف الصحي وخطوط الكهرباء. وسُجّل، بحسب التقرير الذي قيم أولياً سبع محافظات، أكثر من 178 ألف منزل متضرر بين جزئي وكامل، فيما بلغت كمية الأنقاض الموثقة في المرحلة الأولى 6.9 مليون طن، ما يعكس ضخامة الكارثة.
تكررت المشكلة في أكثر من بلدة جنوبي إدلب، ففي قرية ترملا، نشر أنس الشحود، صاحب أرض، في إحدى مجموعات “واتساب” الخاصة بالبيع والشراء، صورًا لقطعة أرضه البالغة ستة دونمات، طالبًا 2,500 دولار للدونم الواحد. لكن محاولاته باءت بالفشل، فالعروض التي وصلته لم تتجاوز نصف المبلغ المطلوب.

أرضه التي كانت يومًا مصدر دخل من ثمار التين والزيتون، تحولت إلى بقايا شجيرات شبه يابسة، بعد ست سنوات قضاها مع عائلته في مخيم البركة بدير حسان شمالي إدلب.
وبعد عودته إلى البلدة بأشهر قليلة، بدأ أنس وأولاده بتنظيف الأنقاض من منزلهم، وتسوية ما تبقى من الجدران، على أمل أن يتمكن من بيع أرضه بسعر معقول يساعده على شراء مواد البناء ودفع أجور العمال لصب سقف البيت قبل حلول الشتاء. يقول أنس بصوت متعب: “كل همي إعادة إعمار بيت يؤوينا سقفه ويحمينا من البرد والحر. لا نطلب رفاهية”.
يقدّر مختار بلدة معرة حرمة، نور الدين الجدوع، أن نصف الأهالي تقريبًا عرضوا أراضيهم للبيع. بعضهم باع في وقت سابق بأسعار زهيدة لمغتربين خارج سوريا لتأمين معيشتهم، والبعض الآخر يبيع اليوم بهدف ترميم منزله أو شراء بيت في البلدة أو في مكان نزح إليه واستقر فيه.
وفي قرية كفرسجنة المجاورة، باعت هبة، أم لخمسة أطفال، قبل أشهر منزلها والأرض المحيطة به بمبلغ سبعة آلاف دولار، واشترت عوضاً عنه في مدينة الدانا. تقول: “الخدمات هنا أفضل، وفرص العمل متاحة، وأطفالي تأقلموا على المدارس.. أسسنا حياتنا هنا خلال سنوات النزوح”.

في خطوة لدعم إعادة الإعمار، أعلنت السلطات المحلية بتوجيه من الحكومة عن إطلاق مشروع صندوق التنمية السوري في المحافظات. ودعا محافظ إدلب محمد عبد الرحمن إلى مساندة الصندوق للنهوض بالواقع الاقتصادي والخدمي، وتعزيز المبادرات المحلية، وخلق بيئة تنموية مستدامة لأبناء المحافظة. إذ يهدف المشروع، بحسب التصريحات المعلنة، إلى توفير فرص عمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتمكين الطاقات الشابة.
لكن بين أهداف الصندوق الطموحة وتحديات الأهالي اليومية، تبقى الفجوة واسعة. فما يحتاجه الناس اليوم ليس فقط مشاريع طويلة الأمد، بل حلول عاجلة تعينهم على استعادة منازلهم المهدمة، لتكون بداية فعلية لرحلة العودة من النزوح.
تحوّل بيع الأرض إلى ثمن قاسٍ تدفعه العائلات مقابل استعادة سقف يؤويها. خسارة مضاعفة للمدنيين الذين فقدوا بيوتهم أولًا تحت أنقاض الحرب، ثم خسروا أراضيهم لتأمين عودتهم إليها.
