يجد طلاب كلية الإعلام في جامعة حلب الحرة، بعد قرارات وزارية مفاجئة بدمج الكليات وربطها بجامعات مركزية، أنفسهم عالقين بين خيارين: البقاء في أعزاز بظروف تعليمية محدودة أو الانتقال إلى دمشق بما يحمله ذلك من فرص أكاديمية أوسع وتكاليف إضافية تثقل كاهلهم.
ينتظر عبد العزيز رحيّم، طالب سنة ثالثة في كلية الإعلام بجامعة حلب الحرة بمدينة أعزاز، حسم وزارة التعليم العالي لمصير كليّته، عقب القرارات الصادرة عنها في 18 آب الجاري، والتي نصت على دمج عدد من كليات جامعة حلب الحرة مع جامعة حلب الأم، وربط بعضها الآخر بجامعة دمشق.
تفاصيل قرار الدمج
بناءً على القرار ستدمج الكليات التطبيقية والطبية بجامعة حلب الأم، فيما ستبقى أربع كليات في جامعة في حلب الحرة وهي الاقتصاد، الآداب والعلوم الإنسانية، التربية، والحقوق. في حين ستكون كليتا الإعلام والعلوم السياسية مركزيتان وتتبعان مباشرة لجامعة دمشق، بانتظار صدور التعليمات التنفيذية الخاصة بالدمج.
حالة الترقب يعيشها عبد العزيز ونحو 300 طالب وطالبة في كلية الإعلام بجامعة حلب الحرة التي تضم اليوم 13 كلية و4 معاهد متوسطة موزعة بين مدينتي أعزاز ومارع. ويجد طلابها أنفسهم أمام واقع قد يغير مسارهم التعليمي والمهني. يقول عبد العزيز إنه يرفض فكرة الانتقال إلى دمشق لما تتطلبه من مشقة وتكاليف إضافية للسكن والنقل، فضلاً عن صعوبة الاستقرار في بيئة جديدة.
انقسام في الآراء
أثار القرار منذ لحظة تداوله في الجامعة، قبل أيام، حالة جدل بين طلاب كلية الإعلام الذين عبّروا عن آراء مختلفة حول قرار النقل والدمج، وانقسموا بين مؤيد للقرار ومعارض له ولكل دوافعه وأسبابه، ما دفع لجنة الدمج إلى إعادة النظر في القرار وفق أحمد دغيم، مدير مكتب رئاسة جامعة حلب الحرة.
الدغيم، أرجع أسباب الدمج إلى أن القرار “جاء في إطار رؤية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتوحيد المؤسسات الأكاديمية السورية، وتعزيز مكانة الجامعة ودورها في خدمة الطلاب وتطوير التعليم العالي”.

وأشار إلى أن الجامعة تأسست وسط ظروف استثنائية في قلب الثورة منذ عام 2015، إلا أن ضعف البنية التحتية وضيق المكان وقلة الكوادر الأكاديمية والتدريسية، كانت أبرز التحديات التي واجهت الجامعة، ويتوقع أن يسهم الدمج في معالجتها عبر الاستفادة من إمكانات جامعة حلب الأم.
تخريج أول دفعة
رغم التحديات استطاعت أن تخرّج دفعات متتالية في مختلف التخصصات، إذ احتفلت جامعة حلب بتاريخ 29 آيار الماضي، بتخريج الدفعة الأولى في كليتي الإعلام والعلوم السياسية التي ضمت نحو 46 طالباً وطالبةً، توزعوا مناصفة بين الكليتين، وحملت الدفعة اسم الشهيد “مصطفى الساروت“، تكريماً لأول الشهداء الصحفيين في معركة ردع العدوان بحلب.
الكليّتان افتتحتا عام 2021 وكانتا نافذة للطلاب الطامحين للعمل في المجال الإعلامي والسياسي شمال سوريا. يرى محمد دغيم، أحد خريجي هذه الدفعة، أن قرار الدمج مع جامعة دمشق يصبّ في مصلحة الطلاب بشكل أساسي، لأنه يفتح أمامهم آفاقاً عملية ومهنية أوسع.
ويشير إلى أن الجامعات في الشمال تفتقر إلى التجهيزات والبنية العملية وفرص التدريب الميداني، بينما توفر دمشق للطلاب بيئة تعليمية أكثر تكاملاً، مع وجود القنوات الإعلامية الكبرى ومراكز التدريب التي تؤهل الطلاب للاندماج في سوق العمل.
يؤكد محمد أن الدمج ليس خياراً مرتبطاً بالمصالح الشخصية أو الاعتبارات المناطقية، بل هو خطوة لصالح الطلاب. ويضيف: “كلية الإعلام في العاصمة دمشق تتيح للطلاب التدريب على الأخبار والعمل مع وسائل إعلام حقيقية، بينما في الشمال لا توجد استوديوهات مجهزة أو قنوات عالمية أو مكاتب إعلامية حقيقية، حتى وزارة الإعلام نفسها لا توفر التدريب العملي”.
الجدل امتد ليطال الطلاب أنفسهم، إذ عبّر خالد قدور، أحد طلبة الجامعة، عن استيائه من قرار النقل، وأوضح أن تكاليف المعيشة في دمشق قد تصل إلى نحو 200 دولار شهرياً مصروف شخصي، يضاف إليها مبلغ مماثل أو أكثر لاستئجار منزل فضلاً عن مصاريف النقل والسفر المتكررة بين دمشق وأعزاز، والتي تبلغ نحو 20 دولاراً ذهاباً وإياباً في كل رحلة.
يرى خالد أن هذه التكاليف تجعل القرار عبئاً ثقيلاً على الطلاب عوضاً عن أن يكون في مصلحتهم، مطالباً باعتماد التعليم عن بُعد أو منح إعفاءات مالية تخفف من هذه الأعباء.
معاوية الدمشقي، باحث ومحاضر في كلية الإعلام بجامعة حلب الحرة، رأى أن الدمج مع دمشق يمنح فرصاً أكبر للتدريب العملي لقربها من المؤسسات الإعلامية، لكنه في المقابل قد يزيد الأعباء المادية والمعيشية على الطلاب.
يتراوح عدد طلاب كلية الإعلام والاتصال حالياً نحو 300 طالباً موزعين على السنوات الأربع إلى جانب طلاب من المعهد التقني للإعلام الذين ما زالوا يتقدمون للامتحانات، وبينهم من بقي يحمل موادّ من العام الماضي.
منذ تأسيس جامعة حلب الحرة في أعزاز، التحق بها أكثر من 25 ألف طالب وطالبة، عدد منهم اضطر للانقطاع عن الدراسة بسبب ظروف التهجير والقصف. ليبقى عدد الطلاب المنتظمين نحو 14,600 طالباً وطالبة، تقدم منهم نحو 8 آلاف لامتحانات عام 2024-2025 في دوراته المختلفة (الأولى والثانية والثالثة).
مقترحات ولجان
مدير مكتب رئاسة جامعة حلب الحرة قال إن “الدكتور محمد أسامة رعدون، رئيس جامعة حلب، قدم مقترحاً يقضي ببقاء طلاب الإعلام ضمن جامعة حلب الأم، وهو ما يُرجّح اعتماده قريباً استجابة لظروف الطلاب وتقديراً لمعاناتهم”.

ولفت إلى أن مصير كلية الإعلام مرهون باللجان التنفيذية التي ستتشكل قريباً ضمن برامج التعليم العالي، حيث يُطرح خياران: إما صدور مفاضلة جديدة مع بداية العام الدراسي، أو السماح بتخريج الدفعة الحالية وإغلاق الكلية لاحقاً.
خلاف حول المناهج والخطط الدراسية
مكتب جامعة حلب أوضح أن المناهج في كلية الإعلام بجامعة دمشق كانت محصورة ضمن خطط وضعها النظام السابق، ما جعلها محدودة وقديمة نسبياً. في المقابل، اعتمدت كلية الإعلام والاتصال في جامعة حلب الحرة مناهج أكثر حداثة، شارك في إعدادها أساتذة متخصصون، وركزت على دمج الصحافة التقليدية بالإعلام الرقمي والاتصال.
هذا الاختلاف، وفق المكتب، أثار مخاوف طلّاب من العودة إلى جامعة دمشق، خشية مواجهة صعوبات بتعديل الخطط أو اضطرارهم لحمل مواد إضافية. ومن المنتظر أن يُحسم هذا الجدل عبر لجان فنية وتقنية متخصصة تنبثق عن لجنة الدمج، على أن تبدأ أعمالها خلال هذا الأسبوع عبر عقد ورشات عمل خاصة بهذه القضايا.
وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي أعلن أمس الثلاثاء عن تشكيل لجنة لتحديد آليات دمج جامعة حلب الحرة بجامعة حلب الأم، موضحاً أن موظفي وأساتذة جامعة حلب الحرة باتوا يتبعون إلى جامعة حلب الأم، على أن تنهي اللجنة أعمالها خلال أيام قليل.
مصير جديد ينتظر كلية الإعلام بجامعة حلب الحرة مايزال معلّقاً بين المقترحات واللجان التنفيذية، إذ يرى قسم من الطلاب في الدمج خطوة لتعزيز فرص التدريب وربط الجامعات السورية ببعضها البعض، فيما يعيش آخرون حالة من القلق والترقب خشية اضطرارهم لتحمّل تكاليف النقل والدراسة.
