فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عائدون بلا لغة.. أطفال سوريون غرباء عن لغتهم الأم

بعد سنوات من التعليم بلغات أجنبية يعيش أطفال سوريون تحديًا جديدًا لاستعادة لغتهم ويجدون أنفسهم غرباء عن مجتمعهم وأقرانهم

يشعر الطفل محمد، 12 عاماً، بالخجل والإحراج عندما يُطلب منه قراءة أو تهجئة كلمة باللغة العربية أمام أقرانه منذ عاد مع عائلته من تركيا إلى إدلب قبل خمسة أشهر، مادفعه إلى أن يمضي ثلاث ساعات يوميًّا أمام شاشة الكمبيوتر محاولًا تعلم مبادئ اللغة العربية وإتقان القراءة قبل بدء العام الدراسي الجديد. خلال إقامتهم في ولاية مرعش جنوبي تركيا لنحو ست سنوات كان يتلقى دروسه باللغة التركية التي يتقنها جيداً اليوم.

أدركت عائلة محمد، مثل عوائل أخرى عائدة من دول اللجوء إلى إدلب أنها أمام تحدٍّ جديد يتمثل فيما أسمته أم محمد بـ “الاندماج العكسي” مع مجتمعهم في سوريا، والذي بدأ عند ابنها لحظة التحاقه بالمدرسة في مدينة إدلب منتصف العام الدراسي الفائت.

تقول والدة محمد: “إنه من المتفوقين في المدرسة ولكن شعوره بأن مستواه أقل من مستوى زملائه في الصف باللغة العربية زاد كثيراً، لاسيما عندما يهمّ بقراءة كلمة ويخطئ في نطق الحروف، لذلك لجأنا إلى تعليمه اللغة العربية داخل المنزل عبر دروس على منصات التواصل الاجتماعي مثل اليوتيوب”. 

محمد وأطفالٌ سوريون كُثر عادوا من دول اللجوء حاملين معهم لغة جديدة على حساب لغتهم العربية التي باتت بالنسبة لكثير منهم مُهملةً أو منقوصة. بعضهم يتقنها محادثة فقط دون القدرة على القراءة والكتابة، آخرون استبدلوها بلغة بلد اللجوء، فيما يبذل قسم آخر جهدًا مضاعفًا لتحقيق توازن بين اللغتين، في محاولة لحفظ هويتهم وعدم الانقطاع عن محيطهم الثقافي.

تخبرنا الأم أن ابنها كان من المتفوقين في تركيا، واليوم يشعر بالفشل والعجز أمام مدرسيه وزملائه. فالمعاهد التعليمية الصيفية لم تراعِ الفروق اللغوية لدى الأطفال العائدين من تركيا أو دول اللجوء ولم تخصَّص لهم أي برامج تمهيدية تناسب مستوياتهم وفق احتياجاتهم تقول: “محمد لم يتمكن من الاندماج في تلك المعاهد، تمامًا كما في المدرسة، وأقرانه يتقنون اللغة بطلاقة”.

شعرت والدة محمد بأنها تواجه ورطة مشابهة لما عاشته قبل سنوات عند انتقالهم إلى تركيا، حين راودها الخوف من عجز ابنها عن تعلم لغة جديدة، لذلك خضع محمد لدورات تدريبية باللغة التركية فور وصولهم، ليتمكن من الالتحاق بالمدارس هناك.

تبرر ذلك بقولها “ربما أهملنا اللغة العربية دون قصد، لأنها لم تكن ضرورية في تلك المرحلة”. برأيها، أن المدارس هي الحاضن الأول في تأسيس الطفل لغويًّا، لذلك فإن محاولاتها وكثير من أهالي الأطفال السوريين الذين تعرفهم بالحفاظ على اللغة الأم في الغربة، لم تنجح، مايفسر وجود أعداد كبيرة من الأطفال لديهم ضعف في القراءة والكتابة.

تظهر المشكلة بصورة أوضح عند الأطفال الأكبر سنّاً، إذ أظهرت نتائج امتحانات الشهادة الإعدادية السورية في العام الحالي نسبة رسوب  عالية تجاوزت 50% من المتقدمين، قسم منهم من العائدين إلى سوريا.

عائلات عدّة تحدّثت عن مشكلة أطفالهم، ورسوبهم بمادة اللغة العربية، والتي تعتبر وحدها “مادة مرسبة إن لم يحصل الطالب على نصف العلامة”، مطالبين مديريات التربية بتقديم الدعم وإيجاد حلول، حتى لو كانت مؤقتة، لاعتبار اللغة العربية غير مرسبة وحدها، ضماناً لمستقبل عشرات آلاف الطلاب العائدين.

ووفق مديرية التربية في إدلب فإن مطلب الأهالي يحتاج إلى قرار وزاري حصري، ولا تملك المديرية صلاحية إقراره أو تعديله، باعتبار اللغة العربية ركيزة أساسية في المنهاج الوطني السوري.

ترى معلمة اللغة العربية، بتول حامض، أن فقدان الأطفال المغتربين للغتهم الأم يعود في جزء كبير منه إلى تقصير الأهل، سواء عن قصد أو دون قصد.

تقول: “كثيرٌ من الأهالي في الدول الأجنبية كانوا يتحدثون بلغة الدولة المضيفة داخل المنزل، وفي تواصلهم اليومي فيما بينهم، ظنًّا منهم أن هذه الطريقة ستساعد أبناءهم على إتقان اللغة من خلال المحادثة اليومية فيما سبب ذلك تراجعاً ملحوظاً باستخدام اللغة العربية، وخصوصًا لدى الأطفال في سنّ مبكرة”. تؤيّد بتول توفير دورات تدريبية مخصصة لهؤلاء الأطفال كخطوة ضرورية لدمجهم مجددًا ضمن البيئة المدرسية السورية وتعزيز مهاراتهم باللغة العربية.

عائلة همام البالغ من العمر 10 سنوات واحدة منهم، إذ يبدو الطفل أكثر انسجامًا مع اللغة العربية ويتقن التحدث والكتابة بشكل جيد إلى جانب إتقانه للغة السويدية.

خصص والد همام، عبد الله، ساعتين يوميًّا لتعليم أطفاله اللغة العربية، مساءً بعد عودته من عمله في متجر للحلويات. لم تمنعه مشقّة العمل ولا مخاوف استمرار الغربة من متابعة هذا الالتزام. يقول: “رغم أنني فقدت الأمل من العودة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنني كنت مؤمنًا بأن اللغة هي جسر الانتماء الأول، لذلك أشرفت بنفسي على تعليمهم”.

عائلة همام التي عادت منذ شهرين من السويد تفسر قدرة ابنها على الاندماج بسرعة في المناهج الدراسية السورية إلى حرصها المبكر على استخدام اللغة العربية داخل المنزل. يشرح والده : “منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى السويد، قررت أن تكون اللغة الوحيدة داخل البيت هي العربية. وعندما بدأت ألاحظ أن أطفالي يكتبون كلمات سويدية على دفاترهم شعرت بالخطر وأدركت أن لغتهم الأصلية ستضعف إذا لم أسارع إلى تعليمهم العربية بجدية”.

أطفال سوريون كثر من العوائل العائدة من دول اللجوء لديهم ضعف في القراءة والكتابة باللغة العربية، ووفق تقرير لـ وكالة سانا تناول إحصائية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فقد عاد أكثر من 750 ألف لاجئاً منذ سقوط نظام الأسد وحتى الشهر الحالي من مختلف دول العالم، منهم 411 ألف سوري عادوا من تركيا، حسب إدارة الهجرة التّركية، منتصف شهر آب.

إعادة دمج الأطفال لغويًّا، بات أبرز التحديات التي تواجه العائدين إلى سوريا. هذا الاحتياج دفع منظمة بارقة أمل النسائية إلى إطلاق مبادرة تعليمية تهدف إلى تعزيز مهارات اللغة العربية لدى الأطفال، ومساعدتهم على استعادة اتصالهم بلغتهم الأم ومحيطهم الثقافي.

حملت المبادرة اسم “جذوري” ونُفّذت بالتعاون مع مديرية التربية في إدلب، وهي برنامج تعليمي مخصص لتدريس اللغة العربية للأطفال العائدين إلى سوريا، استهدف أكثر من 220 طالبًا وطالبةً تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عامًا وزعوا في ثلاث مدارس بمدينة إدلب معظمهم من الأطفال العائدين من تركيا وألمانيا والسويد.

توضح سوسن السعيد، المسؤولة التنفيذية في بارقة أمل أن الطلاب في برنامج التعليم قُسّموا إلى مستويين، مبتدئ ومتقدم لتفادي الثغرات التعليمية.

تقول: “نبدأ مع الطالب من النقطة التي وصل إليها باللغة العربية ثم نعمل تدريجيًّا على رفع مستواه ليصل إلى ما يتناسب مع عمره، ما يساعده لاحقًا على الاندماج بسلاسة مع زملائه في الصف خلال العام الدراسي”. وتشير السعيد إلى أن هناك فئة من الأطفال يمتلكون مستوىً متقدمًا باللغة العربية، ويحتاجون فقط إلى تعزيز مهاراتهم في القواعد.

بجهد فردي تطوعي أطلق أحمد عساف قبل عام رفقة مجموعة من المهتمين من أصدقائه مشروعًا تعليميًّا حمل اسم، ضاد، وهو منصة رقمية تُعنى بتعليم اللغة العربية للأطفال المغتربين، وتهدف إلى تعزيز استخدام اللغة الأم لدى الجيل الناشئ.

يقول أحمد “تتميز المنصة بتقديم محتوى مبسط يُركز على قواعد اللغة العربية الصحيحة، إلى جانب منهج تربوي يتناول مبادئ الأخلاق في محاولة لبناء شخصية متوازنة لغويًّا وسلوكيًّا لدى الأطفال”.

إلى جانب مبادرتي “جذوري وضاد” طرَح المجلس العلمي السوري، وهو مبادرة مستقلة تجمع بين العلماء والأكاديميين والخبراء السوريين من الداخل والخارج، بهدف المساهمة في إعادة بناء وتعزيز القطاعات الخدمية في سورية، مبادرة تحت عنوان إعادة دمج الأطفال العائدين من الدول غير العربية في نظام التعليم في سوريا نظراً لغياب سياسات ومناهج متخصصة لاستيعابهم رغم تزايد أعدادهم مع موجات العودة إلى سوريا.

تدعو المبادرة إلى اعتماد مناهج انتقالية مرنة، وتأهيل كوادر قادرة على التعامل مع خلفياتهم التعليمية المتنوعة، إضافة إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والدولية، وفتح المجال أمام إنشاء مدارس خاصة متعددة اللغات تسهّل اندماجهم التدريجي في التعليم الوطني.

وصف من التقيناهم من عائدين هذه المبادرات، سواء كانت فردية أو مؤسساتية، بـ الخجولة جداً أمام الحاجة الفعلية التي تتطلب خططاً وبرامج تعليمية من قبل وزارة التربية والتعليم والمديريات التعليمية ليس فقط في إدلب بل في جميع المحافظات، تضمن لهم فرصة عادلة للاندماج في المجتمع والحفاظ على هويتهم الثقافية اللغوية.

المكتب الإعلامي لمديرية التربية والتعليم في إدلب  قال إن المديرية “شجعت المبادرات المحلية والجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية على تنفيذ برامج التعليم التعويضي بمادة اللغة العربية” وحرصت على “تعزيز جهودها في دعم تعلم اللغة العربية بوصفها اللغة الأم وأحد أهم ركائز الهوية الوطنية والثقافية، مستهدفة عدداً من المراكز التعليمية في الريف والمدينة، وتم افتتاح المدارس بما يتوافق مع التوزع السكاني”.

شملت خطة التعليم طلاباً من سن 8 وحتى 17 عاماً، ترافقت مع برامج دعم نفسي واجتماعي ضمن هذه المراكز، لضمان تسهيل اندماج الطلاب في المجتمع وتعزيز ارتباطهم باللغة العربية.

أمام هذا الواقع، تبدو المبادرات المحلية والمجتمعية خطوة غير كافية ما لم تُرافقها خطط تعليمية شاملة تساعد التلاميذ على فهم وتعلم اللغة العربية بوصفها أساس المنهاج التعليمي وشرطًا للاندماج الأكاديمي والاجتماعي للأطفال العائدين من اللجوء.