فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

الطريق الطويل نحو العدالة

سوسن الحسين

ليست مجرد قصة عن فقدان أم وأخت، بل عن وطنٍ كاملٍ يبحث عن الحقيقة.. ضحايا بلا قبور، وأسماء تقاوم النسيان

يقف محمد العلي عند بئر في قرية الجنابرة غربي مدينة حماة وسط سوريا، ينظر إلى الأعماق. يعبس، يشبك ذراعيه، ثم يستدير متسائلًا: ”هل هذا هو البئر الذي دُفنت فيه أمي وأختي؟“

الشاب يبحث عن سيدتين من عائلته اختفين عام 2013 رفقة ثمانِ نساء أخريات بعد مداهمة شنها أتباع الأسد. أمضى العلي طيلة تلك السنوات في البحث عنهنّ في السجون، لكن دون جدوى.

بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، بدأت تظهر المزيد من المعلومات عن الساعات الأخيرة من حياة أفراد عائلته. فقد زعم شاهد عيان أن جثث النساء ألقيت في بئر. لكنه لم يتمكن من تحديد المكان بالضبط، لذا يواصل محمد البحث عن أدلة قد تقوده إلى هذا البئر.

وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن شقيقة وأم محمد العلي هما اثنتان من بين أكثر من مليون و 124 ألفًا و 414 شخصًا مصيرهم مجهول منذ بداية الثورة السورية في عام 2011.

على الرغم من بحثه المستمر لمدة 12 عامًا عن أدلة قد تقوده إلى مكان وجودهنّ المحتمل، لم يعثر الرجل البالغ من العمر 40 عامًا حتى الآن سوى على شهادات شهود عيان غير كاملة، أفادوا فيها بأنهم شاهدوا ما حدث من بعيد.

شهود عيان

حتى سقوط نظام الأسد، كان العلي يعتقد أن أفراد عائلته محتجزون في سجن صيدنايا، الذي يُعرف بـ”غرفة التعذيب“ التابعة لنظام الأسد، لكنهم لم يظهروا ولا أسماؤهم بعد عملية تطهير السجون التي تمت في نهاية عام 2024، ما دفع محمد إلى التخلي عن الأمل في العثور عليهنّ.

ولكن بعد ذلك، مطلع العام الحالي تلقى مكالمة هاتفية من جندي سابق منشق عن جيش الأسد، كان قد فر إلى تركيا بعد مشاركته في مداهمة قرية الجنابرة في عام 2013 (يرغب في عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية).

اتصل الجندي بأحد سكان القرية وأخبره بما ادّعى أنه شاهده في ذلك اليوم: “الجنود الذين شاركوا في المداهمة نفذوا أوامر ضابطهم بقتل النساء العشر المعتقلات وإلقائهن في بئر ثم ردمه بالتراب”.

مع عودة سكان من الجنابرة من المخيمات في شمال سوريا إلى قريتهم، عثروا أثناء تنظيف خزانات المياه في منازلهم على عظام وجماجم وملابس ممزقة لأشخاص لم يتمكنوا من التعرف على ملامحهم بسبب تحلل الجثث.

وصلت قوات الدفاع المدني إلى المكان رفقة العلي. لكن بقايا الملابس التي عُثر عليها أشارت إلى جثث سبعة رجال وامرأة ليست من النساء المفقودات. كانت هذه لحظة خيبة أمل كبيرة للعلي: “للحظة، شعرت أنني سأتمكن من دفن أمي وأختي بكرامة، لكن ذلك لم يحدث. وعدت مرة أخرى إلى دوامة البحث”.

ومع ذلك، أكد الحادث افتراض العلي وشهادة الجندي المنشق عن الجيش بأن ضحايا المداهمة في القرية أُلقوا في إحدى الآبار. يقول العلي: “لكن هناك العديد من الآبار، نحن بحاجة إلى مساعدة سلطات التحقيق لكشف الحقيقة”.

منذ أن تم الكشف عن حوادث مماثلة في عدة مناطق خاضعة لسيطرة قوات الأسد، أصبح موضوع الآبار كمقابر جماعية يواصل إثارة قلق المجتمع السوري.

ليست هذه الحالة الوحيدة التي تحولت فيها بئر إلى مقبرة جماعية. في 15 يوليو من هذا العام، عثر سكان مدينة معان شمال شرقي حماة على رفات 15 جثة في بئر، كانوا في عداد المفقودين منذ عام 2012. وترد تقارير متكررة عن حوادث مماثلة في محافظات سورية مختلفة.

القصة من البداية

في شهر مايو 2013، كانت قرية الجنابرة هدفًا مباشرًا لعمل انتقامي من حاجز شاليش القريب (سمي على اسم مالك المنزل الذي تحصن فيه جنود الأسد)، بعد أن تعرض لهجوم من قبل فصائل معارضة ردًا على القصف العشوائي الذي استخدمه جنود الحاجز لاستفزاز سكان المنطقة.

بعد قصف مدفعي عنيف، اقتحم جنود الأسد القرية. كان العديد من الرجال والشبان قد فروا خوفًا من أن يتم تطويقهم واعتقالهم. النساء اللواتي بقين في منازلهنّ كنّ في الغالب أمهات أو مسنّات. لم يتوقعن أن الجنود سيؤذونهنّ، لكن العكس هو ما حدث.

كانت ختام، أخت العلي التي تكبره بعشر سنوات، محظوظة لأن الجنود لم يقتحموا الحي المجاور الذي تقطن فيه، والذي يبعد حوالي 500 متر فقط عن مكان الحادث. أخبرت شقيقها لاحقًا كيف صعدت إلى سطح منزلها بدافع الفضول في يوم هجوم جنود الأسد.

من بعيد، رأت الجنود يقودون النساء العشر إلى مكان ما، ثم سمعت صوت إطلاق نار كثيف، لكنها لم تستطع رؤية شيء. يتذكر العلي وصف أخته وصوتها المرتجف. لم ينسحب الجنود إلا بعد ساعات. ومنذ ذلك الحين، اختفت النساء.

بعد انسحاب الجنود، عاد محمد في ذلك اليوم من عام 2013 بعد ساعات قليلة فقط إلى منزل والديه. لاحظ على الفور أن شيئًا فظيعًا قد حدث. ساد الصمت، وكان الجيران ينظرون إليه من زوايا عيونهم دون أن ينطقوا بكلمة. يصف تلك اللحظة قائلًا: “كان قلبي ينبض بسرعة، والعرق يتصبب من جبيني”. ثم دخل المنزل مترددًا.

“كانت الفوضى تعم المكان. بدا وكأن كل شيء قد تم تفتيشه”، يتذكر. لم يكن هناك أثر لأمه وأخته. “تساءلت لماذا لم ترحب بي أمي كالعادة ولم تطلب من أختي إعداد الطعام”، يقول العلي. لم يطل الوقت حتى أبلغه الجيران والأقارب باختفاء أمه وأخته.

بحث طويل

أمضى محمد العلي اثني عشر عامًا في البحث عن أي معلومات عن مصير والدته هوية الأحمد وشقيقته صباح العلي. بحث في السجون واستجوب أشخاصًا من أهالي القرية كانوا شهود عيان على جزء مما حدث، لكن أقوالهم عن المصير الغامض كانت متناقضة.

قال البعض إنهم سمعوا طلقات نارية بعد أن تم نقل النساء إلى مكان مجهول، مما يشير إلى أنهنّ ربما أُعدمنَ على الفور. وتوقع آخرون أن عدم العثور على أي أثر لهنّ يعني أنهنّ نُقلنَ إلى أحد السجون. في الوقت نفسه، تشير مكالمة الجندي إلى أن النساء العشر دُفنّ في خزان مياه تحت الأرض في أحد منازل القرية. يقول العلي:””كلما أرى بئرًا، أتخيل وجه أمي وأختي”.

يعيش هذا الأب لخمسة أطفال حاليًّا مع عائلته في مخيمات سرمدا بمحافظة إدلب. وفي الوقت القريب لا يفكر بالعودة إلى قريته الأصلية الجنابرة، التي تعتمد على الزراعة، لأنها تفتقر إلى المياه والكهرباء الأساسية ولا توجد فيها مدارس أو مستشفيات.

كما أن منزله، مثل معظم منازل القرية، دمره القصف. ومع ذلك، فإنه يقطع بانتظام مسافة 130 كيلومترًا من سرمدا إلى هناك لمواصلة البحث عن أفراد أسرته. يقول العلي: “لن أستطيع النوم بسلام قبل أن يتم انتشال الجثث ودفنها بشكل لائق”.

معلومات جديدة

في منتصف يونيو 2025، تلقى مكالمة من مالكي منزل آخر عادوا إلى الجنابرة بعد سنوات من التهجير. أفادوا أنهم عثروا أثناء أعمال التنظيف في بئرهم على عظام بشرية وملابس قديمة تطابق أوصاف النساء اللواتي فقدن، والمكان يحمل المواصفات ذاتها التي حددها الجندي المنشق.

أبلغ العلي مرة أخرى جماعة “الخوذ البيضاء” (الدفاع المدني) وتوجه على الفور إلى مكان الحادث، حيث تمكن سكان القرية من التعرف على إحدى الضحايا من خلال قطعة من ملابسها.

كانت الضحية جارة العلي، التي لقيت حتفها أيضًا في الهجوم نفسه الذي شنه جنود الأسد على النساء العشر. لكن الفريق رفض فتح البئر وطلب انتظار وصول لجنة التحقيق والطب الشرعي، لأنه لم يكن مخولًا بإجراء تحقيقات وجمع أدلة.

حتى اليوم، لم يحدث أي تطور في القضية. كما أن فتح البئر قد يستغرق شهورًا أخرى، لأن العديد من المقابر الجماعية اكتُشفت في المنطقة. وأبلغ رئيس فريق لجنة التحقيق المسؤول، العلي، أن الأمر قد يستغرق شهرين أو أكثر حتى يحين دور قضيتهم.

كان العلي حاضرًا عند الكشف الأولي عن البئر. بالنسبة له، هذا المكان هو الأكثر احتمالًا لدفن والدته وأخته. يقول: “أنا شبه متأكد من أنهما هنا”. “لكنني لا أملك الصلاحية لفتح البئر أو لمس الرفات. نحتاج إلى جهة موثوقة تتولى هذه المهمة بشفافية واحترام”.

بين الذاكرة والعدالة

أصبح بحث العلي عن والدته وأخته الآن بحثًا عن السلطة المسؤولة عن التحقيق في الحادث وتوثيقه بالتفصيل. يمنحه الأمل المرسوم الرئاسي الصادر في 17 مايو 2025، الذي ينص على تشكيل “لجنة وطنية للعدالة الانتقالية”. لكن ذلك يحتاج إلى وقت، لأن المسار لم يبدأ بعد، على الرغم من انقضاء الموعد النهائي المحدد في المرسوم الرئاسي منذ قرابة ثلاثة شهور.

من بين مهام اللجنة الجديدة الكشف عن جرائم نظام الأسد ومعاقبة المسؤولين وتعويض الضحايا وترسيخ مبادئ المصالحة الوطنية. عُيّن العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيسًا للجنة، على أن يشكل فريق عمل خلال 30 يومًا ويضع نظامًا داخليًّا.

ينحدر عبداللطيف من مدينة دير الزور شرقي سوريا، وهو حائز على إجازة في الحقوق من جامعة حلب منذ عام 1986، ويحمل شهادة دراسات عليا بالعلوم الشرطية والقانونية. شغل عدة مناصب خلال الثورة السورية منها عضو اللجنة الدستورية وأمين عام سابق (عام 2019)  للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.

يرى العلي أن مهمة الهيئة تتجاوز مجرد تحديد هوية الجثث. فهو يطالب بإبقاء ذكرى الضحايا حية. يقول: “لا يكفي معرفة من مات. نريد أن نعرف كيف ولماذا ومن أعطى الأمر بذلك. العدالة أكثر من مجرد محاكمة، إنها تتعلق أيضًا بالحفاظ على الذاكرة. “علينا توثيق الحقيقة وحمايتها من النسيان”. يتساءل العلي عما إذا كانت الهيئة قادرة على القيام بكل ذلك.

وبطبيعة الحال، يدرك العلي أن عملها سيستغرق وقتًا طويلًا نظرًا إلى الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد على مدى سنوات طويلة. وهو يفترض أن الكشف عن جميع الجرائم سيستغرق سنوات، وهو ما أكده متحدث باسم اللجنة.

كما أنه يتفهم كيف أن المشاكل الأمنية التي تسببها بقايا نظام الأسد السابق (مثل مهاجمة قوى الأمن الداخلي ووضع الكمائن لهم وافتعال الحرائق) شتّتت جهود الحكومة وأعاقت وأخرت إجراءاتها في إطار العدالة الانتقالية.

بحسب تقرير موجز عن المرحلة التأسيسية لهيئة العدالة الانتقالية فإن الملفات المنجزة حتى الآن تتلخص بـ: مشروع النظام الداخلي للهيئة، الهيكلة التنظيمية للهيئة، مدونة السلوك والضوابط الناظمة، لقاءات عديدة مع هيئات وجهات دولية ومنظمات مجتمع مدني، لقاءات ومشاورات دورية مع الضحايا وذويهم وممثلين عنهم من روابط ومنظمات.

ومع ذلك، فإنه يرغب بشدة في تسريع عملية الكشف عن قضيته. “لقد حددنا الموقع بدقة ونريد فقط إرسال فريق لانتشال الجثث وتوثيقها وإجراء التحقيقات الجنائية. هذا ليس مستحيلًا”. لذلك ينتظر العلي بفارغ الصبر هذه الأيام افتتاح مكتب للجنة العامة للعدالة الانتقالية وبدء عملها.

وفقًا للمتحدث باسم اللجنة، لا توجد حاليًّا مكاتب في المحافظات لأن اللجنة ما تزال في مرحلة التأسيس. وحسب قوله: “يمكن لأقارب الضحايا الاتصال مباشرة مع رئيس الهيئة ومساعديه عبر أرقام هاتفية مخصصة لذلك، أو من خلال ممثلي منظمات المجتمع المدني والناشطين من مختلف المحافظات”. ويؤكد أن هناك خططًا لتوسيع نطاق عمل اللجنة الجغرافي لضمان الوصول الفعال إلى الضحايا وأسرهم.

على الرغم من تفاؤل العلي بشأن هذه الإجراءات، إلا أنه قلق من تأخر اللجنة في الإعلان عن بدء عملها. “أنا في حالة عصبية شديدة، حتى أصحاب البيت الذي دفنت فيه الضحايا يضغطون عليّ لإيجاد حل لتسريع نقل الرفات. يقولون إنهم يخافون من النوم بجانب الجثث”.

يضرب كفيه ببعضهما البعض ويقول: “ليس لدي خيار سوى المطالبة والانتظار”. خاصة أنه لم يتمكن حتى الآن من الاتصال باللجنة، لأنه لا يجد بيانات الاتصال الرسمية على الإنترنت.

“ربما لا أستطيع دفن أمي وأختي في قبر معروف، لكن أطفالنا يجب أن يعرفوا ما حدث هنا “. يؤكد العلي معتبرًا أن قصة نساء الجنابرة مثال حيّ على حجم الخسارة وبطء المساءلة. وأن مطالبه بالكشف عن الحقيقة لا تتعلق بمصير عشر نساء اختفين في الحرب فحسب، بل بمسألة وطنية أكبر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أُنتجت هذه المادة ضمن ورشة عمل “دورها – دعم الصحفيات السوريات”، نظمتها مؤسسة تاز بانتر الألمانية