لم يكن أحد يتوقع أن حفرة صرف صحي مكشوفة ستنهي حياة أحد العابرين في قرية حيش بريف إدلب الجنوبي، بعد أن وقع داخلها خلال عبوره الطريق على دراجته النارية في حادثة ليست الأولى من نوعها في المنطقة، لكنها الأكثر قسوة.
لم تسلم أغطية حفر الصرف الصحي من النهب خلال سنوات سيطرة قوات نظام الأسد على ريف إدلب الجنوبي، إذ جرى تفكيكها وبيعها ضمن عمليات “التعفيش” الواسعة. ومع عودة الأهالي إلى قراهم بعد النزوح، وجدوا شبكات المياه والصرف الصحي خارج الخدمة تمامًا، فيما تحولت الطرقات إلى شوارع مكشوفة بلا حماية، تتربص بالمارة وتشكل كمائن دائمة للحوادث.
تنتشر الحفر المكشوفة في شوارع قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، لتتحول إلى هاجس يومي يؤرق الأهالي خوفًا على أطفالهم وكبار السن وحتى الزائرين الجدد للمنطقة. وتزداد خطورتها في ظل غياب أبسط مقومات السلامة، فلا إنارة ولا إشارات تحذيرية، لتبقى الطرقات مليئة بـ فخاخ مباغتة قد تبتلع المارة في أي لحظة.

في بلدة معرتحرمة التي تبعد كيلومترات عن موقع الحادث، يجلس مصعب، 35 عامًا، (اسم مستعار)، على حافة حفرة صرف صحي، يلتقط أنفاسه بصعوبة تحت شمس لاهبة بعد ساعات طويلة قضاها في تنظيفها من الركام استنشق خلالها غبارًا كاد يخنقه. يقول وهو يزيل العرق عن جبينه: “نقوم بما نستطيع لإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي وإغلاق الحفر، رغم أن العمل شاق جدًّا ولا نتقاضى مقابله أي أجر”.
مصعب ليس وحده في هذه المهمة. فمجموعة من شباب البلدة قرروا منذ أيام مواجهة خطر هذه الحفر، يحاولون بجهود فردية إعادة ترميم ما يمكن ترميمه من شبكة الصرف الصحي المنهارة، مدركين أن أي إهمال قد يعني ضحايا جدد، أو عرقلة لعودة سكان البلدة.
تكاليف باهظة
يصل عدد الحفر المكشوفة في معرتحرمة إلى 400 حفرة، وتبلغ التكلفة التقريبية لتعزيل الواحدة منها مع تركيب غطاء محكم نحو 100 دولار، بحسب المجلس المحلي في البلدة، ما يعني أن التكلفة التقديرية لإصلاحها قد تتجاوز 40 ألف دولار. وهو مبلغ يفوق قدرات الأهالي المنشغلين بإصلاح أجزاء من منازلهم المدمرة وترميمها بأقل الإمكانيات المتاحة، فبعضهم اضطر لنقل خيمته من مكان النزوح للعيش فيها مجددًا، أملًا بتدخل المنظمات الإنسانية أو الجهات الحكومية لتنفيذ مشاريع إعادة إعمار للعاجزين عن ذلك.
تشير التقديرات إلى أن واحدًا من كل ثلاثة منازل في سوريا متضرر أو مدمر، وأن نحو 5.7 مليون سوري بحاجة إلى دعم لتأمين المأوى، ما يجعل مشكلة الصرف الصحي مجرد جزء من تحديات أكبر تواجه العائدين.
أبو معد، من أهالي البلدة، عاد قبل أشهر إليها بعد رحلة نزوح استمرت أكثر من خمس سنوات قضاها مع عائلته في قرى راجو بريف عفرين، يؤكد أن جميع “الريكارات” في البلدة إما منزوعة الغطاء وتفوح منها الروائح الكريهة، أو مردومة وتحتاج لورشات لإعادة تأهيلها.
يقول أبو معد: “إضافة إلى الخراب الذي لحق بحفر الصرف الصحي، فإن المصبات الرئيسة التي تصب فيها الخطوط معطلة بالكامل وتحتاج إلى صيانة عاجلة ومكلفة. يجب أن تتكاتف الجهات الحكومية مع الأهالي لحل هذه المشكلة”.
حلول إسعافية مؤقتة
حاول المجلس المحلي في معرتحرمة، على غرار مجالس أخرى في المنطقة، البحث عن حلول إسعافية للحد من خطر الحفر المكشوفة، فاستخدم إطارات سيارات وحجارة لتغطيتها أو للتنبيه على وجودها، خاصة على الطرقات الرئيسة. فيما يواجه العمال مخاطر متعددة أثناء العمل، من بقايا مخلفات الحرب إلى الأفاعي والحشرات والروائح الكريهة، كما يروي مصعب، المتطوع لتنظيف الحفر.

رئيس المجلس المحلي، ضياء الحاج أحمد، يؤكد تسجيل ما لا يقل عن ثمانية حوادث مرورية بسبب تلك الفتحات، نُقل ضحاياها إلى النقطة الطبية الوحيدة في البلدة. ويشير إلى أن انهيار شبكة الصرف الصحي يمثل إحدى أكبر العقبات أمام عودة الأهالي، موضحًا أن المجلس أعد دراسة متكاملة للمشروع ووجّه مناشدات متكررة للمنظمات المحلية والدولية، لكن دون استجابة.
ويشير الحاج أحمد إلى أن عودة الأهالي إلى منازلهم فاقمت حجم المشكلة، فمع تعزيل البيوت المهدمة تجمع الركام في الطرقات، ليزيد من ردم الحفر ويجعل الوصول إليها وإصلاحها مهمة أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل غياب آليات منظمة لترحيل الأنقاض.
حملات شعبية ومبادرات مجتمعية
لم يقف المجلس المحلي في معرتحرمة مكتوف الأيدي، فأطلق مبادرة بالتعاون مع جمعية الإخاء تحت شعار “إنقاذ الصرف الصحي في البلدة”. تعتمد على تبرعات الأهالي وجهود الشبان في تعزيل الحفر، مع دعوات إلى المغتربين لدعم تصنيع أغطية جديدة.
أحمد الأحمد، مدير الجمعية، يصف المشهد محذرًا من خطورة الحفر المكشوفة، يقول: “بقاء الوضع على ما هو عليه يعني انتشار الروائح الكريهة واختلاط النفايات بالمياه، ما يرفع احتمالية تفشي الأمراض”. ويضيف أن هذه الفتحات تجعل الحياة في محيطها شبه مستحيلة، ومع حلول الشتاء ستتحول إلى كارثة حقيقية بسبب تراكم الأوساخ والمياه.
ولا يختلف الحال في بلدات الجنوب الأخرى مثل، حاس وكفرومة وحزارين ومعرزيتا ومعرتماتر والهبيط وحيش. وفي كفرنبل وحدها، تنتشر قرابة 900 حفرة صرف صحي، أُغلق منها 34 فقط بعد حملة شبابية باسم “كفرنبل بتستاهل”. أما بقية الحفر، فكثير منها مردوم بالركام، ما أجبر الفرق على البدء بالطريق الرئيس لتأمين عودة الأهالي، قبل الانتقال إلى الطرق الفرعية، بحسب المجلس المحلي.

في مصانع متخصصة ببلدة أرمناز تُصنَّع الأغطية الجديدة من مادة “الفونط” القادرة على تحمّل الأوزان الثقيلة وغير القابل للثني أو الانحناء. لكن رغم هذه الجهود، تبقى الاستجابة محدودة أمام حجم الاحتياج، وفي الوقت الذي يقتصر حل المشكلة حتى الآن على مبادرات فردية كجهود مصعب وزملائه، وحملات شعبية متفرقة، في ظل غياب تام لدور الجهات الرسمية والمنظمات المعنية، تبقى الفتحات المكشوفة فخاخًا صامتة تهدد أرواح المدنيين في أي لحظة.
مع اقتراب الشتاء، يتساءل من قابلناهم من أهالٍ: “من سيتحمل مسؤولية الأرواح أو الحوادث التي قد تسببها هذه الحفر قبل أن تُغطى”؟ بينما يسترجع البعض ذاكرتهم القريبة في الضجة التي أحدثها مشروع حكومي بتعبيد جميع طرق مدينة إدلب وطرق حيوية في مدينة الدانا، تاركة القرى دون التفات نحو تأهيل بناها التحتية الأساسية، يقولون معاتبين: “أليس تأمين عودة المهجرين أولى من تعبيد طرق فرعية في المدن التي تودع سكانها المهجّرين الآن”.
