فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

focusaleppo

الحنين للمنازل مقابل الدمار وغياب الخدمات.. العودة مؤجّلة إلى قلعة المضيق

ياسين المحمد

دمارٌ واسعٌ وغيابٌ للخدمات في بلدة قلعة المضيق، وقرار العودة صعب أو مؤجل بالنسبة لكثير من النازحين

لم تنتظر “أم محمد” وأولادها الثلاثة طويلاً بعد سقوط نظام الأسد. ست سنوات من النزوح كانت كافية لتقرّر العودة إلى بيتها في بلدة قلعة المضيق بريف حماة الغربي. تقول “وجود سقف وجدران تؤوينا أفضل من البقاء في الخيام القماشية على أطراف بلدة الدانا بريف إدلب الشمالي”.

السيدة الخمسينية ليست من العائلات التي آثرت البقاء في المخيمات وما زالت تنتظر تحسّن الخدمات. ترى “أمّ محمد” في حديث لـ “فوكس حلب” أن أكبر تحدٍ أمام العائدين يتجسّد في حجم الدمار وغياب الخدمات الأساسية، وتضيف “عدت مع أولادي بعدما سئمنا السكن في الخيام. نشتري الخضار ونبيعها لتأمين مصروفنا اليومي، لكنّ عملاً كهذا لا يكفي نفقات عائلةٍ عادت إلى بيت بلا ماء ولا كهرباء”.

على عكس الماضي، لا يُسمع في نهار البلدة التي يزيد عدد سكانها الأصلي عن 20 ألف نسمة سوى أصوات المطارق وآليات رفع الأنقاض. بعض المحال افتتحت أبوابها رغم غياب الكهرباء وشحّ المياه، بينما معظم المدارس مغلقة والأخرى مهدمة.

بيتٌ مهدمٌ أرحم من الخيمة

عبد الرحمن العلي عاد حديثاً من مخيم قرب دير حسان شمالي إدلب إلى منزله رغم نصائح الأقارب بالتريّث حتى يتحسن الوضع المعيشي. يقول لـ “فوكس حلب” الحياة في المخيمات قاسية، لكن يبقى البيت المتضرّر أرحم من الخيمة. انتظرت حتى نهاية العام الدراسي، كيلا يبقى أطفالي دون دراسة، لأن معظم مدارس قلعة المضيق غير جاهزة حتى الآن”.

يضيف “العلي” أنّ الحيّ الذي يقيم فيه يتحول ليلاً إلى مكان شبه مهجور، الحركة معدومة، والإنارة عبارةٌ عن خيوط خافتة تتسلّل من بعض البيوت التي عاد أصحابها حديثاً. ويتابع “لقد رمّمت غرفة واحدة فقط، والبيت بلا ماء ولا كهرباء”.

إطلاق مشاريع فردية أملاً ببعث الروح في البلدة

على بعد أمتار من منزل “العلي” افتتح عبد الله الإبراهيم مطعماً صغيراً يقدّم وجبات خفيفة، أملاً بأن يجتمع العائدون فيه. يقول لـ “فوكس حلب” افتتحت المطعم لتمضية الوقت ولقاء أهل البلدة. مشروع كهذا خاسر 100 بالمئة بسبب غياب المياه والكهرباء وقلّة أعداد العائدين، يضاف إلى كل ذلك عدم توفّر البضائع”.

في الشارع المقابل، حوّل يوسف المصطفى غرفة في بيته إلى ورشة لإصلاح الدراجات النارية بتمويل ذاتي ومساعدة أقارب مغتربين. يقول لـ “فوكس حلب” مناطقنا عانت التهميش قبل الثورة، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه. لن يساعدنا أحد في إعادة الإعمار أو حتى إزالة الأنقاض، وعلينا أن نقوم بذلك بأنفسنا”.

يشير بيده إلى محال ومنازل ما زالت خاوية، ويعزو إحجام الأهالي عن العودة إلى غياب الخدمات والمدارس. ويضيف “تركت أولادي في الشمال السوري لعدم افتتاح المدارس القريبة من منزلي حتى الآن”.

الشاب أحمد سليمان ترك البلدة عام 2019 إبّان حملة لنظام الأسد وموجة النزوح الكبيرة. يقول لـ “فوكس حلب” بدأت رحلة نزوحي حين قررت الدراسة في الجامعة والبحث عن عمل. لم أنعم بالاستقرار طوال سنوات النزوح، وعدت اليوم لأجد بيتاً مدمراً وخدمات شبه معدومة.

يعود أحمد بلا ضمانات، لكن أكثر ما دفعه للعودة، رغبته في البحث عن عمل في إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار. ويضيف “رمّمت غرفة في منزل عائلتي التي تقيم في مخيم قرب معرة مصرين، على أمل أن تلتحق بي لاحقاً إذا تمّ تجهيز باقي الغرف”.

الألغام لم تُزل من البلدة والخدمات الأساسية غائبة

تقدَّر نسبة الدمار في البلدة بأكثر من 70 بالمائة. إذ جعلها موقعها على تل مرتفع شرق سهل الغاب هدفاً واضحاً للصواريخ والطائرات. يقول عبد الله لطّوف، معاون مدير منطقة الغاب لـ “فوكس حلب” إن الدمار في البلدة كبير، ويشكّل انتشار مخلفات الحرب من ذخائر وقذائف داخل منازل المدنيين خطراً دائماً على العائدين، خاصّة أن بعض المنازل استُخدمت سابقا كمستودعات أو منصات إطلاق”.

ويشير إلى أنّ شبكات المياه والصرف والكهرباء تعرّضت للتخريب وسرقة التجهيزات، ما خلّف نقصاً حاداً في مياه الشرب وندرة كبيرة في التغذية الكهربائية وأعطالاً واسعة في الصرف الصحي”. أمّا في القطاع الطبي فلا يوجد سوى مركز واحد يعمل بطاقة محدودة، وهنالك وعود بإعادة تفعيله، بحسب لطّوف.

يقول أحد العاملين في مجلس بلدة قلعة المضيق، فضّل عدم ذكر اسمه، بسبب تغييرات في التشكيلة لـ “فوكس حلب” إن المجلس ينسّق مع جهات في محافظة حماة لتأمين مياه الشرب وترحيل الأنقاض عبر مبادرات شعبية، لكن استجابة المنظمات ضعيفة والدعم الحكومي محدود”.

ويؤكد الموظّف في المجلس أن مديرية المنطقة تعمل بالتعاون مع محافظة حماة، ضمن حملة “حماة تنبض من جديد” وعدد من المنظمات الدولية، على تركيب محولات كهرباء مخصصة للمناطق السكنية وصيانة آبار المياه. لافتاً إلى أنّه تم تجهيز بعضها، فيما لا تزال أخرى قيد الصيانة أو الدراسة. كما جرى التنسيق مع المجتمع المحلي لصيانة الأعطال الرئيسية في شبكتي المياه والصرف الصحي، وفقاً لقوله.

يقدّر مجلس البلدة عدد العائدين بنحو الثلث من أصل أكثر من 20 ألف نسمة، كانوا يقطنون البلدة قبل عام 2019. ويجمع من التقيناهم من العائدين على أن الوضع في البلدة غير مشجّع على العودة الآن. وتفاوتت دوافعهم بين الهرب من قسوة الخيام والحنين إلى المنزل، أو الأمل بالعثور على فرص عمل في مشاريع قد تعيد جزءاً من الحياة إلى البلدة.