فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

المال في المصرف.. والمواطن في الطابور

سوزان العلي

امتلاك المال في المصرف لا يعني القدرة على الوصول إليه.. في دير الزور طوابير انتظار وصرافات معطلة وسحب محدود، إنها معركة الحصول على الرواتب والودائع

أعلن  المصرف التجاري السوري في العاشر من شهر آب الحالي عن رفع سقف السحب من الصرافات الآلية للعملية الواحدة من مائتي ألف ليرة سورية إلى ستمائة ألف ليرة، في إجراء وصفه بـ “تحسين انسيابية السحب، بعد أن كان العملاء يضطرون لإجراء عدة عمليات متتالية لسحب مبالغ كبيرة، مما يسبب الازدحام ويؤثر على الخدمة”.

وأوضح المصرف أن هذه الخطوة، وإن كانت محدودة، تهدف إلى تقليل وقت الانتظار، وتخفيف الضغط على الصرافات، وجاءت استجابةً لملاحظات العملاء وحرصًا على تحسين تجربتهم.

جهان جمعة، سيدة أربعينية من دير الزور، لم تجد في القرار حلًّا لمشكلتها التي تصفها بـ “الفخ المالي”. فقبل سقوط نظام الأسد، باعت عائلتها شقة سكنية في دمشق، وتقاسموا ثمنها. أودعت جهان حصتها البالغة مائة مليون ليرة سورية في المصرف العقاري، “اعتقدت أنّ هذه هي الوسيلة الأكثر ضمانًا لأحافظ على المبلغ وأشتري به شقّة صغيرة تؤويني أنا وعائلتي” تقول، ثم تبرر “خشيت من اللصوص والمسلحين الذين ينشطون في المنطقة”.

بعد أيام من إيداع المبلغ سقط نظام الأسد، وتعطلت عجلة الاقتصاد بسبب الوضع الجديد، وأغلق المصرف، الذي ظنَّت أنه الملاذ الآمن، أبوابه فجأة. وعندما أعاد فتحها بعد قرابة الشهر، كانت جهان أول الواصلين، تتوجه يوميًّا منذ الساعة الرابعة فجرًا لتحجز دورًا. ومع ذلك، لم تستطع سحب أي مبلغ في شهر شباط، وفي آذار دخلت بجدالات طويلة مع إدارة المصرف دون فائدة.

تقول جهان، “كنت أرى ميراثي الوحيد طوق نجاة من الإيجارات المتكررة، لكن تحديد سقف المبلغ المتاح سحبه في الأسبوع الواحد تسبب لي بارتفاع في السكر، وخيبة لا توصف”. وتضيف: “استطعت سحب مليون ليرة سورية أسبوعياً في شهري نيسان وأيار، لكن في حزيران خفضوا المبلغ المتاح سحبه إلى نصف مليون، ثم في تموز إلى مائتي ألف ليرة فقط كل أسبوع، والآن رغم قرار رفعه إلى ستمائة ألف ليرة إلا أن مشكلتي ماتزال قائمة، من حقي الحصول على ما أشاء من مالي وفي أي وقت”.

يواجه سوريون صعوبة شديدة في الوصول إلى أموالهم المودعة في المصارف. القيود المفروضة على السحب، وتعطل أجهزة الصراف الآلي، وزيادة الضغط على المحاسبين، تجعل من عملية سحب الرواتب أو الودائع أمرًا معقدًا حتى مع قرار رفع سقف السحب الأخير.

البعض يعتبر القرار خطوة أولى مبشرة لحل أفضل مما كان متاحًا (مائتي ألف ليرة سورية أسبوعيًّا، أي ما يعادل عشرين دولارًا)، وهو مبلغ بالكاد يغطي حتى تكاليف الوصول إلى المصرف بحسب موظفين التقيناهم، في وقت تعتمد فيه آلاف العائلات على هذه المبالغ لتأمين احتياجاتها الأساسية.

طوابير يومية

منذ أكثر من شهرين تخوض أم أسامة، سيدة في أواخر عقدها السادس، رحلة شاقة مرتين أسبوعيًّا من أجل الوصول إلى المصرف التجاري وسط مدينة دير الزور. قبل أن تغادر منزلها في حي الحميدية المدمّر جزئيًّا، تستيقظ يوميًّا عند السادسة صباحًا لتعدّ فطورًا متواضعًا وإبريق شاي يؤنس زوجها العاجز حركيًّا والمريض بالربو.

تسير نصف ساعة مشيًا على الأقدام، في شوارع غابت المواصلات عنها، علّها تحصل على راتب زوجها التقاعدي، أو جزء من وديعتها البالغة عشرة ملايين ليرة سورية، (نحو ألف دولار). “إذا أسعفني الحظّ” تقول، “أصادف جارًا ممن يملكون سيارة أو دراجة نارية، يقلّني في طريقه، فأصل قبل السابعة صباحًا، لأظفر برقم بين الأربعين والخمسين في الطابور الطويل”. هناك يتزاحم العشرات من أبناء الريف والمدينة أمام المصرفين التجاري والعقاري لأسباب مشابهة.

بحسب البنك الدّولي فإن سوريا تواجه أزمة سيولة حادّة بسبب نقص أوراق النقد والاضطرابات الأوسع نطاقًا في تداول العملة المحليّة، مع توقعات بنمو متواضع للناتج المحلي الإجمالي لسوريا واحد بالمئة في 2025بعد انكماش واحد ونصف بالمئة في 2024.

نفدت السيولة

معظم الأيام تقف أم أسامة لساعات، منتظرة دورها. في كل مرة تقترب فيها من نافذة المحاسب شيئًا فشيئًا. تحبس أنفاسها وهي تتمتم “جاء الفرج”. لكن كثيرًا ما يرتفع صوته فجأةً قائلًا: “نفدت السيولة، تعالوا غدًا”.

بصدمة كبيرة تسلك طريق العودة واصفة خطواتها المتثاقلة بـ “مشية السلحفاة”، تنقل قدميها دون ثني ركبتيها بسبب الألم، فيما تتناول ابنتها الثلاثينية الموقف بروح الدعابة، فتقلّد مشية والدتها محاولةً إقناعها بالتوقف عن الذهاب للمصرف، تذكّرها بمصير أكثر قسوة: “تعرفين كم يكلف تبديل المفصل؟ مئة مليون ليرة.. أي مجموع رواتب والدي لمدة 27 عامًا”.

على مدار سنوات قبل الثورة، خضعت البنوك السورية لعقوبات دولية مشددة، كانت بمثابة طوق خانق على النظام المالي في البلاد. فقد فرضت الولايات المتحدة منذ عام 2004 قيودًا صارمة على البنك المركزي السوري، ووسّعتها لاحقًا عبر قانون “قيصر” الذي جرّم التعامل مع المؤسسات المرتبطة بالنظام، كذلك قانون مكافحة الكبتاجون بما فيها البنوك العامة والخاصة.

بالتوازي، جمّد الاتحاد الأوروبي أصول معظم المصارف السورية، وفرض حظرًا على التحويلات المالية والتعاون المصرفي مع الخارج. هذه الإجراءات عطّلت حركة التجارة والاستثمار، ودفعت البنوك السورية إلى العزلة عن النظام المالي العالمي، ما فاقم أزمة السيولة وأجبرها على العمل ضمن شبكات مالية غير رسمية محفوفة بالمخاطر.

صرافات خارج الخدمة

بعد سقوط نظام الأسد تعطّلت جميع أجهزة الصراف الآلي في دير الزور. لم يعد باستطاعة المتقاعدين استلام رواتبهم من آلة الصرافة، وتحول تسليم رواتبهم إلى محاسب بشري بطيء، ضمن طابور طويل. “هذا الانتظار يأكل من أعمارنا”، تقول أم أسامة.

مديرة المصرف التجاري، السيدة بشرى الصياح، تؤكد في تصريحها لفوكس حلب أن أزمة نقص السيولة لا تخص دير الزور فقط، بل هي عامة في جميع المحافظات السورية. 

وتشير الصياح إلى أن تخفيض أو رفع سقف السّحب يتمّ عن طريق الإدارة في دمشق، وليس للإدارة المحليّة في دير الزّور أيّ دور في ذلك. تقول: “نحن نلتزم بالتعليمات من الإدارة المركزية التي تهدف لتنظيم السيولة، لكن كمواطنة، أرى أن هذه الإجراءات مجحفة وتدمّر ثقة العملاء بالمصارف”.

أمّا بالنسبة إلى مشكلة خروج الصّرافات الآلية عن الخدمة، قالت الصيّاح بأنّ السبب يعود لأعطال فنيّة، مع العلم بأنّ آلتي صرافة جديدتين وصلتا إلى مدينة دير الزّور قبل سقوط نظام الأسد بحوالي شهرين ولم يتم تركيبهما حتّى الآن بسبب انتظار تعاقد الإدارة المركزيّة مع شركات صيانة متخصصة لتفعيلهما وحل هذه المشكلة. تخبرنا الصياح أنها تتدخل في حالات مخصصة لتسهيل حصول كبار السّن والمرضى على الخدمة، مؤكدة وجود مسؤول أمني معني بتنظيم الدّور.

بعد أكثر من عقد من العزلة المصرفية، شهدت البنوك السورية انفراجًا في عام 2025، مع إعلان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تخفيفًا واسعًا للعقوبات المالية المفروضة منذ اندلاع الحرب.

فبينما أصدرت واشنطن إعفاءً مؤقتًا يسمح بالتعامل مع البنوك السورية خارج قوائم العقوبات، ألغى الاتحاد الأوروبي تجميد الأصول وقيود التمويل عن عدد من المصارف، في حين قررت لندن رفعاً شاملاً للعقوبات عن البنك المركزي.

هذه التحولات فتحت الباب أمام عودة جزئية لسوريا إلى النظام المالي العالمي، بما في ذلك استئناف بعض عمليات التحويل عبر “سويفت”، رغم استمرار الرقابة المشددة على الكيانات الأمنية وشبكات النظام السابقة.

التوقعات بشأن سوريا وفقًا للبنك الدولي ماتزال تنطوي على مخاطر كبيرة. يوفر تخفيف العقوبات بعض الإمكانات الواعدة إلا أنّ التقدم ما يزال محدودًا مع استمرار تجميد الأصول وتقييد الوصول إلى الخدمات المصرفيّة الدوليّة.

رواتب تُباع بأقل من قيمتها

رفيف محمد، شابة من الحسكة عمرها 25 عامًا، تعمل ميسرة أنشطة في إحدى الجمعيات الخيرية. تُضطر أسبوعيًّا للسفر إلى دير الزور لتسحب جزءًا من راتبها. كان على رفيف السفر أربع مرات على أقل تقدير لتستطيع سحب راتبها الذي يبلغ مليونين ونصف المليون ليرة سورية، نحو 250 دولارًا. تقول: “تكاليف السفر في الشهر تصل لمليون ليرة للمواصلات فقط، فضلًا عن المبيت والطعام”.

لذا تبحث رفيف كل شهر عن مشترين لرصيدها المصرفي نقدًا، مقابل خسارة مالية. “أحيانًا أقبض مليوني ليرة نقدًا مقابل مليونين ونصف المليون في البنك، فقط لتوفير الجهد والوقت، لكن الأزمة تتفاقم كل شهر”.

الشّهر الماضي فشلت لأنّ الشّخص الّذي كانت تحول المال لحسابه قرر إعطاءها فقط مليونًا ونصف المليون لأنّه أيضًا تأثر بانخفاض السحب، يقول إنه يدفع لسماسرة ليتمكن من سحب رصيده. لذلك قررت بيعه مهما بلغت الخسارة، تقول: “راتبي لهذا الشهر سأبيعه للشّخص نفسه مقابل أيّ مبلغ يدفعه لي”.

لا تنظر رفيف إلى قرار رفع سقف السحب لستمائة ألف ليرة بعين التفاؤل، رغم أنها تصفه بالخطوة الجيدة، إلا أن أسباب بيع رواتبها مازالت موجودة ومشكلتها ستبقى قائمة.

يشرح الباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو تأثير العقوبات الأمريكية على النظام المصرفي السوري، ومنها منع سوريا من التعامل بنظام سويفت العالمي، وهو النظام الذي يسمح بالتحويلات بين البنوك عالميًّا، الأمر الذي تسبب بخلل في النظام المصرفي بالإضافة الى تجميد الأرصدة التي تمتلكها البنوك السورية في الخارج (أوروبا وأمريكا)، ومنع البنك المركزي السوري والمصارف السورية من التعامل مع أي مصرف آخر، وعقوبات على أفراد (مدراء ومسؤولين محسوبين على النّظام السوري السابق).

كانت هذه أهم العقوبات المفروضة على سوريا وتسببت بشكل مباشر بشلل في التعاملات المالية، وضعف الثقة بالمصارف المحلية داخليًّا وخارجيًّا، والعزوف عن الإيداع فيها وازدهار الحوالات غير الرسمية، ونشوء شركات صرافة غير مرخصة، وانعدام المصداقية بالنسبة إلى البنك المركزي الذي تحول إلى مجرد مؤسسة تصدر بيانات حول سعر صرف الدولار.

يؤكد شعبو أن الحكومة خلال الأشهر الماضية تحاول إعادة تموضع الاستثمارات السورية، معرفًا سقف السحب أو ما يسمى بتقييد أو تجفيف السيولة، بأنه “تخفيف الطلب على السيولة لتجنب سحب كميات كبيرة من الليرة السورية”.

يفسر شعبو سياسة تحديد سقف السحب بوجود شبكة مالية معقدة ممتدة في الداخل والخارج، من أصول مخفية وحسابات وهمية وشركات واجهة. لذلك فإنه يقول: “كان من الضروري تقييد خروج وسحب الأموال، وبالتالي محاصرة الشخصيات المرتبطة بالنظام ومنعها من سحب أموالها، بالإضافة إلى أنه عندما تسلمت الإدارة الجديدة لم يكن هناك أموال في البنك المركزي، والسيولة الموجودة فيه حاليًّا مصدرها دفعتين تسلمتهما الحكومة المؤقتة الجديدة من روسيا”.

ما يبرر سياسات البنك المركزي حاليًّا، بحسب شعبو، هو أن الحكومة لا تمتلك القدرة على سداد الالتزامات المصرفية في الوقت الراهن. يقول إن الأمر مقلق ولكنه مفهوم، وحتى لو توفرت السيولة لدى البنك المركزي فإن ضخ السيولة سيتسبب بالتضخم في السوق.

متقاعدون بلا صوت.. ولا مال

في الحسكة والقامشلي، لم يعد المتقاعدون قادرين على سحب رواتبهم، إما بسبب تعطل الصرافات، أو المؤسسات والدوائر الحكومية التي أغلقتها الإدارة الذاتية، من بينها المصارف. كذلك لا يمكنهم السفر إلى دير الزور بسبب ضعف الرواتب الذي لن يسد تكاليف السفر.

تحديد سعر السحب ضاعف من معاناة النّاس في سوريا حيث يقبع تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر. وفقًا لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يؤكد أن التعافي يتطلب رؤية وطنية واضحة، وإصلاحات عميقة، وتنسيقًا فعالًا بين المؤسسات. كما يعد توسيع فرص نفاذ سوريا إلى الأسواق العالمية عاملاً أساسياً لتحقيق التعافي الاقتصادي في سوريا.

تتقاطع إشارات الانفراج السياسي وتخفيف العقوبات مع ظروف اقتصادية معيشية ما تزال شديدة التعقيد. تظهر التحديات بوضوح في محدودية الوصول إلى الودائع، وتعطّل الصرّافات، والطوابير الممتدة أمام فروع المصارف، ما يعكس عمق الأزمة المالية المستمرة.

ورغم الانفتاح الخارجي النسبي، يشير خبراء اقتصاديون إلى أن التعافي يتطلب إصلاحات هيكلية داخلية، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتعزيز الشفافية، إلى جانب توسيع قدرة البلاد على الاندماج مجددًا في الاقتصاد العالمي، كخطوات ضرورية نحو استقرار طويل الأمد.