فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

حليمة خلف المقود.. فتاة قادها الواجب باكراً

هيام الباشا

حين عجز الأب عن العمل، أمسكت حلوم ذات الخمسة عشرة عامًا بالمقود، تركت المدرسة، وقادت الشاحنة لتصبح سنداً لعائلتها

على طرقات بلدة مشمشان بريف جسر الشغور غربي إدلب، تقود “حُلوم” شاحنة صغيرة من طراز “بورتر” بكل ثقة، تجمع الحليب من مربي الأبقار وتنقله إلى المعمل، حاملة مسؤوليات أكبر من عمرها. ابنة الخامسة عشرة، صارت اليوم “سند العيلة” بعد أن دفعتها الحاجة لتحلّ مكان والدها، الذي أقعده كسر في قدمه عن العمل.

اسمها حليمة، لكنها تعرف بـ”حُلوم”، وهي واحدة من ثمانية إخوة، سبع بنات وصبي صغير عمره عام ونصف. حين كانت في الحادية عشرة من عمرها، اتخذ والدها قرارًا جريئًا بتعليم ابنته القيادة. يقول: “قبل أن أدرب حلوم على القيادة كان يشغلني سؤال دائم: من سيهتمّ بالعائلة إن أصابني شيء؟”.

 حُلوم تقود سيارة البورتر بعد عودتها من العمل. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم تقود سيارة البورتر بعد عودتها من العمل. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

حلوم لم تكن البنت الكبرى في عائلتها، فهي الثالثة من حيث الترتيب، لكن الأب اختارها دون تردد. شخصيتها الحازمة، رغم صغر سنها، كانت سبب الاختيار. علّمها نظريًا أولًا، كانت تسأل عن كل التفاصيل: الفرامل، المقود، مقبض اليد، مبدأ السرعة، ثم بدأت تتدرب خلف المقود وهو بجانبها. 

حلوم ووالدها يحملان جرة الحليب من مربي الأبقار.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم ووالدها يحملان جرة الحليب من مربي الأبقار. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

بعد عامين، اضطر والدها للتوقف عن العمل بسبب إصابة، فتركت حُلوم المدرسة، وتولّت مهمة جمع الحليب من المُربين في القرى المجاورة ونقله إلى معمل الأجبان حيث يعمل والدها، الذي يمتلك خبرة تزيد عن ثلاثين عامًا.

حلوم ووالدها ومعهم أحمد وعدنان العاملين في المعمل، في طريقهم لجمع الحليب.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم ووالدها ومعهم أحمد وعدنان العاملين في المعمل، في طريقهم لجمع الحليب. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

يبدأ يوم حلوم قبل الفجر. تقود السيارة مع والدها، تسلم الحليب، تعود إلى المنزل، ثم تخرج بجولة صغيرة تعتبرها “فسحة”. تبتسم والدتها حين تصف حركاتها “صارت شوفير بورتر عن حق”. تشرح كيف تغيّر سلوكها: بدأت ترتدي بنطالًا، تشد مفتاح السيارة على خصرها، وتتصرف كأي سائق محترف.

مفاتيح سيارة حلوم.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
مفاتيح سيارة حلوم. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

المهام الصغيرة لم تجعل حلوم تشعر بأن الطفولة سُرقت منها، وتفضل قيادة السيارة على أعمال البيت. تقول: “أنا بحب هيك”. تشعر حلوم بالمسؤولية، حتى مصروفها الشخصي لا يضيع سدىً. جمعت 150 دولارًا خلال عام، وزيّنت السيارة كما تحب: فرش جديد، زينة داخلية، وأغطية للعجلات.

حلوم تشغل السيارة لتذهب في جولة او مشوار بعد العمل.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم تشغل السيارة لتذهب في جولة او مشوار بعد العمل. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

تحلم حلوم اليوم بسيارة جديدة لوالدها، وراحة يستحقها بعد سنوات من العمل الشاق. وكانت تخطط لاستبدال السيارة بأخرى من طراز “سنتافيه” لكن والدها رفض لأنها لا تناسب طبيعة عملهم. تخطط لتعليم شقيقها جمعة القيادة عندما يكبر، ليشاركها في تحمل المسؤولية.

حلوم ووالدها يتعاونان على حمل جرة الحليب والتي تسع من 45 إلى 50 كغ. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم ووالدها يتعاونان على حمل جرة الحليب والتي تسع من 45 إلى 50 كغ. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

في المعمل، أطفال يعملون أيضًا بدلًا من الالتحاق بالمدرسة. والدها يشكو: “الظروف صعبة، والأسعار لا ترحم. كيلو الحليب يباع بـ12 ليرة تركية، وهي نفس تكلفة كيلو التبن. المعامل تربح ونحن نُكسر”.

أحمد وعدنان ينتظران انتهاء مربي الأبقار من حلب أبقاره.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
أحمد وعدنان ينتظران انتهاء مربي الأبقار من حلب أبقاره. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

يتابع: “بعد سقوط نظام الأسد انخفض سعر الحليب، وتراجعت الكمية التي كنّا نجمعها، عدد من العائلات عادت إلى بيوتها، وأخرى فضلت تحويل الحليب إلى لبن”. يتقاضى أبو جمعة وحلوم 0.28 دولاراً عن كل كيلو حليب يجمعانه، لذا فإنهما تأثرا بانخفاض كمية البيع.

حلوم تسجل وزن الحليب على كفها لتكتبه على دفتر الحسابات بعد الانتهاء من تحميل الحليب.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم تسجل وزن الحليب على كفها لتكتبه على دفتر الحسابات بعد الانتهاء من تحميل الحليب. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا

تبتسم حُلوم وهي تتحدث عن عملها. تجمع الحليب وتكمل طريقها نحو المعمل. تحفظ الأوزان وتدوّنها على كف يدها، كما كان يفعل والدها. تحاول أن تبني مستقبلها، وأن تبقى سنداً لعائلتها، وأن لاتدع الطرقات الوعرة تعيقها. 

حلوم تلاعب أخاها جمعة أمام منزلهم بعد عودتها من العمل.  قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا
حلوم تلاعب أخاها جمعة أمام منزلهم بعد عودتها من العمل. قرية مشمشان، جسر الشغور، أيار 2025- تصوير: هيام الباشا