فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أتقدم للامتحان أم لا.. الخوف يقطع الطريق إلى جامعة اللاذقية

سناء سليمان

الطرق المؤدية إلى جامعة اللاذقية ما تزال سالكة، لكن من يسلكها صار أقل بكثير. البعض وجد بدائل افتراضية، البعض الآخر انسحب، وآخرون يكتفون بالنجاة ليوم آخر

عند دوار الثورة في مدينة اللاذقية في الساحل السوري، تتوقف حافلة “الدائري الشمالي” في الساعة السابعة صباح كل يوم لنقل الركاب وطلاب الجامعة إلى كلياتهم. عادة ما تكون نقطة التجمع هذه مكتظة، وخاصة في هذا التوقيت، لكن المشهد تغير منذ بداية العام الحالي. المقاعد اليوم شبه خالية، ومعظم الطلاب من خارج المدينة انقطعوا عن دوامهم.

فرض الخوف الناتج عن الحوادث الأمنية، في آذار الفائت، واقعاً جديداً في الحياة الجامعية باللاذقية أعاد ترتيب أولويات الطلاب، منهم من انسحب أو علق دوامه، ومنهم من يرغب باستكمال دراسته أيّاً كانت الظروف، في حين ينتظر آخرون فرصة سفر.

غياب، قلق، ومستقبل مجهول

ريتا، طالبة صيدلة من مدينة اللاذقية، وصلت إلى السنة الثالثة وقد حسمت قرارها أخيراً، “لن أعود إلى الجامعة”. تخطط للمستقبل قائلة: “سأركّز على السفر خارج البلاد قبل أن يحدث شيء جديد”.

 قرار ريتا جاء إثر ما تشعر به من قلق لغياب الشعور بالأمان عقب تزايد أنباء حوادث الخطف على الطرقات، شأنها شأن عدد كبير من زملائها من الاختصاص نفسه، والذين توقفوا عن حضور الدروس العملية للأسباب ذاتها.

حالات الاحتجاز، وإن تراجعت في شهر حزيران عما كانت عليه في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، إلا أنها ما تزال حاضرة، إذ وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الشهري احتجاز 31 شخصاً بينهم طفل واحد، في مختلف المحافظات السورية، على يد الحكومة الانتقالية، أفرج عن 12 منهم.

أما حالات الخطف فما تزال هي الأخرى حاضرة، إذ تحدثت مواقع الكترونية، ومنها المرصد السوري لحقوق الإنسان عن خمس حالات خطف في محافظتي اللاذقية وحمص.

تقول ريتا إن زملاء لها انقطعوا عن الدوام لأسباب تتعلق بتكاليف التنقل التي لا طاقة لهم على تحملها، وخاصة من المقيمين خارج المحافظة. إذ وصلت تكلفة السفر من دمشق إلى اللاذقية نحو 135 ألف ليرة، أي مايزيد عن 13 دولار، بينما ارتفعت الأسعار داخل المدينة وبين القرى والمدينة بنسبة تجاوزت 200%، ما دفع الطلاب وبعض الموظفين إلى عدم التوجه إلى وظائفهم.

في الوقت ذاته، لم يتخذ كثير من الطلاب أي إجراء بعد. يخبرنا من التقيناهم من طلاب وذويهم أنهم ينامون كل ليلة بعد تبادل الأسئلة التي صارت روتيناً يوميّاً متسائلين: “هل نتقدم للامتحان؟ هل نوقف الدوام”؟ وغالباً ما يبقى القرار معلقاً على أمل أن تتحسن الأوضاع. ومع انطلاق امتحانات الفصل الثاني هذا الأسبوع، مايزال كثيرون يواجهون الأسئلة ذاتها.

آية التي تنحدر من مدينة مصياف غربي حماة، طالبة في السنة الأولى قسم الجيولوجيا، لم تكن تتوقع أن تتحوّل بداية مشوارها الجامعي إلى نهاية مبكرة. قدّمت آية معظم مواد الفصل الأول باستثناء مادتين لم تعد لتقديمهما بسبب التوترات التي تصاعدت في  الساحل منذ آذار 2025. 

أصبح خيار العودة إلى الجامعة غير مطروح. تقول آية: “كنت أنوي العودة، لكن بعد أحداث الساحل صار السفر بحد ذاته مخاطرة. حتى أهلي رفضوا الفكرة تماماً، خاصة بعد تزايد حوادث الخطف”. تخبرنا أن أغراضها ما تزال في السكن الجامعي، وربما لن تعود لأخذها، خشية الطريق الطويل وما قد يحدث خلاله.

لجنة تقصي الحقائق التي شُكّلت بغرض التحقيق في أحداث الساحل خلصت في تقريرها الذي قدّمته لرئاسة الجمهورية منذ أيام، إلى أنها تحققت من أسماء  1426 قتيلاً، منهم  90 امرأة، معظمهم مدنيون، وبعضهم عسكريون سابقون أجروا تسويات مع السلطات المختصة. عدد الضحايا، والذي زاد بحسب تقارير لمنظمات حقوقية وإنسانية عن 1500 مدني، من الجانبين، رجّحت لجنة تقصي الحقائق أن معظم حوادثه “وقعت خارج أو بعد انتهاء المعارك العسكرية”.

من يضمن عدم التكرار

لم تكن آية الطالبة الوحيدة التي اتخذت قرار الانقطاع عن الدراسة الجامعية هذا العام، تشير إلى عدد من زميلاتها وصديقاتها في مناطق مختلفة اتخذن القرار ذاته، في ظل تنامي مشاعر الخوف وانعدام الأمان. تقول: “لم يعد لدينا طاقة للمخاطرة”.

تتعاظم هذه المخاوف على خلفية تقارير متكررة عن حالات اختفاء لفتيات ونساء في الساحل السوري، تتراوح أعمارهن بين 16 و39 عاماً، وسط ظروف غامضة، بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن عائلات بعض الضحايا.

هذه الحوادث تركت أثراً واضحاً في أوساط الطالبات، خصوصاً القادمات من خارج مدينة اللاذقية، إذ بات التنقّل اليومي عبئاً نفسيّاً وجسديّاً، وأصبح قرار مواصلة الدراسة موضع شك وتردد لدى كثيرات منهن.

مخاوف الذكور ليست أقل حدةً. أحمد طالب الحقوق من محافظة حمص، يقترب من نهاية رحلته الجامعية، إذ تفصله مادتان فقط عن التخرج. اختار البقاء في قريته وعدم العودة إلى الجامعة في اللاذقية. يبرر أحمد قراره بقوله: “لن أستطيع تحمل الإهانة على الحواجز في حال وجهت لي أي إساءة، أخاف أن أُقتل أو أُعتقل، لست مستعدّاً لفقد كرامتي أو حياتي لأجل شهادة جامعية”.

أعداد كبيرة من الطلاب يعيشون حالة الخوف والقلق التي يعيشها أحمد، خاصة الذكور، القادمين من خارج اللاذقية، وسط واقع أمني غير مستقر يفرض قيوداً على التنقل.

ظروف تعيد ترتيب أولويات الطلاب

“الانتهاكات المتكررة تزيد من شعور عدم الأمان، ما دفعني والكثير من زملائي إلى إعادة النظر في تقديم الامتحانات أو المخاطرة بالسفر إلى المدينة، وسط غياب ضمانات واضحة لحماية الطلاب أثناء تنقلاتهم” يقول أحمد.

لم تحسم ريما، طالبة اللغة الإنكليزية قرارها بعد، لكنها تعلن بوضوح أنها ليست مستعدة للمخاطرة: “لن أعرض نفسي لأن أصبح حالة فردية أو أتعرض للخطف بسبب الجامعة”. أما ابن عمها علاء، شاب وحيد فقد والده منذ سنوات، يعيش مع والدته وأختيه الصغيرتين، وقد خسروا مصدر رزقهم بعد أن سُرق وأُحرق محلهم في مدينة جبلة جنوبي اللاذقية خلال أحداث آذار.

علاء الذي يدرس في السنة الثانية، لم يعد يهتم كثيراً بالجامعة، فكل همه اليوم هو تأمين لقمة العيش. يشرح: “الأولوية للعائلة، ومفهوم التقدم الأكاديمي بات ترفاً لم يعد بالإمكان التمسك به”.

الناشط السوري يامن حسين الذي يتابع حالات اختفاء النساء، أوضح أن معظم حالات الاختفاء حدثت بعد أحداث آذار، مع غموض حول هوية الخاطفين ودوافعهم.  وأضاف أن الخوف من هذه الحوادث انتشر بين السكان، ما دفع عدداً من الطالبات في محافظات طرطوس واللاذقية وحماة إلى الامتناع عن الذهاب إلى جامعاتهن خشية التعرض للخطف.

في الوقت نفسه، وثقت تقارير عدة، منها تقرير لوكالة رويترز، تعرض العديد من الأفراد للفصل من أعمالهم أو المضايقات على الحواجز على يد مقاتلين موالين للحكومة الجديدة، ما زاد من حالة القلق وعدم الاستقرار في المنطقة.

على النقيض، يصرّ علي، طالب الهندسة البحرية من إحدى قرى جبلة، على تقديم امتحاناته رغم توقفه عن حضور المحاضرات بعد عجزه عن تحمل الأعباء المالية لتكاليف التنقل له ولإخوته، إلا أنه يعتمد على دعم زملائه الذين يرسلون تسجيلات المحاضرات عبر تطبيق الواتساب ليخفف من الأعباء المالية. يقول: “صحيح أنها طريقة مرهقة لكنها أقل تكلفة وتفي بالغرض”.

في الوقت الراهن يصعب تحديد عدد الطلاب الراغبين بتقديم الامتحانات من غيرهم، إلا أن عزوف عدد كبير عن حضور الدروس العملية بحسب يحيى، طالب هندسة في كلية الهمك (كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية) بجامعة اللاذقية، مؤشر واضح على وجود نسبة لا يستهان بها من الممتنعين. يروي كيف أن عدد الطلاب الحاضرين هذا الفصل لا يتجاوز خمسة هو واحد منهم، بعد أن كانت أعداد الحضور في الفصل الأول بين 40 إلى 50 طالباً وطالبة.

محاولات للتكيّف

إحدى موظفات شؤون الطلاب، فضلت عدم ذكر اسمها، أكدت أن أعداد الطلاب الذين يوقفون تسجيلهم هذا العام هي الأكبر مقارنة بالسنوات السابقة، يضاف إليهم غير القادرين على تقديم الامتحان، مشيرة إلى صعوبة تحديد نسبتهم بدقة قبل انتهاء امتحانات الفصل الثاني التي بدأت هذا الأسبوع، فالعديد من الطلاب يتقدمون للامتحانات حتى دون حضور المحاضرات، خاصة بعد قرار وزارة التعليم العالي بالتساهل في مسألة الحضور.

حاول بعض أساتذة الجامعة التكيف مع الواقع الصعب عبر التغاضي عن الغياب وتقليل التشديد على حضور الطلاب، بينما لجأ آخرون إلى تحذير المتغيبين من اللجوء لحسم علامات الحضور، في محاولة للحفاظ على سير العملية التعليمية والتشجيع على الدوام. لكن هذه الإجراءات تبقى حلولاً مؤقتة لا تعالج السبب الجذري الذي نتج عنه عزوف متزايد يفتح الباب أمام تسرب جماعي للطلاب.

في سياق متصل، أصدرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تعميماً لكافة رؤساء الجامعات السورية، يدعو فيه إلى مراعاة أوضاع الطلاب فيما يتعلق بالحضور العملي في الفصل الثاني. وشددت على ضرورة إجراء جلسات تعويضية وعدم حرمان الطلاب من الامتحانات العملية، مع إمكانية إعادة هذه الامتحانات أو دمجها مع الامتحانات النظرية حسب ما تراه الجامعات مناسباً، وذلك للتخفيف من الضغوط على الطلاب في ظل الظروف الراهنة.

الطرق المؤدية إلى جامعة اللاذقية ما تزال سالكة، لكن من يسلكها أصبح أقل بكثير. البعض وجد بدائل افتراضية، البعض الآخر انسحب، وآخرون يكتفون بالنجاة ليوم آخر.