فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

في دارة عزة.. الصهاريج لا تروي العطش

رهف ضعيف

في دارة عزة، لا شبكة مياه ولا بدائل آمنة. الصهاريج المؤقتة أصبحت واقعاً دائماً، والعطش صار جزءاً من الحياة اليومية

منذ أكثر من عشر سنوات، يعتمد سكان مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي على صهاريج المياه المتنقلة لتغطية حاجتهم من المياه، بعدما توقفت صنابير منازلهم عن الجريان إثر انقطاع الضخ من محطة الغزاوية، التي كانت المصدر الرئيس لتغذية أحياء المدينة.

لم تعد أزمة المياه مجرد عطل فني أو نتيجة نقص في التمويل، بل تحوّلت إلى مأزق يومي يعصف بحياة الأهالي، وبات العطش عنوانًا لأزمة متفاقمة تمسّ كل بيت، وتكشف عن غياب أبسط مقومات الحياة والخدمات الأساسية.

يوضح عمر الحلو، معاون رئيس وحدة المياه في دارة عزة، أن جذور أزمة المياه تعود إلى عام 2013، حين توقّف الضخ الرئيسي المغذي للمدينة عقب سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المناطق التي تضم البنى التحتية الحيوية، وتحديداً محطة الغزاوية. يقول: “كانت المعدات والتمديدات في المحطة حينها بحالة جيدة، لكن بعد السيطرة تم فصل خط الضخ، وطرد العمال، ووضع سواتر ترابية لمنع إعادة تشغيل المحطة”.

يشير الحلو إلى أن الخط الرئيس كان يضخ نحو 300 متر مكعب من المياه في الساعة، بينما لا يوفر اليوم سوى 110 أمتار مكعبة، يتم تأمينها من بئرين فقط لا يزالان في الخدمة: بئر القوجة بطاقة إنتاجية تبلغ 60 متراً مكعباً في الساعة، وبئر المحطة الشمالي الذي يوفر 50 متراً مكعباً في الساعة.

مجموعة صهاريج لتعبئة المياه في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.
مجموعة صهاريج لتعبئة المياه في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.

بعد سقوط نظام الأسد واستعادة السيطرة على المنطقة، يؤكد الحلو أن “جولة ميدانية أجريت على مراكز الضخ في منطقتي البرج والغزاوية أظهرت أن المعدات الأساسية من مولدات ومضخات ولوحات كهربائية لا تزال موجودة في المواقع”.

وأضاف: “على الفور قمنا بإقفال الصالات وتكليف حراس مدنيين بحمايتها، بانتظار إمكانية إعادة تأهيل المشروع وتشغيله من جديد، بتكلفة تقدّر بنحو 800 ألف دولار، وذلك وفق دراسة تفصيلية ودقيقة أجريت لهذا الغرض”.

داخل صالة الضخ الإسمنتية القديمة، يقف عمر بجانب مضخة بالكاد تدور، مشيراً إلى الجدران المتآكلة التي تعكس حالة الإهمال، ويضيف أن المحطة لم تدخل أي تحديث منذ 12 سنة، وحتى تعقيم المياه بالكلور غائب تماماً.

صهاريج الاستغلال تروي العطش

في ظل غياب المياه عن الشبكات المنزلية، باتت صهاريج بيع المياه المصدر الأساسي لتأمين احتياجات سكان دارة عزة. يقول جهاد السيد، أحد أصحاب الصهاريج: “أشتري المياه من منهل وحدة المياه بالقرب من مشفى الكنانة بسعر 60 ليرة تركية، وأبيعها حسب موقع المنزل، إذ يبدأ السعر من 170 ليرة، ويصل إلى 200 ليرة في منطقة الأشرفية وطريق رحاب، ويتجاوز 250 ليرة بعد الأشرفية”.

يوضح جهاد، أن مياه الشرب في دارة عزة لا تخضع لأي عملية تعقيم، قائلاً: “لم يعد يُضاف الكلور مطلقاً، خلافاً لما كان سابقاً، إذ ينص القانون على تعقيم كل نقطة مياه قبل ضخها أو توزيعها، إلا أن المياه اليوم تصل إلى المنازل ملوّثة، وقد تكون سبباً مباشراً في تفشي الأمراض”، وهو ما أكده أيضاً معاون رئيس وحدة المياه عمر الحلو.

تتوزع  المناهل الرئيسة في المدينة بين منهل وحدة المياه، الذي يزوّد يومياً نحو 40 إلى 50 صهريجاً، ومنهل الدراب وسط المدينة بإنتاج يومي يتراوح بين 70 و100 صهريج، ومنهل الجبل في شارع المحلق الذي يوفّر نحو 100 صهريج. كما توجد مناهل فرعية لا يتجاوز إنتاجها 10 صهاريج يومياً.

تبعئة صهريج مياه من منهل في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.
تبعئة صهريج مياه من منهل في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.

لكن هذا العام شهد تراجعاً ملحوظاً في الكميات بسبب قلة الأمطار، إذ انخفض إنتاج بعض المناهل إلى النصف، ويبلغ متوسط سعة الصهريج الواحد ما بين 20 إلى 24 برميلاً من المياه.

في الحارة القبلية من دارة عزة لا يختلف المشهد كثيراً، إذ يقول أبو علي، وهو ربّ أسرة، إن سعر صهريج المياه يصل إلى 200 ليرة تركية، بينما يرتفع في أطراف المدينة إلى نحو 300 ليرة، ما يثقل كاهل العائلات، خصوصاً أن الأسرة المتوسطة تحتاج إلى صهريج واحد أسبوعياً، أي ما يعادل 1200 ليرة تركية شهرياً فقط لتأمين المياه.

يضيف أبو علي: “الصهريج يتسع لنحو 20 برميلاً، ورغم أني أشتريه بصعوبة، إلا أنني لا أضمن نظافة المياه أو جودتها، لذلك أضطر أيضاً إلى شراء عبوات مياه مفلترة بالجملة خوفاً من الأمراض”.

ويشير إلى أن هذا يشكل عبئاً إضافياً على راتبه المحدود، الذي بالكاد يغطي احتياجات أسرته من كهرباء وخبز. يتابع: “أحياناً أستغل موسم الأمطار لتعبئة الجب بعد غسل سطح المنزل، حيث تصل المياه إليه مباشرة عبر أنابيب، لكن هذا العام لم يكن كافياً بسبب قلة الهطولات، فبقي الجب شبه فارغ”.

العطش يحاصر دارة عزة

خلال السنوات الماضية، حاولت بعض المنظمات التخفيف من أزمة المياه في دارة عزة عبر حفر آبار جديدة، أبرزها في منطقتي القاطورة وتلعادة، واستخدام أنظمة تشغيل تعتمد على الطاقة الشمسية. إلا أن هذه الجهود لم تنجح بتوفير الكميات الكافية لتلبية احتياجات السكان، ويشير عمر الحلو، إلى أن “بعض المناطق المجاورة مثل زرزيتا وفدرة تمكّنت من تحقيق اكتفاء مائي نسبي من خلال مبادرات شعبية قامت بحفر آبار وربطها بمنظومات طاقة شمسية”.

صهريج لتعبئة المياه أمام أحد المنازل في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.
صهريج لتعبئة المياه أمام أحد المنازل في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.

يؤكد عمر الحلو، أن المؤسسة تبدي استعداداً كاملاً للتعاون مع أي جهة راغبة بإعادة ضخ المياه إلى دارة عزة، مشيراً إلى وجود محاولات متواصلة لمخاطبة المنظمات الدولية والإغاثية بهدف إدراج المشروع ضمن أولوياتها. ويضيف: “في أفضل الحالات، كنا نتمكن من ضخ المياه مرة واحدة كل 20 يوماً، وهو معدل لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان”.

يصف الناشط الإعلامي محمد محيي الدين المفارقة في مشهد المياه في دارة عزة بقوله: “المياه تُضخ مجاناً من قبل المنظمات، لكنها لا توزع عبر الشبكة، بل تُباع عبر الصهاريج، ما يعني أن الناس يدفعون ثمن ما يفترض أنه مجاني”. ويشير إلى أن منظمة “بهار” قامت بالفعل بتشغيل محطة الضخ في منطقة القاطورة باستخدام الطاقة الشمسية، إلا أن الكميات المنتجة لا تكفي لتلبية الطلب المتزايد في المدينة.

يؤكد محيي الدين أن المياه المجانية التي تضخها المنظمة لا تُرسل مباشرة إلى الشبكة العامة، بل تُباع عبر صهاريج خاصة، تصطف يومياً أمام المناهل، للحصول على المياه ثم إعادة بيعها للأهالي. ويضيف: “لا يوجد نظام توزيع منظم، ولا أي جهة رقابية تتابع العملية، ما يترك السكان في مواجهة استغلال يومي في أبسط حقوقهم”.

يستعيد محمد عرب، مدرس اللغة الإنجليزية، صورة دارة عزة قبل عام 2013، حين لم تكن تعرف العطش، كما يقول. ويضيف: “كانت المياه تتدفق بانتظام من منطقة الغزاوية عبر شبكة ضخ متكاملة تنقل مياهاً سطحية نقية وصالحة للشرب. مياه الغزاوية كانت وفيرة وغزيرة، واعتمدت عليها المدينة لسنوات دون الحاجة إلى صهاريج أو شراء ماء، لكن كل شيء تغير بعد سيطرة قوات قسد على محطة الضخ في الغزاوية، حيث تم فصل شريان المياه الوحيد عن المدينة”.

تعبئة صهريج مياه من منهل في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.
تعبئة صهريج مياه من منهل في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.

يرى عرب أن جوهر التقصير في معالجة أزمة المياه يكمن في تمسّك المجلس المحلي بحلول تقليدية لم تعد مجدية، قائلاً: “الاستمرار في حفر الآبار الجوفية رغم محدودية مردودها، وتجاهل البدائل المستدامة، جعل الأزمة تتفاقم”. ويؤكد أن هذه المبادرات بقيت محدودة، وعجزت عن تلبية الحاجة المتزايدة للسكان.

يضيف: “رغم تحرير منطقة الغزاوية ووجود إدارة موحدة اليوم، لم يتم تفعيل مشروع الضخ حتى الآن، فيما تواصل الجهات المعنية تكرار السيناريو نفسه: حفر بئر، ثم خيبة، ثم بئر آخر، من دون أي تقدم فعلي يُذكر”.

مياه ملوثة وأمراض بالجملة

“المياه غير صالحة للشرب”،  يصف الناشط الإعلامي محمد محيي الدين واقع المياه في دارة عزة، موضحاً أن طبيعة المياه في المدينة كلسية وتتسبب بمشاكل صحية شائعة بين السكان، أبرزها تشكل الحصى وأمراض الجهاز البولي. ويقول: “معظم الناس هنا يعانون من أمراض ناتجة عن المياه، خصوصاً الرمل والحصى”.

يشير إلى أن عائلته لجأت إلى تركيب فلتر منزلي لمحاولة تحسين جودة المياه، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة، مضيفاً: “رغم أن الفلاتر مصممة لتبديل الحشوات كل خمسة أشهر، إلا أننا نضطر لتغييرها كل شهرين تقريباً بسبب نسبة الكلس العالية”. وتبلغ تكلفة الفلتر ما بين 70 إلى 105 دولارات بحسب النوع، بينما تصل تكلفة تبديل الحشوات إلى نحو 5 دولارات في كل مرة.

تعبئة مياه في خزان أحد البيوت في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.
تعبئة مياه في خزان أحد البيوت في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.

وأضاف: “اضطررنا مؤخراً لإجراء عملية تفتيت حصى الحالب لوالدتي بسبب تأثير المياه، وقد بلغت تكلفتها نحو 800 دولار، وهو عبء لا تحتمله معظم العائلات هنا”.

من جهته، يوضح المدرّس محمد عرب أن الأهالي يضطرون للتعامل مع مياه غير صالحة للاستهلاك، ويقول: “في كثير من الأحيان، تصلنا المياه بلون أحمر، لا تصلح للشرب، فنستخدمها فقط للغسيل أو لملء الخزان وتركها لترقد، ثم نحاول الاستفادة منها بحذر بعد أيام من الانتظار للحصول على صهريج”.

تروي السيدة أم محمد، من سكان الحارة الغربية، وهي أرملة ترعى سبعة أطفال، معاناتها اليومية مع أزمة المياه، قائلة: “دائماً ما أعيش في قلق مستمر من نفاد ماء الجب، وأجد نفسي في دوامة البحث عن ثمن صهريج المياه الذي يتسع لأربعة خزانات، أي ما يعادل نحو 20 برميلاً، بعد انتظار عدة أيام للحصول على دوري”.

مجموعة صهاريج لتعبئة المياه في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.
مجموعة صهاريج لتعبئة المياه في مدينة دارة عزة، ريف حلب الغربي، 2025.

تضيف: “ينفد الماء خلال أسبوع، وأحياناً أقل، رغم محاولاتي للتقنين وعدم الإسراف. لقد توقفت حتى عن العناية بـ نباتاتي التي أحبها، لأنني ببساطة لا أستطيع شراء الماء بسعر 170 ليرة تركية إلا للحاجات الضرورية فقط”.

وفي ختام حديثه، يوجّه الناشط الإعلامي محمد محي الدين رسالة صريحة وحاسمة: “تلقينا العديد من الوعود بخصوص إعادة تفعيل الخط القديم أو تحسين جودة المياه، لكن حتى اليوم لم نشهد أي تطبيق فعلي على الأرض”.

في دارة عزة، لا تعلن الأزمة عن نفسها بصوت صاخب، بل بصمت مرعب، فقط وجوه متعبة تبحث عن نقطة ماء. الكارثة هنا ليست طبيعية ولا مفاجئة، بل هي نتيجة تراكم سنوات من الإهمال والغياب الرسمي وانقطاع الدعم. ما تحتاجه دارة عزة اليوم ليس مجرد تمويل، بل إرادة حقيقية تُعيد بها الخدمات الأساسية لأهلها، وأهمها الماء.