تقلب ديمة صادق صندوقًا صغيرًا من الورق المقوى في خزانة بيتها، حين سقطت منه مسبحة من الخرز الملوّن. التقطتها بيد ثابتة، نظرت إليها طويلًا قبل أن تهمس: “صنعتها هناك، بيدي، في سجن عدرا”.
لم تكن قطعة ثمينة، لكن الخرز المترنح بين الخيط الرفيع كان كافيًا لإيقاظ سنوات من الذكريات، حين كانت ديمة، ابنة مدينة كفرتخاريم في إدلب، معتقلة بتهمة الإرهاب وأمضت أربع سنوات في سجن عدرا بدمشق. تخبرنا أنها كانت تقضي يومها بين خيوط الخرز والمسابيح وأقواس الشعر، وتبحث عن وسيلة لتجاوز الوقت الثقيل.
وجدت ديمة، مدرسّة فنون وموسيقى، في الصناعات اليدوية ملاذًا شخصيًا داخل عالم ضيق، خلال مدة اعتقالها في 2014 . كانت تستعين بـ “وشيعة” سخانة معطلة لتثقيب الخرز، وتحوّل كل ما يصلها إلى قطع بسيطة، تهدي بعضها لعائلتها حين الزيارة، أو تبيعها مقابل المال.
تروي ديمة: “كنت أقسّم الخرز إلى صرر صغيرة وأبيعها بين السجينات، وأصنع المسابيح لملء الفراغ، كل قطعة كانت تحتاج نحو ثماني ساعات على الأقل حتى تنتهي”.
اقتصاد تحت الأرض
انتقلت ديمة من فرع أمني إلى سجن عدرا والذي كان يضم العديد من المعتقلات بتهم “الإرهاب” أو على خلفية مواقف وآراء سياسية معارضة لنظام الأسد، مع عدد من السجينات بجرائم مختلفة، تصف السجن بقولها “يتكون من خمسة أجنحة مخصصة للجرائم ابتداءً من القتل وصولاً للإرهاب، حسب زعمها”.
تضيف “كل جناح يضم ثماني غرف، تتسع كل واحدة لـ 39 امرأة كنت إحداهن في مساحة تضيق بنا جميعاً، مع وجود حمامين ودوش معطل، تتحمل النساء الموجودات مسؤولية التنظيف”. هناك وجدت ديمة في الصناعات اليدوية ملاذاً من هذا الواقع.
رعب اللون الأخضر
سارة مصطفى، 36 عاماً، من مدينة التل بريف دمشق، أمضت عشرة أشهر في أحد سجون النظام السوري على خلفية تقرير كيدي قدّمته زميلة لها في العمل بسبب آرائها السياسية.
رغم قسوة الاعتقال، تؤكد أن سجن عدرا المؤلف من خمس أجنحة، كان يضم موقوفات سياسيات ومرتكبات جرائم جنائية بشكل منفصل، إلا أن تزايد أعداد المعتقلات السياسيات دفع الإدارة إلى تخصيص غرف لهن داخل كل جناح. توضح “بجناح السرقة والأموال أصبح هناك مهجع لموقوفات الإرهاب، وعندما يتم معاقبة سيدة معتقلة يتم وضعها في جناح سجينات الجرائم، وفي فترة التنفس كنا نجتمع معاً”.
سارة أيضاً لديها ذكريات مع المهن اليدوية وما زالت تحتفظ بتفاصيل دقيقة عن حياتها في السجن. تقول إن “الخرز الأخضر” كان ممنوعًا بشكل صارم، خشية صناعة قطعة بألوان علم الثورة السورية، وإن تم اكتشاف وجوده مع إحدى السيدات تعاقب فوراً”. تضيف “كان أصعب من المخدرات”.
لكن سارة لم تجد شغفها في الأشغال اليدوية، بل في الخط العربي والرسم، وهو ما حُرمت منه بسبب منع الأقلام والأوراق ومصادرتها. تصف كيف كانت تجمع أوراق علب السجائر وتخيطها لتصنع دفترًا بدائيًا، وتكتب عليه بقلم رصاص لا يتجاوز طوله ثلاثة سنتيمترات، قبل أن تصادره حملات التفتيش.
وأضافت أن بعض السجينات كنّ يشتغلن بالصوف مستخدمات “السنارات” وخيوط البطانيات التي يفككنها بصبر لتحويلها إلى قطع فنية صغيرة داخل الجناح، إذ إن النساء في السجن يعتمدن أحيانًاعلى إعادة تدوير مواد غير قابلة للاستخدام في صناعة أشغالهم اليدوية مثل نوى الزيتون وعلب السجائر الفارغة إضافة إلى الخرز الذي يشترونه من الخارج.
صرر الخرز.. عملة السجن
في سجون مثل عدرا وحماة المركزي، ينبض اقتصاد خفي يحكمه الإبداع والتنافس. صرر الخرز التي بحجم قبضة اليد تُعد عملة ثمينة تُتداول بسعر يعتمد على الكمية والجودة، وتُهرّب هذه الصرر إلى جانب الخيطان الحريرية داخل ربطات الخبز عبر زيارات الأهل وتتحول إلى إكسسوارات مثل المسابيح وأقواس الرأس.
تغيّرت أسعار هذه القطع داخل السجن بمرور الوقت، وفق ما تروي ديمة. في البداية كانت صرر الخرز تُباع مقابل مبالغ رمزية لا تتجاوز 200 ليرة سورية، وتراوحت أسعارها حينها بين 50 و200 ليرة. لكن مع تصاعد معدلات التضخم والانهيار الاقتصادي الذي رافق الحرب في سوريا بدأت الأسعار بالارتفاع تدريجياً.
تزامن ذلك مع تراجع كبير في قيمة الليرة السورية أمام الدولار، إذ سجل عام 2015 نحو 300 ليرة للدولار الواحد، قبل أن يستمر سعر الصرف بالانخفاض ليصل إلى قرابة 500 ليرة للدولار مع نهاية عام 2018.
داخل السجن، كانت المسابيح المصنوعة من الخرز تُباع بأسعار تتراوح بين 500 إلى 2000 ليرة سورية، بحسب نوعها ودقة صنعها. أما القطع الأبسط مثل أقواس الرأس أو علاقات المفاتيح، فكانت تُسعَّر بين 100 و500 ليرة. لكن خارج أسوار السجن تختلف المعادلة كلياً، إذ تُباع هذه المنتجات بأسعار تصل إلى ضعف قيمتها تقريباً بسبب عمولات الوسطاء من عناصر الشرطة الذين يتولّون نقلها وبيعها مستفيدين من موقعهم لفرض أرباح إضافية.
في سجن حماة وخلال الفترة الزمنية نفسها، كانت الكؤوس الفخارية المزينة بالنحاس أو أغطية (كفرات) السلاح من الجلود تُباع بسعر يصل إلى خمسة آلاف ليرة في السوق الخارجي.
فاتح زيداني، الذي قضى خدمته العسكرية في سجن حماة المركزي بين عامي 1989 و1991، يروي كيف كانت الأعمال اليدوية متنفسًا للنزلاء. يقول “الخرز كان النشاط الأكثر شيوعًا، لأنه يستغرق وقتًا طويلًا ويُنسي السجين ساعات الانتظار”.
يعود فاتح في ذاكرته إلى فترة التسعينيات حيث كانت الأسعار أقل بكثير بسبب استقرار الليرة السورية. يقول “بيعت الميداليات والجزادين المنقوشة داخل سجن حماة بأسعار تراوحت بين 10 إلى 50 ليرة وهو مبلغ جيد آنذاك”.
كل قطعة.. رسالة
في سجن حماة المركزي، أمضى الأربعيني “أبو وسيم” ست سنوات من الاعتقال للضغط على أهل زوجته في إدلب لتسليم أنفسهم بتهمة “الإرهاب” أيضاً، وهي انتهاكات مارسها نظام الأسد على كثير من السوريين المعارضين له كوسيلة لتسليم أنفسهم.
كانت الصناعات اليدوية متنفساً له ووسيلة لكسر رتابة الوقت وتأمين مصدر دخل يعينه على الحياة داخل السجن. رغم الإرهاق الذي رافق عمله في الخرز، يصف أبو وسيم تجربته بالقول: “العمل بالخرز يحتاج صبرًا وقوة بصر”.
واظب أبو وسيم على صناعة الصمديات، وعلاقات المفاتيح، وإكسسوارات السيارات والدراجات النارية مستخدمًا الخرز والنحاس، في أعمال كانت تجد طريقها إلى المتاجر خارج السجن بوساطة عناصر من الشرطة مقابل اقتطاع نسبة من الأرباح.
ولم يقتصر الإنتاج على الخرز فقط، بل ظهرت صناعات يدوية أخرى مثل تزيين الكؤوس الفخارية بالنحاس والغراء الملون، وصناعة كفرات الأسلحة من الجلود، لتتحوّل هذه الأعمال إلى مورد مالي مهم لدعم أسرهم في الخارج.
كانت المواد الأولية تصل إلى داخل السجن إما عبر زيارات الأهل أو من خلال بعض عناصر الشرطة، بينما تنوعت طرق تسويق المنتجات بين البيع المباشر للسجناء والمعتقلين في السجن ذاته، أو عبر الندوة الداخلية، أو من خلال الشرطة الذين يعرضونها في الأسواق والقرى المجاورة.
أما الميداليات والمحافظ الصغيرة المنقوشة بأسماء أو رموز مثل قلوب الحب والعصافير والأحرف، فكانت تُعد هدايا رمزية يقدمونها لزوارهم وأقاربهم، محمّلة برسائل خفية من الحب والأمل.
السوق السوداء داخل الجناح النسائي
وراء هذا الإبداع، تكمن شبكة علاقات معقدة تحكم اقتصاد السجن. في عدرا، بحسب شهادة ديمة تتنافس السيدات اللواتي يعملن بالمهن اليدوية للسيطرة على السوق، وأحيانًا يلجأن إلى السمسرة أو دفع مبالغ مالية لضمان هيمنتهم. وإذا ما حاولت سيدة جديدة اقتحام السوق قد تواجه عقبات عبر هذه العلاقات.
في السجون، الزمن عدو، والصناعات اليدوية تمثل إرادة الحياة. ديمة صادق، أبو وسيم، وسارة مصطفى وغيرهم، يروون حكايات إبداعهم خلف القضبان، فلم تكن قطع المسابيح وأقواس الشعر مجرد منتجات، بل صرخات صامتة تنسجها أيادٍ أنهكها القيد ولم تستسلم، فحين أغلق كل شيء ارتفع صوت الخرز على ضجيج الحديد ليقول “ما زلنا هنا.. نحن أحياء”.
