فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

قرى جبل الحص بلا مياه ومنسية من الحكومة والمنظمات

حسين الخطيب

ماتزال عودة السكان إلى قرى جبل الحص محدودة، في ظل ندرة المياه وجفاف الآبار وغياب أي حلول حكومية او أهلية

في ظهيرة يوم حار، يخرج “نمر الصالح” من منزله الواقع على أطراف قرية “أبو غتّة” جنوب شرقي حلب حاملاً إبريقاً بلاستيكياً عتيقاً فيه نحو نصف لتر من الماء، يشمّر عن ساعديه وهو يقترب من إناء كبير وضعه إلى جانبه ليجمع فيه ماء وضوئه. يقول الصالح “أريد استخدام الماء في الوضوء القادم، فالمياه في قرانا أصبحت عملة نادرة”.

تقع قرية “الصالح” في ناحية الحاجب التابعة لمدينة السفيرة في منطقة جبل الحصّ. تجاورها قرى ومزارع تجاوز عدد سكانها 90 ألف نسمة مع بداية الثورة عام 2011، بحسب رؤساء بلديات الحاجب وخناصر وبنان، لم يعد منهم بعد سبعة أشهر من سقوط نظام الأسد إلا 30 ألفاً، ويرجع رؤساء البلديات ذلك إلى غياب الخدمات وأبرزها المياه.

تبعئة مياه من صهريج في ناحية خناصر بريف حلب الجنوبي، حزيران 2025.
تبعئة مياه من صهريج في ناحية خناصر بريف حلب الجنوبي، حزيران 2025.

تختلف أسباب عدم توفّر المياه بين ناحية وأخرى في جبل الحص، لكن الأمر المؤكد هو غياب الحلول من قبل الحكومة والمنظمات الإنسانية. يقول نمر الصالح “تستهلك عائلتي 10 براميل من الماء أسبوعياً، يصل ثمنها إلى 70 ألف ليرة سورية، ويبرّر بائعو المياه ذلك ببُعد منزلي عن البئر. ويضيف “نشتري المياه من صهاريج جوّالة، ويبدأ سعر البرميل الواحد بخمسة آلاف ويصل أحياناً إلى سبعة، بحسب بُعد المسافة بين البئر والمنازل”

ناحية الحاجب.. لا شبكة مياه والبئر الوحيد معطّل

يُرجع رئيس بلدية ناحية الحاجب مهند الخلف في حديث لـ”فوكس حلب” سبب عدمّ توفّر المياه في الناحية التي تضمّ 49 قرية ومزرعة إلى غياب شبكة المياه الحكومية في الأساس، ويشير إلى أنّ الأهالي الذين وصل عددهم عام 2011 إلى 35 ألفاً كانوا يعتمدون على بئر حكومي في قرية “جب انطاش” ينتج نحو 10 خزانات يومياً، لكنه خرج عن الخدمة منذ أكثر من عشر سنوات ويحتاج لإعادة تأهيل.

ويضيف، “الخلف” أنّ هناك حلّان لتوفير المياه لـ 15 ألفاً من العائدين أحدهما إسعافي والآخر دائم، أمّا الإسعافي فهو في إعادة تأهيل بئر جب انطاش واستثمار آبار أخرى كآبار المدارس، لكنّه يرى أنّ هذا الحلّ قد يؤدّي إلى انخفاض منسوب المياه في المنطقة بسبب موجة الجفاف هذا العام. ويؤكد أن الحل الدائم يكمن في تغذية الحاجب وقراها من خلال خطي “أبو صفيطة” عبر ناحية بنان، وخط معامل الدفاع عبر ناحية خناصر.

في بنان غياب الكهرباء يجعل الشبكة دون جدوى

تستهلك عائلة علي الحاجي المكوّنة من 14 فرداً والمنحدرة من قرية “سرج فارع” في ناحية بنان 25 برميل ماء أسبوعياً، بسعر يتجاوز خمسة آلاف للبرميل الواحد، بالرغم من وصول شبكة المياه الحكومية إلى منزلها. يقول الحاجي “تصلنا المياه الحكومية مرة كل أسبوعين، وتصل ضعيفة، لذلك لم نعد نعتمد عليها مطلقاً”.

تعبئة خزانات من منهل ماء في قريب ابو غتة بريف حلب الجنوبي، حزيران 2025.
تعبئة خزانات من منهل ماء في قريب ابو غتة بريف حلب الجنوبي، حزيران 2025.

يعزو رئيس بلدية بنان “عادل البركات” في حديث لـ”فوكس حلب” سبب عدم توفّر المياه إلى غياب الكهرباء المستخدمة في تشغيل المضخّات، حيث يعتمد الأهالي في الناحية على محطة ضخ قرب قرية أبو صفيطة في ناحية تل عرن، لكنها لا توفر الكمية الكافية، ما يترك الأهالي في عوز دائم للماء خاصة في الصيف، و يضطرهم لشرائها من الصهاريج الخاصة بأسعار مرتفعة، وفقاً لقوله.

ويشير إلى أنّ هذه المشكلة تتجاوز قرية سرج فارع إلى قرى ومزارع ناحية بنان الـ14 الواقعة أقصى شمالي جبل الحص، وكان لها دور بعدم عودة السكان إلى منازلهم، حيث عاد حتى الآن نحو 15 ألفاً فقط من أصل 27، وفقاً لإحصائية عام 2011.

محمد الرجب، مسؤول وحدة مياه بنان يقول لـ”فوكس حلب”، إنّ الوحدة تضخ المياه إلى 38 قرية ومزرعة مخدّمة بالشبكات، لكنّ برنامج تقنين الكهرباء في محطة أبو صفيطة جعلها تعمل لساعات محدودة فقط. ويضيف أنّ “شبكة المياه جيدة، وتم إصلاح أعطالها، لكن المشكلة الأساسية في عدم توفر الكهرباء بشكل يكفي لتشغيل الضخ وتغطية كامل القرى”.

ويضيف الرجب أنّ محطة أبو صفيطة تحتاج إلى أكثر من 10 ساعات تغذية كهربائية يومياً لضخ المياه مرة أسبوعياً، لافتاً إلى أنّه تمّ رفع طلب من أجل حل المشكلة، لكن حتى الآن لم تستجب الجهات المعنية لزيادة ساعات التغذية.

في خناصر شراء المياه خيار شبه وحيد

حسين عيد الحسين مزارع ومربي أغنام من بلدة خناصر، تستهلك عائلته يومياً خمسة براميل، يذهب نحو نصفها لأغنامه، يقول لـ”فوكس حلب” تكاليف المياه مرهقة، ولا تتناسب مطلقاً مع الدخل، خاصة مع موجة الجفاف التي تضرب المنطقة، يضاف إليها تراجع مردود الزراعة.

يقول رئيس بلدية خناصر، ياسر خميس الإبراهيم “تتبع لناحية خناصر 73 قرية ومزرعة، كان يسكنها 40 ألف نسمة، عاد منهم 6 آلاف فقط، بسبب غياب الخدمات ودمار المنازل”.

تعبئة مياه من صهاريج في ناحية خناصر بريف حلب الجنوبي، حزيران 2025.
تعبئة مياه من صهاريج في ناحية خناصر بريف حلب الجنوبي، حزيران 2025.

كانت هذه القرى تعتمد على قناة مياه قادمة من نهر الفرات إلى خزانات معامل الدفاع قرب السفيرة، بحسب ياسر الإبراهيم، لكن ومنذ سقوط نظام الأسد توقفت عن ضخ المياه، ما أجبر الأهالي على شراء المياه المنقولة بالصهاريج من آبار بعيدة جداً، بأسعار مرتفعة.

ويضيف الإبراهيم أن معظم الآبار الأهلية التي كانت تعتمد عليها بعض العائلات في خناصر جفّت، أو بالكاد تكفي أصحابها، لذلك تلجأ البلدية لنقل المياه من منهل في قرية بيشة، يبعد نحو 30 كم عن خناصر، بتكاليف مالية مرتفعة جداً، وتبيع الصهريج سعة 50 برميلاً بـ250 ألف ليرة سورية.

جميع من تحدثنا إليهم في منطقة جبل الحص يطالبون الجهات الحكومية وغير الحكومية بإيجاد حلول عاجلة لتأمين المياه، إذ أدى غيابها، إلى جانب موجة الجفاف، إلى تفاقم الأوضاع الكارثية في المنطقة التي تعاني أصلاً من تدهور اقتصادي، شأنها في ذلك شأن المناطق التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي كمصدر دخل أساسي.