فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

البندورة السفرينية.. موسم وافر ومزارع خاسر

حسين الخطيب

يحار مزارعو البندورة السفرينية، أكثر الأنواع شهرة في حلب، بين قطفها او تركها تذبل وتموت على شتلاتها، تجنباً لخسائر أكبر

توقف محمد كبية (35 عاماً)، مزارع من قرية تل حاصل التابعة لناحية تل عرن في منطقة السفيرة بريف حلب الجنوبي الشرقي، عن قطف محصول البندورة التي زرعها هذا الموسم بمساحة تتجاوز 5 هكتارات لانخفاض سعرها في أسواق الهال مقارنة مع تكلفة زراعتها وصولاً إلى مرحلة قطفها وتسويقها. بينما يواصل مزارعون قطافها علَّهم لا يقعون بخسائر إضافية، لأنها تنضج بسرعة بعد تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة.

على جانبي الطريق بدءاً من قرية تل حاصل التي تترابط منازلها بمنازل أهالي ناحية تل عرن وصولاً إلى منطقة الواحة ومركز منطقة السفيرة، (مسافة تقدر بنحو 10 كيلومترات)، ومنها نحو الشرق إلى دير حافر وسبخة الجبول جنوباً، تصطف حقول خضروات متنوعة، تفصلها عن بعضها البعض قنوات ري تغذيها قناة رئيسية قادمة من بحيرة الأسد الواقعة على نهر الفرات، تروي معظم الأراضي التي تمر بها، بينها 6 آلاف هكتار في منطقة السفيرة لوحدها، ما يجعلها مركزاً مهماً في سلة محافظة حلب الخضرية.

حصاد محصول البندورة في مدينة السفيرة بريف حلب، 2025.
حصاد محصول البندورة في مدينة السفيرة بريف حلب، 2025.

ويعد محصول البندورة الذي يزرع في نواحي وقرى منطقة السفيرة، أحد أبرز المحاصيل الخضرية التي تصل إلى عموم المحافظات السورية، وتعرف باسم “البندورة السفرينية”، كونها تزرع بمساحات واسعة إلى جانب الفليفلة، الباذنجان، الفاصولياء، القثاء، والقرع بسبب وفرة مياه الري التي حولتها إلى مهنة متوارثة بين أجيال المنطقة.

ليس هذا الموسم مثل سابقه، رغم وفرة الإنتاج وانفتاح الأسواق، لكن المشكلة الأهم برزت في أسعار البندورة التي تراوح سعر الكيلو غرام الواحد منها ربع ثمن “كرتونة الفلين” التي توضع فيها.

يقول كبية الذي توقف عن قطاف محصوله من البندورة  إن ثمن الكيلو غرام واحد في سوق الهال يتراوح بين 1100 و 1400 ليرة سورية، ما يعادل (دولار إلى دولار ونصف الدولار تقريباً) بحسب نوعها، وهو لا يغطي تكلفة الزراعة والقطاف والنقل والتحميل والفرز، الأمر الذي دفعه لترك موسمه في الحقل تجنباً لخسائر إضافية.

تحتاج البندورة، خلال دورتها الزراعية القصيرة  والتي لا تزيد عن شهرين ونصف الشهر، إلى عناية خاصة من ري وأسمدة ومبيدات حشرية، إضافة لأجرة عمال القطاف والفرز والنقل، وجميع هذه التكاليف تدفع بالدولار في الوقت الذي تباع فيه البندورة بالليرة السورية.

مياه الري هي أكثر ما تحتاجه شتلات البندورة، جهّز المزارعون لأجل تأمينها آباراً ارتوازية وأخرى عربية (محفورة يدوياً بقطر يتجاوز متراً مربعاً) تملأ من الساقية لتروى بها الخضراوات عبر مضخات كهربائية تغذيها ألواح طاقة شمسية في السفيرة ومحيطها.

على مساحة 6 دونمات تُروى عبر شبكة ري بالتنقيط، تتغذى من بركة صناعية، تملؤها مضخة كهربائية (غطاس) تجر المياه من بئر عربي، زرع ليث كبية (55 عاماً) الذي أمضى عقوداً من الزمن في زراعة هذا النوع من الخضراوات، شتلات البندورة من نوع (فوربيلا) أملاً بمحصول وفير بعد انفتاح أسواق المنطقة، خاصة أرياف حلب الشرقية والشمالية، بعد سقوط نظام الأسد.

حصاد محصول البندورة في مدينة السفيرة بريف حلب، 2025.
حصاد محصول البندورة في مدينة السفيرة بريف حلب، 2025.

المعادلة الخاسرة بين التكلفة والإنتاج لم تمنع ليث من قطاف موسمه، يقول إن المحصول يجب أن يقصف يومياً، فدرجات الحرارة المرتفعة تنضج ثمار البندورة بسرعة، وأحياناً تقطف الثمار مرتين يومياً.

يشتري ليث الفلينة التي يضع داخلها حبات البندورة بـ 4500 ليرة سورية، يقول أنها تساوي ثمن أربعة كيلو غرامات، ومثلها أجرة للعمال، دون أن نقف على تكلفة الزراعة التي تمثل الأسمدة أكثرها غلاء إذ يصل كيلو اليوريا إلى خمسين دولاراً.

الزراعة في السفيرة ليست موسماً واحداً، ما تخسره البندورة قد تعوضه خضروات أخرى مثل الخيار أو الفليفلة، يقول نظمي أوسو، مزارع من قرية تل عرن بريف حلب الشرقي.

عادة ما تغطّى التكلفة بعد أسبوعين من بدء موسم الإنتاج، يضيف أوسو، لكننا، وفي العام الحالي، وبعد مرور شهر على موسم البندورة لم نستطع تسديد الديون المترتبة علينا خلال فترة الزراعة. وبيعت البندورة في العام الحالي بنحو ثلث ثمنها في العام المنصرم، إذ وصل ثمنها في حزيران الماضي لنحو ثلاثة آلاف ليرة سورية.

حميد رحيلو، يدير مركزاً  لتجارة البندورة وعصرها بين قريتي تل حاصل وتل عرن تحدث عن جودة البندورة السفرينية، بمختلف أنواعها (آورو -واهي -فوربيلا) وبأنها مطلوبة في مختلف المحافظات، لكن هذه الشهرة لم تفلح بتغطية خسارة مزارعيها.

يقول رحيلو إن سعر البندورة في العام الحالي لم يترك هامش ربح للمزارع، إذ يبيعه اليوم معصوراً في مركزه بنحو 1100 ليرة سورية من نوع فوربيلا، بينما يزيد سعر نوع أورو بنحو مائة ليرة سورية لكل كيلو غرام.

أما نوع واهي فيباع بنحو 1400 ليرة، بحسب إبراهيم بكو، تاجر خضراوات في سوق هال بلدة تل عرن، وذلك لأنها تخزن بطريقتي المؤن: الضغط و العصر.

ويشكل موسم البندورة مصدر رزق ودخل لمئات المزارعين في السفيرة ومحيطها، ومثلهم من العاملين في القطاف والنقل والتحميل، وخسارتها تعني عزوفهم عن زراعتها مستقبلاً، وارتفاع أسعارها على المواطن بعد تناقص إنتاجها، بحسب من تحدثنا معهم، ما يستدعي دعماً حكومياً، وإصدار قرار يمنع استيراد البندورة من خارج سوريا لضمان سعر لا يعرضهم للخسارة.

حصاد محصول البندورة في مدينة السفيرة بريف حلب، 2025.
حصاد محصول البندورة في مدينة السفيرة بريف حلب، 2025.

يلتصق اسم السفرينية بالبندورة الأكثر شهرة في حلب، يكفي أن تذكر اسمها لتكون محل ثقة الزبائن الذين اعتادوا مذاقها منذ عشرات السنين، إذ تدخل في أولويات أطعمتهم في موسمها، لما تمتاز به من لون أحمر قاتم و مذاق حامض، إضافة لمؤنهم، سواء بفرمها وتخزينها أو بعصرها وتنشيفها لصناعة معجون البندورة (مية الفرنجي) كما يسمونه الأهالي في مدينة حلب.

مذاقها هو ما افتقده، أبو محمود من بلدة تلالين بريف حلب الشمالي، والذي قال إنه لم يذق البندورة السفرينية منذ خمسة أعوام، بسبب انقطاع الطرق مع السفيرة سابقاً والتي كانت خاضعة لنظام الأسد، لكنها اليوم متوفرة في أسواق ريف حلب الشمالي بأسعار تترواح بين 1500 و 2000 ليرة سورية.

يقول أبو محمود “البندورة السفرينية لا مثيل لها، لأن إنتاجها بعد عصرها أو فرمها يختلف عن البندورة العرموطية أو البندورة المستوردة من تركيا أو مصر، بسبب لحمتها التي تجعل من قوام الدبس متماسكاً، وحموضتها الشديدة مقارنة مع أصناف البندورة الأخرى”.

القطاع الزراعي الخاسر يدفع مزارعين لمطالبة الحكومة بإنصافهم من خلال توفير بيئة سوقية مستقرة لبيع إنتاجهم بما يتماشى مع التكلفة الزراعية، و بذل قصارى جهدها لتسويق المنتجات المحلية في الداخل والخارج، بما يحقق هامش ربح للمزارعين يشجعهم على استمرار زراعة المحاصيل الخضرية، قبل أن يهجروا أراضيهم أو يتخلوا عن مواسمها التقليدية لصالح زراعات يمكن تصديرها.