في صالة الجوهرة للأفراح وسط مدينة إدلب، تقف نور نعسان أمام “الكوشة”، الزاوية المخصصة للعروسين في صدر الصالة، تتفحص بعينٍ خبيرة وبحركة رشيقة تناغم الورد الأبيض الذي تتخلله عروق زهرية ناعمة بعدما انتهت للتو من تنسيقها بعناية.
تسجّل العشرينية نور ملاحظات العروس وطلباتها على دفتر صغير تحمله معها قبل أن تتابع جولتها في أنحاء الصالة، مطمئنة إلى أن أدق التفاصيل جاهزة.
على يسار الكوشة، ثبتت قطعة ذهبية أنيقة كُتب عليها بخط عربي جميل آية قرآنية “وجعل بينكم مودةً ورحمة”، تتدلّى فوق قماش حريري ينساب بلطف نحو الأرض في مشهد يضفي على المكان لمسة من السكينة والرقي.
وجدت العديد من سيدات إدلب في حفلات الأعراس والمناسبات الاجتماعية فرصة لتحويل شغفهن إلى مشاريع صغيرة ومصادر دخل. من بينهن من اختارت العمل في تنسيق الزينة، كما تفعل نور، وأخريات دخلن مجال التصوير أو أسّسن فرقًا للغناء والإنشاد النسائي، إذ شهد هذا النوع من الأعمال ازدهارًا ملحوظًا خلال السنوات الخمس الماضية، مع تزايد اعتماد النساء على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لمهاراتهن وعرض نماذج من أعمالهن، ما ساهم بتشجيع سيدات أخريات على دخول هذا السوق واعتباره فرصة عمل جيدة.
تفاصيل
اللونان الزهري والأبيض شكّلا الهوية البصرية للحفل، نسّقت منهما نور الورد والبالونات وشرائط الريبان حول علب الضيافة والشوكولا، وفق رغبة العروس. تتفقد كل التفاصيل بعناية وتسعى لجعل الديكور منسجمًا مع أضواء الصالة وسقفها ومحتوياتها.
تسعى نور وسيدات أخريات في إدلب إلى كسب رزقهن من خلال تقديم خدمات تنظيمية خلف الكواليس في حفلات الزفاف والتخرّج و استقبالات الولادة. تتنوع مهامهن بين تنسيق الزينة، وترتيب الطاولات والكراسي، واستقبال الضيوف، والتقاط الصور، وحتى ضبط الأطفال ومنعهم من إفساد أجواء الحفل.
تقول نور: “صاحبة الاحتفال تتمتّع بالثقة والراحة لأن كل شيء يتم وفق تخطيط مسبق”، وتتراوح أجرة تنسيق الحفل داخل المدينة بين 50 إلى 60 دولارًا. تدير نور مشروعها الخاص في تنسيق الحفلات تحت اسم “حكاية”.
تستقبل الحجوزات عبر صفحتها على تطبيق إنستغرام تحمل الاسم نفسه إذ تعمل بمفردها وتساعدها شقيقتها أحياناً. بعد تأكيد الحجز تشتري مستلزمات الزينة، وتتفقد الصالة مسبقًا، وتحرص قبل ساعتين من بدء الحفل على تجهيز المنصة وترتيب الزينة بشكل متكامل.
تختلف أسعار الورد بحسب النوع والحجم والجودة، لكن نور تحرص على اختيار الأنواع ذات الجودة العالية مهما بلغت تكلفتها بهدف كسب ثقة الزبائن ونيل إعجابهم. توضح: “تصل تكلفة الورد الاصطناعي فقط لتزيين كوشة واحدة إلى نحو 80 دولارًا”، تقوم باستخدامها في عدة حفلات ما يخلق توازناً بين أسعار حجوزاتها وأرباحها.
لا تقتصر تجهيزات نور على الورد فحسب، بل تستخدم مجموعة متنوعة من المواد بحسب طبيعة المكان والمناسبة مثل الصمديات والعبارات المطبوعة عليها والشموع الصغيرة التي تنثرها حول كوشة العروسين، إلى جانب الشموع الكبيرة والستاندات بأشكال وأحجام متعددة والروزنامة والطاولات وغيرها من أدوات الزينة.
وبعد كل حفل تقوم نور بفك الكوشة وإعادة تنسيقها من جديد، حرصاً على إضفاء طابع خاص ومختلف في كل مناسبة رغم أن عملية التنسيق تستغرق منها ما بين ساعة إلى ساعتين تبعاً لحجم الكوشة وتصميمها.
خلال العامين الماضيين، شهدت إدلب ازديادًا ملحوظًا في عدد فرق التصوير والغناء وتنسيق الحفلات النسائية، وسط تنافس يُبرز الطابع الخاص لكل فريق. تقول نور إن سقوط نظام الأسد أتاح لها توسيع نطاق عملها ولم يعد يقتصر على إدلب فقط، بل بات بإمكانها التنقل إلى حلب وتنفيذ طلبات التنسيق هناك أيضًا.
واجهت نور نعسان تحديات كبيرة خلال إقامتها في إدلب، أبرزها صعوبة تأمين مواد التزيين بالجودة المطلوبة، وعدم قدرتها على تلبية الطلبات خارج مناطق الشمال. تخبرنا أنها بدأت مشوارها بتنسيق وتغليف الهدايا منذ سبع سنوات، ثم أطلقت مشروعها الخاص في العام الماضي باسم “حكاية” ومنه انتقلت إلى تنسيق الحفلات.
كثيراً ما تجتمع نور مع فرقة الغناء والإنشاد والتصوير ومنسقات أخريات في حفل واحد، إلا أن كل واحدة منهن تنتمي لفريق مختلف ويعملن بشكل مستقل ضمن تنسيق مشترك.
صوت يدير الحفل
إلى جانب منصة العروسين، تقف حسناء بدرة، من مدينة أريحا، سيدة كثيرة الحركة والترقّب، تمسك مكبّر صوت بيدها وتنقره بأصبعها مرارًا للتأكد من عمله، مرددة: “أيوَه.. أيوَه..”.
تصل حسناء عادة قبل الحفل بساعتين لتفقد جاهزية الصوتيات ومنصة العروسين وطاولات الضيوف. تتنقّل بعين فاحصة بين الزوايا واضعة خطة تنظيمية دقيقة تضمن سير الحفل بانسجام وتختار مكانًا لطاولتها بعناية كي لا تزعج الضيوف ولا تشتّت العروسين.
مع بدء الحفل، تجلس حسناء على طاولتها وتُخرج من حقيبتها السوداء أوراقاً ملوّنة وقلم حبر أزرق تسجّل عليه مهامها وملاحظاتها، ثم تبدأ الترحيب بالعروس والضيوف. تتمثل مهمتها بتنظيم الأغاني والرقصات والتنسيق مع الحضور لاختيار الأغاني وفق أذواقهم.
توضح حسناء: “عند توافد الضيوف، أقترب من كل طاولة وأسأل الضيفة عن اسمها والأغنية التي تفضلها، ثم أسجل المعلومات على أوراق ملوّنة لتسهيل التمييز. بعدها أجمع أسماء العائلات لأرحّب بكل منها عبر الإذاعة وأدعوها بالاسم إلى المنصة لترقص على أنغام أغنيتها المفضلة”.
دف وزغرودة
إلى جانب منسقتي الحفل والزينة، تشارك في كثير من الحفلات فرق إنشاد وغناء، بعضها يختص بالأناشيد الدينية، وبعضها الآخر يدمج الإيقاعات التقليدية من طبل ودف. تتولى هذه الفرق، التي تعمل غالبًا كفريق نسائي موحد، مهمة الغناء والطرب.
في هذا الأجواء، وعلى وقع صوت المنشدة أم محمد من أهالي مدينة حمص، تقف حسناء على طرف المنصة حاملة أوراقها التي تسجل فيها أسماء العائلات الحاضرة، وفي يدها ميكروفون تدعو كل عائلة على حدة للمشاركة برقصة ودّية مع العروس وأهلها على المنصة.
تتنوّع مهام السيدات المنسقات والمصوّرة والمغنية في تنظيم الحفلات، بعضهن يحضّرن عملهن أثناء الحفل، بينما تسبق أخريات موعد الحفل بأيام لزيارة الصالة ومعاينتها ووضع خطة مناسبة. نور تزور مكان الاحتفال قبل أيام لتتعرف على الألوان والديكورات والأضواء التي ستستخدمها بما يتناسب مع المكان، في حين تكتفي أم محمد بمعرفة نوع الحفل الذي ستحييه فرقتها.
تشرف أم محمد على فرقة إنشاد تستخدم الدف والمزاهر والميكروفونات ومكبرات صوت خاصة بها، تحرص على جاهزية هذه الأدوات في كل حفل. تقول: “كثيرًا ما نواجه أعطالًا مفاجئة في الصالات، مثل خلل في الميكروفونات أو انقطاع الصوت، لذلك أعتمد على أدواتي الخاصة للحفاظ على ثقة زبائني”.
تتراوح أسعار حجوزات الفرق الإنشادية النسائية بين 50 إلى 100 دولار، حسب عدد الساعات ومكان الاحتفال وينخفض سعر الحجز إلى 50 دولارًا للاحتفال في المنزل.
باتفاق لحظي منسّق، تبدأ أم محمد بإنشاد أغنية عن الصداقة فور إعلان حسناء عبر الميكروفون دعوة صديقات العروس إلى المنصة لمشاركتها لحظة زفافها. هذا التنسيق كان جزءًا من جدول مهام مرتب ومدوّن بعناية على أوراق حسناء الملونة، ما منح الحفل طابعًا من التنظيم والهدوء وزاد من راحة الضيوف وثقتهم خاصة بعد إعلان منع استخدام الهواتف المحمولة داخل الصالة، حفاظًا على خصوصية العروس.
عند لحظة دخول العروسين، تقف ابنة حسناء عند المدخل لتمنح إشارتها، فتبدأ الزغاريد ويتصاعد صوت الترحيب. تتولى حسناء تنظيم حركة الدخول، وتفسح الطريق للعروسين، وتُبعد الأطفال لتسهل على المصوّرة التقاط الصور ومقاطع الفيديو بسلاسة. فيما تصدح الزغاريد الشعبية من مكبر صوت أم محمد، معلنة الفرح بكلماتها القوية: “يا شمسنا وقمرنا بالسما طوفوا… أحلى من عروستنا ما رح تشوفوا…”.
تتعالى الزغاريد مع وصول العروسين إلى منتصف الممر، فتُعطي حسناء إشارة سريعة إلى أم محمد، قائدة الفرقة الإنشادية، التي تبدأ مع فريقها بأداء أغنية الزفّة، تملأ الصالة بالأهازيج والإيقاع، بينما تتفاعل الحاضرات بالتصفيق والزغاريد، في مشهد احتفاليّ منسّق يفيض بالحيوية والفرح، تلتقطه عدسة المصورة في حركة رشيقة.
ألبوم صور
تتنقل نسرين سليمان بين تفاصيل الحفل. هي فتاة عشرينية تنحدر من مدينة سراقب، تحمل كاميرتها بثقة وتلتقط الصور التذكارية بعدسة تصفها بـ”القنّاص الماهر”، حريصة على اقتناص اللحظات الصغيرة بعين خبيرة.
بخفة، تصعد تارة إلى منصة العروسين وتبتعد تارة أخرى، بحثاً عن الزاوية المثلى. تلتقط صوراً دقيقة لمحابس الزفاف، والورد، وتسريحة شعر العروس وتاجها. لا يقتصر عمل نسرين على الصالة، بل ترافق العرائس من منازلهن إلى صالون التجميل لتوثّق آخر لحظاتهنّ كعازبات. وتقول: “إلى جانب التصوير، أحاول دائماً تهدئة العروس وتذكيرها بأنها تبدو جميلة، لأقلل من توترها في هذا اليوم الخاص”.
تواجه السيدات العاملات في حفلات الأفراح صعوبات عدة أبرزها صعوبة الوصول إلى أماكن أبعد من مدنهنّ إذ تفتقر معظمهن إلى وجود سيارة خاصة بها تتيح لها التنقل بسهولة بين مدينة وأخرى، تقول نسرين: “إلى جانب صعوبة التنقل وتأمين المواصلات، الوقت هو أحد التحديات التي تواجهني، أحياناً هناك زبائن تحرص على استلام الصور في اليوم نفسه، ويتوجب علي مراعاة الوقت وإنتاج ألبومات بجودة عالية وكمية جيدة خلال وقت قصير جدا”.
وجدت هبة نجار، طالبة جامعية من إدلب، فرصة عمل بصناعة هدايا العروسين، إذ تصمّم لوحات يدوية تُنقش عليها أسماء العروسين وتاريخ الزفاف، تُقدّم خلال الحفل بأسلوب خاص ترافقه أجواء موسيقية وإضاءة خافتة. تقول هبة: “أصنع الهدية وكأنها لي، أحرص على التفاصيل بعد معرفة ذوق العروس، وأستخدم خيوط الصوف أو إطارات من السوق بتدرجات لونية بسيطة ولافتة”. ورغم افتقارها لمعرض خاص، تروّج لأعمالها عبر صفحتها على إنستغرام.
بين الورد والزغاريد، وجدت نساء إدلب في تنظيم الحفلات أكثر من مجرد عمل موسمي، بل مساحة للمشاركة بصناعة الفرح وسط تحديات عديدة يسعين لتحويلها إلى مهنة مستدامة، تمكّنهن من العمل بشكل أفضل في مشهد يعكس تحوّل المناسبات إلى فرصة عمل لتمكين النساء.
