فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

قهوة على الرصيف.. أكشاك في إدلب مهددة بالإزالة

رهام اليونس

قرار إزالة الأكشاك في إدلب، باعتباره تعدّياً على الأرصفة، ضربة موجعة لعشرات العاملين والمستثمرين الباحثين عن حلّ، بالترخيص، قبل أن يصبح الإغلاق أو الانتقال من المدينة طريقًا وحيدًا أمامهم

منذ أكثر من شهرين، لم يذق “أبو الروض الفرحات”، صاحب كشك “حكاية” قرب حديقة المشتل في مدينة إدلب، طعم النوم الهادئ. فالمهلة التي حددتها له بلدية إدلب لإزالة كشكه الصغير قد انتهت، وما يزال مصير رزقه اليومي مجهولًا، بعدما كان من المفترض إزالة الكشك عقب انتهاء عطلة عيد الأضحى.

في السادس عشر من نيسان الفائت، أصدرت بلدية إدلب التابعة لوزارة الإدارة المحلية والبيئة قرارًا بإزالة جميع الأكشاك والبسطات والعربات العشوائية في مدينة إدلب.

“موظفو ضابطة البلدية أبلغونا بالتعميم، وأعطونا مهلتين انقضت الأولى دون استجابة معظم أصحاب البسطات، أما المهلة النهائية فقد انتهت قبل أسابيع ولم أستطع اتخاذ قرار بشأن المكان الجديد الذي سأنتقل إليه” يقول أبو الروض.

من كشك حكاية بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.
من كشك حكاية بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.

من فنجان تبدأ الحكاية

في السنوات الخمس الأخيرة، أصبحت أرصفة إدلب تضجّ بالحياة من جديد، عبر أكشاك صغيرة انتشرت في مختلف أحياء المدينة، تقدّم مشروبات ساخنة وباردة. فنجان قهوة، كابتشينو، نسكافيه، زهورات، أو عصير بارد.. كلها باتت جزءًا من طقس يوميّ يقصده الطلاب، الموظفون، والمارّة على عجل أو الراغبين باستراحة.

الذي يميّز هذه الأكشاك ليس فقط ما تقدّمه، بل كيف تقدّمه. فبعض الباعة اختاروا أن يُضيفوا نكهتهم الخاصة على هذه التجربة الصغيرة: لمسات مختلفة من نكهات غير تقليدية تمنح القهوة مذاقًا فريدًا، وتحوّل الوقوف لدقائق أمام الكشك إلى لحظة دفء وابتسامة في يوم مزدحم مثل: جوز الهند، الفستق الحلبي، الكاجو، العسل، أو المستكة.

بعد جولة في أحياء المدينة قدّرنا عدد الأكشاك بين 20 إلى 30 كشكًا موزعًا في أماكن حيوية مثل حديقة المشتل، الجلاء، الضبيط، دوار الكرة، وساحة غزة، وفي بعض الطرقات التي تشهد ازدحامًا.

مقهى برادا بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.
كشك برادا بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.

كل كشك يحمل اسمًا يعكس هوية صاحبه أو فكرته، مثل برادا، باتريسيا، بلاك كافيه، إنجوي، إدلب العز، وحكاية. تزيّن الأكواب الكرتونية عبارات محفّزة، مثل: استمتع بقهوتك، بالقهوة تجد الراحة، بعدك على بالي، السعادة أحيانًا شخص وقهوة .. وغيرها من العبارات التي تجذب المارة وتبعث فيهم التفاؤل.

تحولت الأكشاك في مدينة إدلب إلى محطات يومية يقصدها الموظفون والطلاب والعمال، بحسب زبائن التقيناهم، بعضهم يبدأ نهاره بفنجان يجد فيه حافزًا للنشاط الصباحي، وآخرون يبحثون فيه عن لحظة استراحة في زحمة اليوم.

“الكلمات البسيطة تمنح لحظة شرب القهوة بُعدًا نفسيًّا مريحًا” يشرح أحد الزبائن. هذه الأكشاك جذبت صانعي المحتوى ومدوّني إنستغرام لتوثيق اللحظات عبر “ريلز” قصيرة تُظهر ابتسامات البائعين وعبارات ترحيبية تشعر الزبون بالراحة وتنقل وجهًا بسيطًا للمدينة.

كشك التفاصيل الصغيرة

على زاوية الرصيف قرب حديقة المشتل في مدينة إدلب، حيث كشك باتريسيا كافيه، يقف أحمد، خلفَ ماكينة القهوة، يضغط المشروبات بالبخار لتمنحها نكهة وحرارة. أحمد ليس صاحب الكشك، كما يخبرنا، بل يعمل فيه بين الحين والآخر عندما ينشغل صديقه، صاحب الكشك، أو يسافر.

يبتسم وهو يسكب كوب كابتشينو لشاب يحمل حقيبة على ظهره، يبدو أنه طالب جامعيّ. يقول أحمد: “أنا فقط أساعد.. لكنّي أحب المكان كأنه لي”.

عبارة من كشك باتريسيا بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.
عبارة من كشك باتريسيا بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.

لا يسكب أحمد القهوة في كوب عادي ويقدمه للمارة، ولا يكتفي بالعبارات اللطيفة المكتوبة على الكوب، بل يزينه أيضًا بالورد الذي يقدمه بابتسامة، “صاحب الكشك يحب هذه التفاصيل، وهي إمّا من تأليفه أو ينتقيها من السوشيال ميديا”.

هذه التفاصيل الصغيرة أضافت للأماكن العامة لمسات جعلتها مساحة قريبة من الناس، تقدّم مشروبات دافئة بأسعار في متناول اليد، وبنكهة لذيذة بسيطة ودافئة.

الأسعار المدروسة التي تقدّمها هذه الأكشاك جعلت منها وجهة مفضلة لذوي الدخل المحدود، خصوصًا طلاب الجامعات والعمال، ممن يجدون في فنجان القهوة اليوميّ استراحة ضرورية لا تثقل كاهلهم المادي.

“كابتشينو بـ 20 ليرة تركية، نسكافيه بـ 15 ليرة، أرخص من كاسة شاي بمكان تاني”، يقولها أحد الزبائن ضاحكًا، وهو شاب في مقتبل العمر اعتاد التردد يوميًّا على أحد أكشاك القهوة في إدلب.

أحجام صغيرة.. أحلام كبيرة

أحمد حاج يوسف، من عزمارين شمال غربي إدلب، يدرس الهندسة المدنية، ويعمل في أوقات فراغه بكشك “انجوي” القريب من دوار الكرة في مدينة إدلب. يقول وهو يرتب الأكواب فوق الرف، إن الكشك ساعده في تأمين مصروفه الجامعي، وهو اليوم مصدر دخل أساسي لعائلته. يضيف: “يعمل معي في هذا الكشك ثلاثة أشخاص آخرين”.

من مقهى باتريسيا بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.
من كشك باتريسيا بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.

رغم وجودها على الرصيف، إلّا أنّ هذه الأكشاك صغيرة الحجم ومصممة بشكل ومساحة لا تعيق حركة المارّة. غالبًا ما تكون من الحديد أو الخشب، وتُصنّع في ورش محلية في مدينة الدانا شمالي إدلب.

“نختار لعملنا الأرصفة الواسعة، حرصًا منا على عدم إشغال مكان عبور الناس، لا تتجاوز المساحة التي أشغلها 120 سم فقط من مساحة الرصيف، ولم أشهد اعتراضًا أو تذمرًا من المارّة”، يوضح أبو الروض الفرحات، صاحب كشك يقول إن هذا العمل هو مصدر دخل ليس له ولعائلته فحسب بل لأربعة عمال آخرين، مما يساهم في تأمين مصدر رزق لهم أيضًا.

خوف دائم.. مصير مجهول

رغم الحضور اليومي والانتشار الواسع، يعيش أصحاب الأكشاك قلقاً دائمًا من مصير مشاريعهم  بهدف إعادة تنظيم المدينة، فالبلدية تعتبر الأكشاك “تعديات على الأرصفة”، بحسب شرح موظفي البلدية لأصحاب الأكشاك.

أبو الروض الفرحات عبّر عن هذا القلق بوضوح، خاصة أنه استثمر كل ما يملك بتشغيل الكشك قبل القرار بثلاثة أشهر فقط، أما زملاؤه في المهنة فبعضهم افتتح مشروعه الصغير قبله بأشهر. يقدّر الفرحات تكلفة كل كشك بين أربعة إلى  ستة آلاف دولار، فالأدوات والماكينات التي يستخدمونها ألمانية، لذا فإنها مرتفعة الثمن.

كشك اينجوي كافيه بالقرب من دوار الكرة في مدينة إدلب، 2025.
كشك اينجوي كافيه بالقرب من دوار الكرة في مدينة إدلب، 2025.

يتابع شرح مخاوفه “يعيش من هذه الأكشاك عائلات ولا أحد يعرف مصيره بعد”. يفكر أبو الروض، مثل كثيرين، بنقل مشروعه إلى محافظة أخرى، والتوجه إلى مدينة اللاذقية. فيما انتقل بعض أصحاب الأكشاك بالفعل إلى مناطق الساحل، ويُفكر آخرون يعرفهم بالتوجه إلى دمشق، حمص، حلب، أو طرطوس.

ورغم اتساع الظاهرة واعتماد عائلات عليها كمصدر رزق رئيس، ما تزال الصورة غير واضحة. فلا قرار رسمي حتى الآن بشأن تنظيم هذه الأكشاك: هل ستُرخّص؟ هل سيُخصّص لها أماكن دائمة؟ أم أنها مجرد مرحلة مؤقتة في ظل التغيرات السريعة التي تشهدها المنطقة بعد سنوات الحرب.

علامة تجارية  

بعد انفتاح الحركة بين المحافظات السورية عقب سقوط نظام الأسد، أصبح بإمكان التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة التنقل والاستثمار بحرية أكبر، ما ساعد بعض الأكشاك على التحوّل إلى علامات تجارية معروفة.

كشك “برادا” مثلًا، الذي بدأ كمشروع صغير، بات اليوم يمتلك أكثر من 40 فرعًا في مناطق مختلفة من سوريا، وهو ما يراه أبو الروض دليلًا واضحًا على أن هذه المشاريع قادرة على النمو والتوسّع إذا ما توفرت لها بيئة قانونية حاضنة ومستقرة، وهذا ما يستبعده لمشروعه والمشاريع المماثلة خاصة أنهم مازالوا يترقبون قرارًا يحدد مصيرهم.

كشك أنا واياك بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.
كشك أنا واياك بالقرب من حديقة المشتل في مدينة إدلب، 2025.

عند سؤالنا للمسؤول المكلّف بتسيير شؤون الوحدات الإدارية في المدينة عن مصير هذه المشاريع بعد إزالتها، لم نحصل على إجابات واضحة، باستثناء تصريح مقتضب بأن الهدف من الحملة هو “تطوير البنية التحتية وإعادة تنظيم المدينة”.

ورغم أهمية التنظيم العمراني لأي مدينة، إلا أن إدلب تحتاج أيضًا إلى مقاربة تأخذ في الحسبان الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعائلات التي تعتمد على هذه الأكشاك كمصدر دخل وحيد. ففي ظل ارتفاع نسب البطالة، قد تشكّل إزالة هذه الأكشاك من دون توفير بدائل، ضربة قاسية للعاملين والمستثمرين فيها.

هذه الأكشاك ليست مجرد نقاط بيع، بل حياة يومية تختصر ملامح مدينة. يرجو أصحابها بأن لاتتعارض رغبة الجهات المعنية بالتنظيم مع حاجة أصحاب الأكشاك بالبقاء.