ضعيف، مرتفع الثمن، شبكة متهالكة، بدون تسعيرة محددة، لا توجد إشارة مطلقاً، لا توجد بوابات، جاوبتك لكن الكلام لم يخرج بعد، انتهت الباقة، عندي بوابة وثلاث راوترات وما عبيمشي الحال، عبيت عروض بس كلو عالفاضي، عبارات تتردد على ألسنة الحلبيين يومياً في وصف شبكات الأنترنت بأنواعها في المدينة، رغم توفر ثلاثة أشكال من مزودات الخدمة.
يعمل محمد، ثلاثيني عاد إلى حلب في شباط الماضي، ضمن واحدة من المؤسسات الإنسانية في المدينة، ويسكن في حي التلفون الهوائي بالقرب من بريد السليمانية، دون أن يسعفه قرب المكان بالتقاط إشارة تساعده على رفع ملفّات عمله المطلوب.
في الطابق الخامس تجلس ياسمين، تسكن حي الأشرفية على شرفة منزلها، ترفع يدها لتخرج رسالة على واتس آب، تهزّ الهاتف، تبتسم ثم تبدأ بالحوقلة، ثم ترمي الهاتف من يدها.
يشتكي سكان حلب من ضعف الإنترنت بأنواعه المختلفة، يحمّلون مزودي الخدمة ومؤسسة البريد وشركات الهاتف المحمول مسؤولية ما يحدث، يقولون إنهم “يسرقونهم في كل يوم”، فأغلب العروض لا تفي بالغرض، وتعيق حياتهم التي ارتبط الأنترنت بها ارتباط السكان بالخبز والماء.
يعتمد سكان حلب على ثلاثة أنواع من خدمة الأنترنت، بوابات DSL (وتعني توصيل الخدمات الرقمية عبر خطوط شبكات الهاتف الأرضية)، بيانات الهاتف المحمول من شركتي سيرياتل و MTN، وأخيراً بعد سقوط نظام الأسد دخلت شركات مزود الخدمة بالألياف الضوئية (الفايبر) أو ما يطلق عليه السكان اصطلاحاً (الهوائي أو الفضائي).
DSL تكلفة عالية ومناطق محدودة
تغيب خدمة DSL عن معظم مناطق حلب، لأسباب تعود إلى قلّة عدد البوابات في مراكز البريد، وتوقف مراكز عن العمل، إضافة لتهالك الشبكة.
يفرق أحمد عبد الرحمن، مزود خدمة أنترنت في حلب، بين نوعين من خطوط الشبكة التي تعتمد عليها بوابات DSL، يقول “هناك شبكات شعرة نحاسية (كابل) تمدّ منها إلى المنازل كابلات من البولاد، وشعرة ضوئية (فايبر) في قسم من المراكز”.
يرجع أحمد ضعف الأنترنت في بوابات DSL إلى النوع الأول الذي يعتمد على الكابل النحاسي، والذي غالباً ما يزيد طوله عن كيلومترات، وهو ما يحول دون وصول المشترك إلى السرعة الحقيقة التي اشتراها، أما في الكابلات الضوئية فيكون الأمر مختلفاً وغالباً ما تتوافق السرعة مع الاشتراك.
يضاف إلى ذلك ندرة وجود بوابات DSL في مراكز البريد لتلبية احتياجات العائلات في حلب، إذ ترتبط بوجود خط أرضي من جهة وتوفّر بوابة شاغرة. رغم انخفاض رسوم DSL لكنها تبقى مرتفعة الثمن، يشرح أحمد عرابي، أحد المشتركين، إذ يرتبط السعر بـ “السحب” على حدّ قوله.
تبلغ رسوم الاشتراك في شبكات DSL نحو 3.5 دولاراً عن كل سرعة 2 ميجا بايت شهرياً، وباشتراك محدود للرفع والتنزيل والتصفح بنحو 20 جيجا بايت، يقول أحمد إن هذا الاشتراك لا يكفي أكثر من أسبوع واحد ما يضطر المشترك لتفعيل أكثر من باقة شهرياً.
يرى أحمد عبد الرحمن أن العائلة تحتاج، إضافة للاشتراك الشهري، نحو دولارين كل ثلاثة أيام في مزود خدمة DSL، ما يعني تكلفة تقديرية بنحو خمسة وعشرين دولار شهرياً. وأيّاً كان الاشتراك، فإن السرعة لا تتجاوز ميجابت واحد في حال وجود شبكة من الكابلات النحاسية، وهو ما يفسّر عدم تحسّن الأنترنت عند كثر من المشتركين الذين رفعوا السرعة التي اشتركوا بها في مراكز البريد.
الهواتف المحمولة جيدة.. بأسعار باهظة
تتدفق رسائل العروض النصية على هواتف السكان من شركتي سيريتل وMTN العاملتين في سوريا، يصف أحمد عبد الرحمن سرعة الأنترنت فيهما بـ “الجيدة”، ويقدّرها بين 10 إلى 15 ميجابت، لكن المشكلة فيها بالتكلفة، على حد قوله.
في آخر رسالة وصلت إلى الهاتف اليوم، كانت أسعار الباقات نحو دولار واحد لـ 3 آلاف ميجا بايت ولمدة يوم واحد، ونحو 22 دولاراً لـ 80 ألف ميجا بايت ولمدة شهر، و 30 دولاراً لـ 165 ألف ميجا بايت، ولمدة شهر كامل. يضاف إليها دقائق للاتصال ورسائل نصية.
يقول فاضل نجار، أحد سكان مدينة حلب، إن كل مشترك، وبهاتف واحد، يحتاج إلى 2 جيجابايت بايت يومياً، إن أراد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (واتس آب -فيسبوك -يوتيوب)، وتحتاج العائلة إلى أكثر من باقة شهرية ما يعني دفع مبالغ وصفها بـ “الكبيرة”، خاصة وأن هذه الباقات، على حد قوله، لا تصل إلى المشترك بالحجم الذي اشتراه، فـ “الـ 3 ميجا بايت تصل ميجا بايت واحد”.
مشكلة أخرى تراها أم حذيفة، تسكن في حي الزبدية بحلب، في شبكات الهواتف المحمولة، إذ يؤثر غياب التغطية أو ضعفها على الأنترنت، كذلك انقطاع الكهرباء وعدم صيانة الأبراج المعطلة دائماً، على حدّ قولها، في الوصول إلى السرعة المطلوبة، وهناك مناطق لا تلبي فيها شبكات المحمول خدمة الأنترنت مطلقاً.
الأنترنت الهوائي.. جيد ولكن
الميزة الأبرز التي اتفق عليها من تحدثنا معهم من سكان في حلب للأنترنت الهوائي “أنه مفتوح”، إذ لا يطلب من المشترك سوى دفع ثمن السرعة المطلوبة شهرياً.
لمرّة واحدة يدفع المشترك ثمن تركيب (راوتر وكابل)، يقدّر أبو علي خانطوماني ثمنها بنحو 11 دولاراً للأوروبي المستعمل وبين 18 إلى 26 دولاراً للجديد من النوع الصيني، وتلتزم الشركات بإيصال خطوط الأنترنت إلى سطح أو مدخل البناء، بينما يتكفل المشترك بالتمديد إلى داخل المنزل، ويتراوح سعر الكابل بين 2 إلى 4 دولارات، بحسب جودته.
بعد وصول الأنترنت إلى المنزل يدفع المشترك رسماً شهرياً، بحسب السرعة المطلوبة لمزودي الخدمة، ورغم عدم وجود تسعيرة محددة من قبل مؤسسة الاتصالات، إلا أن عُرف مزودي الخدمة ممن تحدثنا معهم يحدد ثمناً لأول ميجابت بنحو 8 دولارات شهرياً، ثم 4 دولارات عن كل ميجابت آخر.
يتفق من تحدثنا معهم على مزايا للأنترنت الهوائي، منها وصول المشترك، بشكل تقريبي، إلى ما تم الاتفاق إليه من سرعة مع مزود الخدمة، والدفع لمرة واحدة دون الحاجة لتعبئة باقات شهرية أياً كان الاستهلاك، وصيانة مزودي الخدمة للأبراج والبطاريات بشكل دوري ما يضمن وجود الأنترنت بشكل دائم، إضافة لقدرة المشترك على الاتصال بمزودي الخدمة في حال الأعطال دون المرور بالشكاوى وبيروقراطية المؤسسات في مراكز البريد وشبكات الهاتف المحمول.
إذاً، لماذا يشتكى الحلبيون
تتسبب الأبنية العالية بحجب وإضعاف جودة الأنترنت في حلب، كذلك سكان المناطق المنخفضة في المدينة يشتكون من رداءة الأنترنت، إضافة إلى ضعف القدرة المالية التي تحول دون الاشتراك بسرعة تتناسب مع الاستهلاك.
يشرح أحمد عبد الرحمن أن سرعة بين 2 إلى 3 ميجابت، تكفي لمكالمة فيديو دون انقطاع، لكن لهاتف واحد، ومع وجود أكثر من مستخدم في المنزل تضعف سرعة الأنترنت. يظن المشترك أن اشتراكه بـ 3 ميجابت ستحل المشكلة، لكن ذلك ليس صحيحاً، يضيف عبد الرحمن، إذ أنه في تركيا على سبيل المثال، يبلغ أقل اشتراك 8 ميجابت ويرفض مزودي الخدمة اشتركاً أقل من ذلك.
ولحلّ مشكلة ضعف الإشارة في المناطق المنخفضة أو التي تحيط بها أبنية عالية، يقول محمد العلي، موظف في منظمة إنسانية يسكن حي ميسلون بحلب، إنه لجأ لتركيب صحن لاقط على سطح المبنى، تبلغ تكلفته نحو 100 دولار، إضافة لتركيب ألواح طاقة شمسية لتغذيته بالكهرباء.
يقارن العلي بين الأنترنت في حلب وسرمدا حيث كان يسكن قبل أشهر، يقول إن “التكلفة كانت أقل والجودة أعلى”، كنت أدفع 15 دولاراً فقط، وأحصل على ما يلبي احتياجات منزلي في عملي، إضافة لأجهزة المنزل من تلفاز وهواتف محمولة وبالسرعة المطلوبة، حتى لمشاهدة مباراة على البث المباشر”.
صالح، من سكان كرم البيك، قال إنه أجرى مقارنة بين اشتراك منزله (5 ميجابت) و منزل عمه في عفرين (1 ميجابت)، ووجد أن الأنترنت في مناطق الشمال السوري وإدلب أكثر جودة وسرعة وأرخص ثمنآً.
يقدّر أحمد عبد الرحمن زيادة أسعار الأنترنت في مدينة حلب عن ريفها بنحو 40%، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها ما يفرضه أصحاب المباني على مزودي الخدمة لوضع الأبراج وألواح الطاقة الشمسية من مبالغ تتراوح بين 75 إلى 100 دولار عن كل برج واحد، إضافة لارتفاع ثمن المعدّات، كذلك أجور عمّال الصيانة وتكاليف الحياة في المدينة عنها في الريف.
سلمو عزيزي، مزود خدمة أنترنت في حلب، أضاف تكاليف جديدة تتعلّق بسرقة المعدات والصحون اللاقطة والأبراج، ما يجعل إعادة تركيب بدائل لها مخاطرة في كثير من الأحيان. ويصل سعر الأنترنت في الشمال السوري إلى نحو 4 دولارات للميجا بايت الأول، وينقص كلما زادت السرعة، إذ يبلغ سعر 5 ميجا بايت 15 دولاراً.

يصل الأنترنت الهوائي إلى مدينة حلب عبر تركيا، إلى شركات كبيرة، توزع إلى مزودي خدمة (شركات صغيرة)، وبأسعار تتجاوز 10 أضعاف أسعار الأنترنت في معظم دول العالم ومنها تركيا، إذا ما قورنت بالسرعة المطلوبة. ويدفع المشترك في تركيا للحصول على أنترنت نحو 20 دولارات شهرياً، بسرعة 100 ميجابت، أما سرعة 16 ميجابت فتصل إلى 10 دولارات.
يقول أحمد عبد الرحمن إن سبب ارتفاع أسعار الأنترنت في سوريا الضرائب المفروضة من الدولة السورية. يشرح أحمد أن سعر واحد جيجابت من تركيا إلى سوريا 8 آلاف ليرة تركية (نحو 200 دولار)، لكن مزودي الخدمة يشترونها من الدولة السورية بـ 2225 دولاراً، يضاف إليها ضريبة الطيف الترددي السنوية وتراخيص أخرى، كذلك ثمن المعدّات وأجرة عمّال الصيانة وربح مزود الخدمة.
يقدّر أحمد تكلفة 3 ميجابت بين 11 إلى 12 دولاراً، دون المصاريف التشغيلية، تباع للمواطن بنحو 16 دولاراً، ويرى أنه، وفي حال، سمح لمزودي الخدمة بشراء الأنترنت بشكل مباشر من تركيا، فيمكن لمزود الخدمة بيع 10 ميجابت بنحو 15 دولاراً، عوضاً عن خمسين دولاراً.
أبو أحمد صاحب شركة أنترنت قال إن تكلفة كل ميجابايت تصل إلى 3.5 دولار، وأن شركته تحصل على الأنترنت عن طريق شركات وسيطة، مقدّراً عدد الوسطاء والشركات الصغيرة بالعشرات في مدينة حلب، ما يفتح باب المنافسة، على أساس الجودة. وتحتاج الشركات الكبيرة والصغيرة إلى تراخيص من دمشق، إذ تقدم الأوراق مع الجدوى الاقتصادية والمناطق التي ستخدمها الشركة قبل البدء بالعمل، حسب مزود الخدمة سلمو عزيزي.
ويضيف أبو أحمد إنهم لا يستهلكون كامل ما يشترونه من حزم، وهو ما يزيد من التكلفة، إذ تشتري الشركات كميات أكبر من السحب لضمان وصول السرعة المطلوبة للمشترك، بشكل كامل، دون نقص في الرفع أو التنزيل.
يدفع سكان مدينة حلب أكثر من راتب موظف حكومي في سوريا، ونحو نصف ما يتقاضاه عامل في القطاع الخاص، لأجل خدمة باتت ضرورة حياتية، متصدّرة قائمة الدول الأغلى تكلفة بالأنترنت في العالم، متجاوزة بذلك اليمن التي احتلت العام الماضي المركز الأول بـ 16 دولاراً لكل جيجابت، يدفعها الحلبيون ثمن ثلاثة ميجابت، يستطيع من خلالها إن توفرت أن يرى ضوءاً أزرق لرسائل واتس آب التي يرسلها من هاتفه المحمول.
