فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

المحلب في جبل الزاوية.. معركة بقاء أخرى

أميمة محمد

محصول المحلب الذي يقاوم الجفاف وسنين الإهمال يختصر حكاية مزارعي جبل الزاوية.. ببساطة، هي حكاية شجرة منهكة ومُزارع لا يعرف الاستسلام

على أطراف أرضه في قرية بلشون بجبل الزاوية، يتفحص المزارع الستينيّ أبو رامز أشجار المحلب التي تبدو مثل صاحبها منهكة من الحرب. يمشي على التربة الحمراء المتيبسة متنقلًا من شجرة لأخرى حاملًا مقصّ التقليم للتخلص من الأعواد اليابسة.

“يبدو أن موجة الجفاف التي ضربت المنطقة خلال العام الفائت ما زالت تؤثر على إنتاج الأشجار حتى اليوم”، يتمتم قائلًا ثم يشرح كيف أسهمت قلة الأمطار هذا الشتاء أيضًا بانخفاض الحمل بنسبة خمسين بالمئة، إذ أن شجرة المحلب تحتاج لكميات كبيرة من المياه في فترة الإزهار.

يعتمد المزارعون في جبل الزاوية على المحلب كأحد المحاصيل القليلة التي تتيح دورة مالية سريعة، فقصر فترة جني المحصول وتكاليف زراعتها المرتفعة لم يمنعا المزارعين من الاهتمام بهذا الموسم لأنه قد يحدد شكل معيشتهم طوال العام. العمال أيضًا يعتبرونه فرصة لتغطية احتياجاتهم الأساسية، لذلك فهم ينشطون في فترة جني المحصول. لكن في ظل التغيرات المناخية، بات التوازن هشًا بين الجهد المبذول والعائد المنتظر.

محاولات لإحياء الأراضي

يضم حقل أبي رامز نحو مئتي شجرة من المحلب والكرز، ويُعدّ هذا الحقل مصدر دخله الأساسي، لذلك فإنه يكرّس كامل وقته للعناية به بعد سنوات من الإهمال بفعل ظروف الحرب والقصف العشوائي من حواجز نظام الأسد، ورصد طيران الاستطلاع لتحركات المزارعين ومعداتهم، ما قيد النشاط الزراعي وأثر على الإنتاج.

الوضع تغيّر بعد عودة الأهالي لأراضيهم هذا العام، إذ باشر أصحاب الأرزاق بقلع الأشجار الهرمة، وزراعة أخرى عوضاً عنها، وتقليم الأغصان المتيبّسة، في محاولة لإحياء الأرض واستعادة مورد الرزق، إلا أنّ مساعيهم منحَ الحياة للحقول من جديد اصطدمت بواقع مناخي قاسٍ تمثّل في شح الأمطار وارتفاع نسبة الجفاف خلال فصل الشتاء، ما انعكس سلبًا على كمية الإنتاج وجودته. إذ يخشى المزارعون أن تُبدّد هذه التحديات البيئية آمالهم في تعويض ما فاتهم من مواسم خلال سنوات الحرب.

حقل لأشجار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.
حقل لأشجار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.

يشتهر أهالي جبل الزاوية بزراعة شجرتي المحلب والكرز، اللتين تمثلان بالنسبة لهم إرثًا متجذرًا يعود لأكثر من خمسين عامًا. لكن التغيرات المناخية أثّرت بشكل كبير على زراعة الكرز فاضطر كثيرٌ من المزارعين لاقتلاعها وزراعة المحلب عوضاً منها لأنه أكثر مقاومة للظروف الصعبة في بيئات مختلفة.

يشرح لنا طارق قراط، وهو تاجر وخبير في محاصيل الأشجار المثمرة من بلدة كنصفرة بجبل الزاوية قائلًا: “شجرة الكرز حساسة جدًا، تحتاج إلى رعاية كبيرة ونحو 72 ساعة صقيع حتى تثمر بنجاح، لكن الجفاف والتقلبات المناخية الأخيرة تسببت في يباسها”.

موسم لا يقبل التأجيل

بسبب قِصر موسم المحلب وعدم قابليته للتأجيل، يُضطر الفلاحون إلى استقدام عمال وورش عمل حتى وإن كانت أجورهم مرتفعة، إذ أن أي تأخير في القطاف يؤدي إلى احمرار الثمار وفقدان قابليتها للتسويق، لذلك فإن توقيت القطاف أمر بالغ الأهمية، ويجب أن تُجمع الحبوب في وقت ما تزال فيه خضراء مائلةً للاحمرار.

في الموسم الماضي انتشرت ورش العمال التي تعمل بنظام النسبة، تتقاضى فيه الورشة العاملة نحو ثلث قيمة الإنتاج، فيما تعود النسبة المتبقية لصاحب الأرض ليتمكن من تغطية التكاليف الزراعية التي تكبّدها طوال العام. يرى أبو رامز أن هذا النظام بات حلًا وسطًا بين ندرة اليد العاملة من جهة وارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع الأسعار من جهة أخرى، في محاولة لقطاف الثمار في الوقت المناسب وجني الموسم بأقل الخسائر.

فرصة عمل موسمية

قبل نهاية شهر أيار من كل عام، تستعد رنا الأسعد، 46 عامًا، لترك منزلها في سهل الروج غربي إدلب، لتلتحق بموسم قطاف المحلب في مزارع بلدة إبديتا بجبل الزاوية. رغم بُعد المسافة وصعوبة العمل، تخوض رحلة قصيرة رفقة أبنائها إلى الحقول، إذ تشكل هذه الأيام القليلة فرصة لكسب لقمة العيش في ظل انعدام الموارد الأخرى.

قطف ثمار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.
قطف ثمار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.

يُعد موسم المحلب مصدر دخل أساسي لمئات العائلات في المنطقة، على الرغم من قصر مدته التي لا تتجاوز 25 يومًا، تبدأ عادة في منتصف شهر أيار. وخلال هذه الفترة، تتوافد أعداد كبيرة من الأهالي إلى الحقول، معظمهم من النساء والفتيات والأطفال اليافعين، لتشكيل ورش قطاف تُمثل العمود الفقري لهذا النشاط الزراعي المؤقت.

تقول رنا، التي لا تعرف العطلة في مواسم قطاف معظم المواسم، إنها تمضي نحو عشر ساعات يوميًا مع أطفالها في حقول المحلب بجبل الزاوية، بعد أن أنهت عملها سابقًا في سهل الروج بزراعة وحصاد العصفر والكمون والكزبرة، وأحيانًا في جني الخضروات، حسب الموسم.

رنا، التي تحمّلت عبء إعالة أسرتها لسنوات طويلة، تضطر للعمل المتواصل عوضاً عن زوجها الذي يعاني من القصور الكلوي ولا يقوى على مشاركتها هذا النوع من الأعمال الشاقة بالنسبة له، ما يجعل عملها اليومي طوق نجاة لأطفالها في ظل واقع اقتصادي يزداد قسوة.

المخاطر اليومية التي يواجهها عمال الورش الزراعية في جبل الزاوية بسبب انتشار مخلفات الحرب، لا تمنع رنا من مواصلة العمل لقاء أجر لا يتعدى دولارًا واحدًا في الساعة. تقول: “خسرنا مصدر رزقنا في الحرب، وزوجي مريض، وأطفالي تركوا مدارسهم ليعملوا معي كي نؤمّن لقمة العيش”.

رغم مشقة المهنة، تفضّل رنا موسم المحلب على غيره من المواسم الزراعية، إذ ترى فيه عملًا أسهل بفضل خبرتها الطويلة، مقارنة بما تواجهه في أراضي سهل الروج، إذ تمضي ساعات طويلة تحت شمس الصيف الحارقة. وتوضح أن أجور العمل في المحلب غالبًا ما تكون مضاعفة، لذا فإنها تترقب وأطفالها هذا الموسم سنويًا بفارغ الصبر.

استغلال الموارد

خلال فترة عملها في موسم المحلب ببلدة إبديتا، تنزل رنا في أحد بيوت أقاربها المهجّرين خارج سوريا، مستفيدة من المنزل المهجور كمسكن مؤقت. تترك أطفالها الصغار برعاية والدهم المريض، بينما تصطحب الكبار معها للعمل في الحقول. أما الأطفال الذين لم يتجاوزوا العاشرة من عمرهم، والذين يُستثنون عادةً من الأجر من قبل أصحاب الأراضي، فيقومون بعمل يُعرف محليًا بـ”العفارة”، إذ يلتقطون الحبات المتبقية على الأشجار بعد انتهاء عملية القطاف الأساسية.

قطف ثمار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.
قطف ثمار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.

توضّح رنا أن ما تحصده مع أطفالها من عملهم في موسم المحلب يصل إلى نحو 400 دولار، وهو مبلغ تعتبره جيدًا مقارنة بالأجور المتدنية في باقي المواسم الزراعية. وتضيف أن هذا الموسم القصير يشكّل متنفسًا ماديًا لها ولعائلتها، رغم صعوبة العمل وبُعدها عن بيتها.

المحلب يتحدى الجفاف والحرب 

سجّل سعر كيلوغرام واحد من المحلب الأخضر في الموسم  الحالي نحو دولار ونصف الدولار، مرتفعًا بنحو نصف دولار عن سعره في العام الماضي، ويُعزى ذلك إلى زيادة الطلب الخارجي عليه، حسب ما يؤكده أبو رامز. يقول إن المحلب يتمتع بميزة إضافية كونه قابل للتخزين لفترات طويلة، مثل القمح والحمص، ويُصدّر على مدار العام، ما يعزز من قيمته في الأسواق الخارجية.

لكن مواسم السنوات الماضية لم تكن مرضية للمزارعين، نتيجة انخفاض الأسعار مقارنةً بالتكاليف التي يتكبدونها، بدءًا من استقدام ورش القطاف، مرورًا بحراثة الأرض، وتقليم الأشجار، وانتهاءً برشها بالأسمدة والمبيدات، وهو ما يجعل المردود المالي ضعيفًا.

يشرح طارق قراط، مراحل تجهيز المحلب للتصدير، “تبدأ العملية بشراء المحلب الأخضر من المزارعين، ثم يُعرّض لأشعة الشمس على أسطح المنازل لمدة أسبوع تقريبًا حتى يجف تمامًا، يُنقل بعد ذلك إلى آلة محلية تُعرف باسم، الدقّاقة، وهي مخصّصة لفصل الحبوب عن الأعواد الخشبية، ثم تُجمع الحبوب في أكياس خاصة وتنقل إلى آلة أخرى تسمى الجاروشة، التي تقوم بفصل قلب الحبة عن القشرة، وهو ما يُعدّ المرحلة الأخيرة قبل تصدير الكميات المستخلصة خارج البلاد”.

ذاكرة المحصول 

قبل اندلاع الحرب وسيطرة نظام الأسد على جبل الزاوية، بلغ سعر الرطل، أي 3.4 كيلو من المحلب اليابس، أربعين دولارًا، تراجع بعدها ليسجل عشرة دولارات بالحد الأقصى. “هذه التسعيرة لم تكن تسدّ تكاليف الحراثة والقطاف والأسمدة” يقول أبو رامز، ويشرح كيف أسهم النزوح وعدم قدرة المزارعين والورش على الوصول للأراضي على خطوط الجبهات بسبب تمركز قوات نظام الأسد في مواقع تكشف حركة المزارعين. يتابع: “تُركت كثيرٌ من ثمار المحلب دون قطاف، لذلك فإن الفائدة من هذا المحصول كانت قليلة”.

خلال السنوات السابقة كان تجار المنطقة يعتمدون في حساب المحلب الجاف على معادلة غير دقيقة، إذ يعادل كل تسعة كيلوغرامات من المحلب الأخضر رطلاً من المحلب الجاف، يحتسبه التجار بوزن 3.07 كيلوغرام فقط.

حقل لأشجار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.
حقل لأشجار المحلب في بلدة إبديتا بجبل الزاوية، تموز 2025.

هذا ما يعده أبو رامز “حسابًا مجحفًا”، فالرطل الحقيقي يزن 3.4 كيلو غرام، ما يعني أن الفارق يُحتسب لصالح التاجر على حساب المزارع، خاصة عند بيع كميات كبيرة. “سبق أن تقدّمنا  بشكوى إلى وزارة الاقتصاد قبل عامين بهذا الخصوص، إلا أن الأمر لم يشهد أي تغيير حتى الآن” يقول أبو رامز.

للمحلب نوعان هما الخضراوي الذي يفضل المزارعون بيعه بعد قطافه مباشرة فهو ذو قشور سميكة ويزن أكثر أثناء البيع، والآخر “أبو شوكة” الذي يفضل بيعه يابسًا لأنه يحوي قلبًا ممتلئًا، وكلاهما ينتشران في حقول الأهالي، ويفضل منهما المولّد ذو الجودة العالية.

وبالرغم من شح الأمطار في السنوات الأخيرة، يتوقع قراط وتجار آخرون في منطقة جبل الزاوية أن تتحسن حصيلة الإنتاج في العام القادم بعد اهتمام الأهالي بحقولهم و رشّ معظم الأشجار بالمبيدات وتقليمها وتطعيمها.