يشعل “محمد أبو شحود” كومة نفايات تراكمت قرب منزله المحاذي لدوار اللمبة في مدينة منبج، شرقي حلب، في محاولة للتخلص من الروائح الكريهة والذباب والحشرات المنبعثة من الكومة التي تشكّلت حديثاً، بعد أن تحوّلت إحدى زوايا الدوار إلى مكّب بسبب رمي الأكياس في الأماكن غير المخصصة لها.
يقول أبو شحود “لا توجد حاويات قرب الدوار، ومنذ عدة شهور بدأ سكان المنطقة برمي القمامة بشكل عشوائي بمحاذاته، اختصاراً للمسافة التي كانوا يقطعونها سابقاً للوصول إلى أماكن التخلصّ من النفايات، وكلّ ذلك وسط غياب تام للبلدية والجهات المسؤولة”.
يشتكي أهالي مدينة منبج من انتشار الذباب والحشرات نتيجة تكّدس مكبّات القمامة في الساحات العامة والأسواق والشوارع الرئيسة، هذا المشهد المتكرّر يثير مخاوف السكان من تفشّي الأمراض والأوبئة، لا سيّما مع دخول فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة.
أبو شحود ليس الوحيد، فكثير من أصحاب المنازل والمحلات التجارية وسائقي النقل الداخلي، أيضاً، يبادرون لإضرام النار بأكياس النفايات التي تتكدس يومياً في مساحة يزيد قطرها عن 10 أمتار مربعة، خوفاً من أن يتحوّل دوار اللمبة إلى مكان موبوء ونقطة انتشار للأمراض.
يعزو عمّال النظافة عدم ترحيل النفايات بشكل دوري إلى قلة عدد الآليات والتكلفة التشغيلية المرتفعة، ما ينعكس بشكل مباشر على عدد جولاتهم اليومية. هذا الأمر دفع أصحاب المنازل المحيطة والمحال التجارية، وسائقي النقل الداخلي، خاصة الذين يتخذون من دوار اللمبة موقف انطلاق لخط “الحزاونة”، إلى المبادرة وجمع ما تيسر من المال ومن ثمّ دفعه لعاملي النظافة، تشجيعاً لعودتهم في اليوم التالي، وترحيل النفايات.
يصف “أبو نايف” وهو صاحب حافلة لنقل الركاب، الوضع بالخانق “الذباب يملأُ السيارات، والروائح الكريهة تطرد المسافرين، الذين لم يعودوا يحتملون الانتظار حتى تنطلق السيارة”، ويؤكّد أنّ وجود القمامة في الدوار ينمّ عن منظر غير حضاري، “النفايات تتراكم، ولا يمكن التخلّص منها بوسائل بسيطة، العملية تحتاج حلولاً جذرية، ولا يقتصر الأمر على توفير حاويات أو سيارات، لأنّه في حال نقلتها البلدية صباحاً، ستعود وتتكدس مجدداً مع حلول المساء”.
مكب القمامة العشوائي في ساحة اللمبة ليس الوحيد في منبج، بحسب ما رصد “فوكس حلب”، إذ يشتكي الأهالي من غياب المكبّات المخصصة للقمامة، وضعف الاستجابة الرسمية في ترحيل النفايات، ما أدى إلى تراكم الأكياس في مكبات عشوائية على أرصفة ومنصفات الطرق في المدينة التي يقطنها أكثر من مليون نسمة، ضمن مساحة عمرانية تقدّر بنحو 5000 هكتار، بحسب مجلس منبج المحلي.
يشير رئيس مجلس منبج، المهندس أحمد عبد العزيز شيخو، إلى أن البلدية تحاول بشتى الطرق إيجاد حل لمشكلة تراكم مكبات النفايات العشوائية في المدينة، لكنّ ضعف الإمكانيات يقف عائقاً أمام تحقيق النتائج المرجوة، ويفاقم الأزمة في معظم الأحياء.
ويضيف “شيخو” أن البلدية تواجه تحديّات كبيرة وخاصة لجانب تغطية التكلفة التشغيلية، التي تشمل أجور العاملين والمحروقات والزيوت وصيانة الآليات، التي أصبحت قديمة ومتهالكة، ومن جهة أخرى هناك حاجة إلى معدات جديدة، خاصة بعد سرقة القسم الأكبر من آليات البلدية خلال فترة التحرير.
خاطب مجلس منبج محافظة حلب مرات عديدة، في محاولة لإيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، إلا أنّ استجابة المحافظة اقتصرت على تزويد البلدية بالمحروقات لمدة شهر واحد فقط، وهو ما يراه “شيخو” حلاً مؤقتاً لا يرقى إلى مستوى الأزمة.
يؤكد رئيس المجلس، أن الجهود الحالية ذات التأثير الأكبر تأتي من مبادرات أهلية، تتضمّن حملات توعية عبر خطباء المساجد، والفرق التطوعية لحثّ السكان على الحفاظ على نظافة المدينة، وتجنّب رمي النفايات بشكل عشوائي، إضافة إلى الالتزام بالمواعيد التي حددتها البلدية لوضع القمامة أمام المنازل، تمهيداً لنقلها وفق جدول دوري يشمل جميع الأحياء.
وفي محاولة إضافية لتحسين الواقع الخدمي أطلق مجلس مدينة منبج في 27 أيار الفائت مبادرة بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني وفرق تطوعية محلية والدفاع المدني السوري، تهدف إلى ترحيل مكبات القمامة العشوائية، وحراثة الحدائق والمنصفات، وصيانة الإنارة في الأماكن العامة، وزراعة الأشجار، وطلاء الأرصفة، وتجميل مداخل المدينة ودوّاراتها.
يعدّ تنظيم المبادرات التطوعية الأهلية أحد أبرز الحلول التي تتبنّاها الجهات الرسمية والخدمية، في ظل غياب التمويل اللازم لتغطية التكاليف التشغيلية، ليس في منبج وحدها، وإنما في عموم المناطق السورية، التي أطلقت أخيراً مبادرات وحملات عديدة، منها حملة “الوفاء لحلب” التي تُعنى بترحيل القمامة والأنقاض من الأحياء، وتنظيف الشوارع والحدائق وطلاء وتجميل الأرصفة وغرس الأشجار، بالإضافة إلى حملة “نشجّرها” في مدينة الباب، وغيرها من الحملات والمبادرات التطوعية التي تسعى لإبراز الصورة الحضارية للمدن السورية.
