أثارت قرارات وزارة التربية والتعليم السورية، وما أعلنته نقابة المعلمين السوريين الأحرار خلال لقائها مديرية تربية حلب، قبل أيام، قلق ومخاوف معلمين في أرياف حلب الشمالية والشرقية، حول مصير غير واضح ينتظرهم، بعد سنوات من الخدمة في القطاع التعليمي.
بين سؤال معلمين حول إمكانية “حفظ حقوقهم”، والإجراءات والشروط القانونية المتّبعة، يطالب الأهالي بضرورة اتخاذ مديريات التربية إجراءات تضمن مستقبل أبنائهم بالتعليم من قبل أشخاص أكفّاء يمتلكون الخبرة الأكاديمية والعملية.
لكل خصوصيته، يقول من تحدثنا معهم من معلمين إن المشكلة معقدة، تخص ثلاث فئات من المعلمين: المفصولون من مديريات التربية التي كانت تتبع لنظام الأسد قبل سقوطه ولأسباب كثيرة منها أمنية أو بحجة الانقطاع عن العمل، والمعلمون المعينون في مديريات التربية الحرة، والوكلاء من أصحاب الشهادات غير التعليمية أو شهادة الثانوية العامة.
المشكلة الأقل تعقيداً تخص المعلمين المفصولين من التعليم خلال حكم نظام الأسد، والتي تتلخص بإجراءات تعيق عودتهم للعمل، خاصة تلك المرتبطة بقانون العقوبات الخاص بترك العمل رقم (364) من قبل الموظفين في القطاع العام لوظائفهم، دون مبرر، قبل قبول الصك القاضي بقبول الاستقالة أو الانقطاع عن العمل، ومعاملتهم “بحكم المستقيل”، إذ يحكم عليهم وفق القانون بالحبس من ثلاث إلى خمس سنوات وبغرامة مالية لا تقل عن الراتب الشهري مع التعويضات لمدة سنة كاملة.
حول مصير المعلمين المفصولين نشرت نقابة المعلمين الأحرار في تقريرها الصادر بعد اجتماع مع مديرية تربية حلب و ممثلين عن مجلس المحافظة أن مديرية التربية في حلب رفعت “مقترحاً لوزارتي التربية والمالية، لإعفاء المعلمين المفصولين من التراكمات المالية والإجراءات المعقدة”.
تثبيت المعلمين المنضمين إلى الكوادر التعليمية في مديريات التربية الحرّة بأرياف حلب، ممن يملكون شهادات تخصصية بالتعليم، وإلحاقهم بوزارة التربية والتعليم السورية، ومعاملتهم كـ “وكلاء”، مشكلة أثارت جدلاً بين معلمي المنطقة.
وكانت مديرية تربية عفرين قد وزعت على مدارسها وثيقة “بيان خدمي تفصيلي للعاملين الوكلاء”، بالتنسيق مع مديرية تربية حلب، لملء البيانات المطلوبة ومعاملة معلميها “بحكم الوكلاء”.
كذلك؛ بدأت مديرية التربية في حلب، بالتعاون مع مديريات التربية والتعليم في المجالس المحلية لمناطق أعزاز، عفرين، مارع، الباب، جرابلس، الراعي، صوران، أخترين، مطلع أيار الجاري، بنقل سجلات الكوادر التعليمية والتدريسية القائمة على رأس عملها إلى سجلات وزارة التربية والتعليم، وتدقيقها، بعد أن كانت تعمل بتنسيق مباشر من المجالس المحلية المرتبطة إدارياً بالولايات التركية المحاذية للحدود مع سوريا.
وتسلم مندوبون عن تربية حلب من قبل الكوادر التدريسية والتعليمية القائمة على رأس عملها في مدارس ريفي حلب الشمالي والشرقي، وثائق ورقية تتضمن، آخر شهادة دراسية حاز عليها المعلم، وورقة قائم على العمل، ووثيقة تظهر بيانات المعلم في حساب شام كاش بخصوص تحويل الرواتب.
محمد صباح حميدي، نقيب المعلمين السوريين الأحرار اعتبر أن “قرار عدم تثبيت المعلمين واعتبارهم وكلاء يهدد استقرار الكوادر التدريسية في ظل الحاجة الملحة، لأن المعلم المثبت له حقوق وعليه واجبات، بينما المعلم الوكيل، غير ملزم ويعمل بنظام الساعات أو العمل البديل، ومن الضروري إيجاد صيغة مناسبة لتثبيت المعلمين بغية ضمان استقرار واستمرار العملية التعليمية”.
وقال حميدي، خلال حديثه لـ “فوكس حلب”: “إن النقابة تسعى من خلال عملها إلى مناصرة المعلم بشكل خاص وقضية التعليم بشكل عام، لذلك اجتمعنا مع مديرية تربية حلب بهدف مناقشة قضية المعلمين المفصولين، والمعلمين الذين عينوا خلال سنوات الثورة السورية واعتبرتهم وزارة التربية وكلاء غير مثبتين”.
وأكدت نقابة المعلمين السوريين الأحرار عن “نية مديرية تربية حلب تثبيت المعلمين المعينين بعد الثورة السورية، وذلك بعد الانتهاء من عمليات الإحصاء والتحقق من بيانات الخدمة والشهادات”. قضية المعلمين المكلفين والوكلاء، وهم المنضمون إلى الكوادر التعليمية، من حملة شهادات جامعية أو معاهد غير مختصة بالتعليم أو من حملة الشهادات الثانوية، كانت المشكلة الأكثر تعقيداً في ملف التعليم.
يرى المعلمون الوكلاء في تثبيتهم حقّاً، نظراً لخدمتهم الطويلة بالتعليم وسدّ الفراغ التعليمي، كذلك خبرتهم التي اكتسبوها خلال السنوات الماضية، وظروف عدم إكمال دراستهم، في الوقت الذي تحدّد قوانين التربية عملية تثبيت الوكلاء ينقسم الأهالي في نظرتهم إليها بين من يرى ضرورة تنفيذها لضمان مستقبل تعليم أبنائهم، ومن يطلب إيجاد شروط أقل تعقيداً وفاء للوكلاء الذين حملوا على عاتقهم مهمة التعليم خلال السنوات الماضية.
يصف يوسف الأحمد، مدرس اللغة العربية في جرابلس بريف حلب الشرقي، قرار وزارة التربية بأنه “مجحف بحق شريحة واسعة من المعلمين الذين خدموا العملية التعليمية لسنوات طويلة في ظروف قاسية وغير مستقرة”.
يقول الأحمد إن “اعتبار المعلمين ذوي الخبرة الطويلة والالتزام العالي بأنهم مجرد وكلاء غير مثبتين، فقط لعدم امتلاكهم شهادة تدريسية رسمية، يعد قراراً يتنافى مع مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة المهنية، فهناك من أمضى أكثر من عشر سنوات في التعليم وحقق نتائج ملموسة على صعيد الطلبة والمدارس الرسمية”.
وعدّ محمد العلي، معلم للصف الثاني الابتدائي في إحدى مدارس مدينة صوران شمالي حلب، أن “القرار يُقصيهم من حقوقهم الوظيفية، ويهدد أمنهم المهني والمعيشي رغم أنهم لم يدخروا جهداً في أداء واجبهم التعليمي والمهني في ظروف استثنائية”.
وقال العلي خلال حديثه لـ “فوكس حلب”: “إن الوزارة ترى أن قرارها قانونياً ويقتصر فقط على من لا يحملون شهادة تدريسية، لكنه في الواقع يرفض مراعاة الظروف التي حالت دون حصول كثير من المعلمين على هذه الشهادات، وخاصة في المناطق المنكوبة التي شهدت اضطرابات أمنية ونزوحاً واسعاً خلال سنوات الثورة السورية”.
يطالب العلي ومعلمون وكلاء تحدثنا إليهم، إعادة النظر في قرار تثبيت المعلمين، أو على الأقل وضع آليات تقييم تراعي الخبرة العملية وتمنح أصحاب الكفاءة فرصاً عادلة للتثبيت أو متابعة الدراسة أثناء العمل، بما يحقق التوازن بين متطلبات الجودة التعليمية وحقوق العاملين فيها، خاصة أن القرار يؤثر على شريحة واسعة من المعلمين.
من جهته قال نقيب المعلمين السوريين الأحرار إن النقابة ناقشت، خلال اجتماعها مع مديرية التربية، قضية المعلمين من الاختصاصات غير التعليمية، أو حملة الشهادة الثانوية.
وأوضح حميدي أن الاتفاق جرى على تثبيت المعلمين الوكلاء الذين يحملون شهادات جامعية ومعاهد متوسطة تعليمية، فوراً. أما الوكلاء ممن يحملون شهادات غير تعليمية أو طلبة جامعات منقطعين، فسيعاملون بآخر شهادة يحملونها، وهي وثيقة الثانوية العامة، وفق شروط تثبيت ومسابقات خاصة بالوكلاء.
تقرير النقابة أكد نيّة مديرية التربية تثبيت الوكلاء ممن يملكون 1000 يوم خدمة وشهادات نظامية، خلال العطلة الصيفية القادمة، وهو ما أثار حفيظة وكلاء قالوا إن هذا القرار مجحف بحقهم، خاصة وأنه ضاعف أيام الخدمة التي نص عليها القانون (38) لعام 1975، لتعيين المعلمين الوكلاء بوظيفة (معلم في التعليم الابتدائي) والذي يشترط أن يكون الوكيل قد مارس مهنة التعليم وكالة في المدارس الرسمية بشكل متقطع أو مستمر مدة لا تقل عن 500 يوماً.
في الوقت ذاته؛ يرى ذوي تلاميذ في قرار مديرية التربية ما يسهم بضمان مستقبل أبنائهم، بعد أن انخرط في المؤسسات التعليمية من لا يملك شهادات جامعية تعليمية، ويدرسون بناءً على شهادة الثانوية العامة، ما يضع مستقبل أبنائهم على المحك.
“مستقبل التلاميذ ليس لعبة بأيدي المعلمين غير المختصين، ومن حق ابني أن يعلمه مدرس متخصص في المجال التعليمي”، يقول وائل النايف، والد طفلين يدرسان في مرحلة التعليم الابتدائي في مدينة أخترين بريف حلب الشمالي، مضيفاً، أن “معظم الكوادر التعليمية من حملة الشهادة الثانوية، بينما تنتشر شهادات مزورة، ولا بد من إيجاد حل للمشكلة”.
صهيب بكور، مدير مدرسة الشهيد أسامة بكور في مارع بريف حلب الشمالي، قال إن “حملات النزوح والتهجير خلّفت حاجة ملحة للكوادر التدريسية، ما اضطر مديريات التربية للاستعانة بمعلمين وكلاء”، لكن مع سقوط نظام الأسد وعودة النازحين “نحتاج لحل فعلي يعيد توزيع المعلمين جغرافياً بناءً على الحاجة”.
ويرى بكور أنه “من الطبيعي أن يتم تثبيت المعلمين الذين يحملون شهادات تعليمية اختصاصية، ويجب إعادة النظر بشهاداتهم بسبب انتشار تزوير الشهادات خلال السنوات الماضية، وفصل المزورين”.
ويضيف أن “المعلمين الذين يحملون شهادة معاهد زراعية أو صناعية أو الثانوية غير مخولين لدخول البيئة التربوية لإدارة الفصل التعليمي، إلا أنهم دخلوا لسد احتياج المدارس، وبالتالي من الطبيعي معاملتهم وفق قانون الوكلاء، الذي يخصص لهم مسابقات تحدد فئتهم بأنهم معلمين مثبتين بمسابقة وكلاء، بحيث تختلف فئتهم عن المعلمين المثبتين حسب اختصاصاتهم التعليمية”.
ويوضح، أنه من غير المبرر تثبيتهم في السلك التعليمي دون إجراء فحص يراعي الشروط القانونية، لكن ذلك، سينعكس على عدد المعلمين، وبالتالي يجب مراعاة الحاجة للكوادر التعليمية في المدارس، من خلال إيجاد حلول تعيد تأهيل معلمين يحملون شهادة الثانوية، للوصول إلى نتيجة حقيقية تضمن حق الطالب من التعلم من معلم مؤهل تربوياً وتعليمياً.
قضايا شائكة تخص آلاف المعلمين من مختلف الفئات الوظيفية تحتاج إلى حلول تضمن في الوقت ذاته حق المعلم والطلب، بما يضمن عملية تربوية آمنة ومستقرة بعد سنوات عجاف عاشتها العملية التعليمية خلال عقد ونصف من الزمن.
