فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

منبج وحيدة في مواجهة أزمة عطش حادة مع قدوم الصيف

حسين الخطيب

نحو مليون إنسان في منبج يعيشون أزمة نقص مياه حادة منذ ما يزيد عن خمسة أشهر، وتضاعف الحاجة إليها مع ارتفاع درجات الحرارة

ينتظر سكان منبج بريف حلب الشرقي وعوداً حكومية بإصلاح شبكات ومضخات المياه المتوقفة منذ ما يزيد عن خمسة أشهر، دون جدوى، فما يزال أكثر من مليون شخص، يسكنون منبج وريفها، يشكون توقف عمليات ضخ المياه دون توفير بدائل أو دعم ريثما تنتهي أعمال الصيانة التي أعلن عنها قبل نحو شهرين.

المدينة العطشى، على حدّ وصف سكان فيها، تستعد لاستقبال صيف حارّ يزيد فيه استهلاك السكان للمياه، دون تغير ملموس، ترافق ذلك مع ارتفاع في تكلفة ثمن المياه، غير النقية، التي يستجرونها عبر الآبار، وما تسببه من أمراض.

يوسف الحمو، خيّاط أحذية في سوق المسقوف في وسط منبج، قال إن حاجة عائلته من المياه تضاعفت مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، إذ بات يحتاج لـ 20 برميل مياه أسبوعياً، حاله مثل حال معظم عائلات المدينة. 

يصل سعر 20 برميل مياه عبر الصهاريج إلى 160 ألف ليرة سورية (نحو 16 دولاراً)، وهي تكلفة يصفها يوسف بـ “المرتفعة”، مقارنة بمتوسط دخل المواطن في منبج والذي لا يزيد عن مئة دولار شهرياً، وتقضم كامل راتب موظف في القطاعات الحكومية، إذ يبلغ متوسط دخلهم نحو 50 دولاراً.

العبء الثقيل لتكلفة المياه ترافق مع نزوح في مياه الآبار المحيطة بالمدينة لكثرة الطلب، ما تسبب باستجرار مياه تحتوي على ترسبات كلسية ورملية، أو اللجوء إلى آبار ملوثة بسبب قربها من مجاري الصرف الصحي.

يصف حمود مياه الصهاريج بأنها “لا تراعي معايير السلامة الصحية”، إذ يضطر الأهالي لشراء “مياه مخبوطة تحتوي على الكلس والأتربة، أحياناً يكون مذاقها غريباً.. لكن ليس هناك بديل آخر.. فنحن بحاجة للمياه”.

الطبيب أمين المشهد، مدير المستشفى الوطني في منبج وصف المياه الجوفية المستجرّة في منطقة منبج بأنها غير صالحة للشرب، إذ “تحتوي على ترسبات كلسية ونسبة عالية من المواد المعدنية، ما تسبب بإصابات عند كبار السن، لا سيما الحصيات الكلوية، والبروستات، والالتهابات في المجاري البولية”.

وأضاف الطبيب أمين “يوجد آبار مياه جوفية قريبة من مجرى الصرف الصحي، وعمليات نقل المياه تتم بطرق بدائية دون تعقيم في الصهاريج ما يعرضها للتلوث، ويؤدي إلى انتشار أمراض معدية خاصة لدى الأطفال، مثل التسمم والإسهال والكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية”.

يعد نهر الفرات المصدر الرئيس لمياه الشرب في مدينة منبج التي تعتمد على 8 مضخات، 4 منها تقع عند مصدر الضخ في محطة البابيري على نهر الفرات في ناحية الخفسة بريف حلب الشرقي، تضخ المياه إلى محطة تل أسود التي تحتوي على 4 مضخات أخرى تضخ المياه إلى الخزان الأرضي في جبل القرعة الذي يغذي المدينة، بالإضافة إلى مضخة احتياطية في محطة البابيري لم تكن قيد العمل سابقاً.

تعرضت مضخات مياه منبج لأضرار كبيرة جراء العمليات العسكرية التي شهدتها المنطقة بين فصائل الجيش الوطني السوري، وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة، وتضرر البنية التحتية لشبكة المياه في كانون الأول 2024.

وفي 7 نيسان الماضي، أبرمت منظمة Oxfam بالتعاون مع المؤسسة العامة للمياه في حلب، اتفاقية لتنفيذ مشروع صيانة مضخات المياه، وذلك بهدف تحسين جودة وصول المياه للسكان، على أن تتم أعمال الصيانة خلال مدة تصل إلى 40 يوماً، إلا أن المدة المحددة للاتفاقية انتهت دون وصول المياه إلى منازل أهالي منبج.

يقول مدير شركة المياه في منبج، جمعة الأحمد، إن “مسؤولية صيانة مضخات مياه الخفسة تقع على عاتق مؤسسة مياه حلب”، إذ يقتصر دور شركة مياه منبج على تنظيم ضخ المياه داخل منطقة منبج وريفها. كان من المفترض “أن تنتهي أعمال صيانة المضخات خلال الأسبوع الماضي حسب ما أعلن خلال الاتفاقية بين مؤسسة مياه حلب ومنظمة أوكسفام، والمتعهدين الذين حصلوا على المشروع، لكن الأعمال لم تنته حتى اللحظة”.

ويرجع الأحمد سبب تأخر تنفيذ المشروع إلى “ضعف البنية التحتية للشبكة والمضخات التي يزيد عمرها عن 50 عاماً، وتعرضها لتوسع عشوائي خلال السنوات الماضية سواءً داخل المدينة أو في قرى وبلدات الريف”، ولذلك ستحتاج إلى وقت لإجراء عمليات صيانة موسعة وتوفير قطع تبديل مطابقة لمعايير العقد لإعادة تشغيلها مجدداً.

ولفت الأحمد إلى أنه من الممكن أن تبدأ عملية ضخ جزئية ضمن فترة تجريبية خلال الأسبوعين المقبلين، في إطار تنفيذ المشروع، لكن إلى الآن لا يوجد أي تأكيد، بسبب حجم الضرر الذي تعرضت له الشبكة.

يقلل وصول المياه عبر شبكة البلدية من النقص الحاد الذي تشكوه مدينة منبج، لكنها لا تحلّ المشكلة جذرياً، يقول الأحمد إن “إعادة ضخ المياه عبر المحطات الرئيسة في منبج لا يغطي حاجتها من المياه، لأنها تعاني أساساً من نقص حاد في المياه منذ أكثر من عقدين، بسبب ارتفاع أعداد السكان وزيادة الاستهلاك  دون تطوير لمضخات المياه فيها”.

تخيّم أزمة المياه على مدينة منبج، لكنها في الوقت ذاته تترك آثارها على معظم المدن والبلدات السورية التي تشكو هي الأخرى من أزمة مياه بسبب تهالك البنى التحتية ونقص الأمطار والجفاف والتغيرات المناخية، ما يستدعي حلولاً يجب أن تتضافر لإنجاحها المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية، إضافة لدور السكّان في تقنين المياه والتوقف عن هدرها.